منظمات حقوقية تطالب بوقف تهجير أهالي شمال سيناء وتحذر من موجة نزوح قسري ثالثة

في برنامج مصر ..خارطة الطريق, مواقف وبيانات

تعرب المنظمات الحقوقية الموقعة أدناه عن بالغ قلقها إزاء الممارسات والإجراءات التي تتخذها قوات الجيش المصري لإجبار سكان قريتي الخرافين والمقاطعة بشمال سيناء وتجمعات سكانية في رفح والشيخ زويد على مغادرة أراضيهم؛ التي عادوا إليها مؤخرًا بعد سنوات من النزوح والتهجير الناجم عن العمليات العسكرية في شمال سيناء، فأعادوا إعمارها بجهودهم الذاتية.

وبحسب شهود عيان، يتعرض الأهالي لضغوط متصاعدة منذ مطلع يونيو الجاري، عبر حملات ميدانية متكررة لقوات عسكرية تابعة لمعسكر «الزهور»؛ أحد معسكرات الجيش الثاني الميداني بمدينة الشيخ زويد. فضلًا عن تهديدات بالاعتقال وأوامر شفهية بالإخلاء الفوري للمنطقة، وإزالة المساكن المؤقتة (العشش)، وتفكيك ألواح الطاقة الشمسية المستخدمة في تشغيل الآبار الزراعية، وتهديد بمعاقبة كل من يرفض التنفيذ أو المغادرة. كما أفادت شهادات بأن عشرات الأسر غادرت المنطقة بالفعل رغم غياب أي إعلان رسمي يوضح أسباب هذه الإجراءات أو يحدد مصير الأسر المتضررة منها.

يشرح أحد سكان قرية المقاطعة كيف بدأت الإجراءات بصورة تدريجية بداية من شهر يونيو الحالي قائلا: «في الأول قالوا شيلوا العشش، بعدها شيلوا ألواح الطاقة الشمسية، بعدها أخلوا المنطقة كلها. كانوا بييجوا كل يوم تقريبا، ومعاهم معدات خفيفة يكسروا بيها العشش. ما سابوش عريشة واحدة في المنطقة إلا وكسروها، ولو الاسرة ساكنة في بيت بيطلبوا منهم ياخدوا كل اللي يقدروا يشيلوه معهم». ويضيف أخر: «كانوا يقفوا عند باب البيت ويقولوا طلع العفش وفك الأبواب والشبابيك، عايز تجيب عربية ولا نجيبلك عربية؟».

إن أي مشروعات أو ترتيبات ذات طابع أمني أو تنموي لا ينبغي أن تتم على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين أو دون إشراكهم بصورة فعالة في القرارات التي تمس مستقبلهم ومصير أراضيهم ومجتمعاتهم المحلية. كما أن التعويضات المالية، حتى وإن توفرت، لا يمكن أن تشكل بديلًا كافيًا في الحالات التي ترتبط فيها الأرض ارتباطًا وثيقًا بمصادر الرزق والهوية والانتماء الاجتماعي، لا سيما في المجتمعات البدوية والقبلية التي تعتمد حياتها بصورة مباشرة على الزراعة والأرض.

تأتي هذه التطورات في سياق أزمة ممتدة منذ أكثر من عقد، شهدت خلالها مناطق واسعة من شمال سيناء موجات متعاقبة من التهجير والنزوح. فمنذ أواخر عام 2013 دُمر ما لا يقل عن 12350 مبنى معظمهم منازل، وجُرفت أو أُتلفت أو مُنع الوصول إلى ما لا يقل عن 14,300 فدانا من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان وفقدانهم مساكنهم ومصادر رزقهم. واستمرت أعمال الهدم وتجريف الأراضي بعد عام 2020 في رفح والشيخ زويد والعريش، في ممارسات اعتبرتها تقارير حقوقية قد تصل حد جرائم الحرب.

وخلال السنوات اللاحقة، ظلت قضية «حق العودة» إلى القرى والمناطق التي هُجّر منها السكان إحدى أبرز القضايا الحقوقية والإنسانية في شمال سيناء. ففي أغسطس 2023 نظم مئات من أهالي رفح والشيخ زويد اعتصامات وتجمعات سلمية تحت شعار «ودنا نعاود» للمطالبة بالسماح لهم بالعودة لأراضيهم ومنازلهم التي هُجّروا منها، بعد سنوات من النزوح وغياب البدائل المناسبة والتعويضات العادلة. وقد انتهت هذه الاحتجاجات بعد لقاءات وتعهدات من مسئولين محليين وأمنيين بالنظر في مطالب الأهالي وإيجاد حلول لملف العودة.

إلا أن السلطات لاحقا قد تعقبت عدد من المشاركين في هذه التحركات السلمية، وأحالت العشرات منهم إلى المحاكمة العسكرية في القضية رقم 80 لسنة 2023 جنايات عسكرية الإسماعيلية، المعروفة إعلاميًا بقضية «حق العودة». وفي ديسمبر 2024 شمل عفو رئاسي 54 من المحكوم عليهم في هذه القضية، بينما بقي آخرين رهن الاحتجاز. وقد سبق وأثارت هذه القضية انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وخبراء أمميين اعتبروا أن مطالب الأهالي بالعودة إلى أراضيهم تمثل حقًا مشروعًا لا ينبغي أن يكون محل ملاحقة جنائية.

وفي هذا الصدد تذكّر المنظمات الموقعة بأن المادة (63) من الدستور المصري تحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، وتعتبره جريمة لا تسقط بالتقادم. كما تكفل المادة (78) الحق في السكن الملائم والآمن بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية. وبالمثل، تؤكد المعايير الدولية ذات الصلة، بما في ذلك المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، أن السلطات ملزمة بحماية السكان من التهجير التعسفي، واستكشاف جميع البدائل الممكنة قبل اللجوء إلى أي إجراءات تؤدي إلى النزوح. وضمان إطلاع المتضررين على أسباب هذه الإجراءات وآثارها المتوقعة، وعدم تعريضهم للتشرد أو فقدان سبل العيش، وتوفير التعويضات المناسبة والبدائل الملائمة والحلول الدائمة.

هذه المبادئ والالتزامات تكتسب أهمية خاصة في الحالة الراهنة، إذ إن غالبية الأسر المهددة بالإخلاء اليوم سبق وهُجّرت بسبب العمليات العسكرية والقيود الأمنية التي شهدتها شمال سيناء منذ عام 2014، قبل أن تعود خلال السنوات الأخيرة إلى أراضيها وتعيد إعمارها بمجرد تراجع حدة العمليات العسكرية وعودة بعض مظاهر الحياة المدنية. ومن ثم فإن أي إجراءات تؤدي إلى تهجير هذه الأسر مجددًا، دون مبررات قانونية معلنة وضرورية، ودون ضمانات كافية للحماية والتعويض والبدائل المناسبة، تثير مخاوف جدية حول انتهاك حقهم في العودة والاستقرار المكفول بموجب الدستور المصري والمعايير الدولية ذات الصلة، وتهدد بإبقائهم في حالة نزوح دائمة وحرمانهم من استعادة أراضيهم وممتلكاتهم.

كان عدد من المقررين الخواص والخبراء المستقلين بالأمم المتحدة قد أعربوا في خطابين للسطات المصرية منشورين في أكتوبر 2024 ويونيو 2026 عن مخاوف جدية إزاء الانتهاكات المرتبطة بالتهجير والنزوح في شمال سيناء. ودعوا السلطات المصرية إلى توضيح البدائل التي تم بحثها قبل اللجوء إلى التهجير، وضمان عدم تشريد المتضررين، وتوفير السكن البديل والتعويض المناسب، وتهيئة الظروف التي تسمح بالعودة الطوعية والآمنة والكريمة للنازحين إلى مناطقهم الأصلية. كما شددوا على ضرورة حماية ممتلكات السكان ومنع تكرار الانتهاكات المرتبطة بالنزوح الداخلي، واحترام حقوق المجتمعات المحلية المرتبطة بالأرض والزراعة وسبل العيش.

وإذ تخشى المنظمات الموقعة أن تؤدي الإجراءات الجارية إلى تقويض ما تحقق من عودة تدريجية للحياة المدنية والزراعية في قرى ومناطق شمال سيناء خلال السنوات الأخيرة، والزج بالسكان مجددًا إلى دائرة النزوح وعدم الاستقرار وانعدام اليقين بشأن مستقبلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، وتبديد الجهود التي بذلوها لإعادة إعمار مناطقهم واستعادة سبل عيشهم بعد سنوات من التهجير، تطالب المنظمات السلطات المصرية بما يلي:

  1. الوقف الفوري لأي إجراءات إخلاء أو ضغوط ميدانية تستهدف سكان المقاطعة والخرافين وأبو كبريت والتجمعات المجاورة، لحين الإعلان الرسمي والواضح عن الأساس القانوني لهذه الإجراءات.
  2. الكشف عن الأسباب الأمنية أو التنموية أو الإدارية التي تستند إليها الممارسات الجارية، وضمان إتاحة المعلومات الكاملة للسكان المتضررين.
  3. الامتناع عن استخدام التهديد أو الإكراه أو الترهيب لإجبار السكان على مغادرة منازلهم وأراضيهم.
  4. ضمان عدم تشريد أي أسرة أو حرمانها من مصادر الرزق، وتوفير البدائل المناسبة قبل أي إجراءات تمس استقرار السكان.
  5. فتح حوار جاد وشفاف مع ممثلي المجتمعات المحلية والأهالي والجهات المنتخبة بشأن مستقبل المنطقة وأي مشروعات أو ترتيبات قد تؤثر على حقوق السكان.
  6. ضمان حصول المتضررين على تعويضات عادلة وكافية عن أي أضرار تلحق بممتلكاتهم أو أراضيهم أو مصادر دخلهم، وفقًا للمعايير الدستورية والدولية ذات الصلة.
  7. احترام حق سكان شمال سيناء في الاستقرار والعودة الآمنة والكريمة إلى مناطقهم الأصلية، وعدم تعريضهم لموجات متكررة من النزوح والتهجير.

إن إعادة إعمار شمال سيناء وتحقيق التنمية المستدامة فيها لا يمكن أن يتحققا عبر إجراءات تفتقر إلى الشفافية أو تتجاهل حقوق السكان المحليين. فالسكان الذين تحملوا سنوات طويلة من النزاع والنزوح وساهموا في إعادة الحياة إلى مناطقهم يستحقون سياسات عادلة وقائمة على المشاركة وسيادة القانون، تضمن أمنهم وكرامتهم وحقوقهم، وتمنع تكرار المآسي الإنسانية التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي.

المنظمات الموقعة:

  1. مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان
  2. الجبهة المصرية لحقوق الإنسان
  3. المنبر المصري لحقوق الإنسان
  4. مركز النديم
  5. إيجيبت وايد لحقوق الإنسان
  6. مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
  7. مؤسسة دعم القانون والديمقراطية
  8. المفوضية المصرية للحقوق والحريات

Share this Post