ليبيا: حملة القمع الحالية جزء من نمط أوسع من القمع المؤسسي الراسخ بذريعة حماية «الأمن الوطني» و«الأخلاق الدينية»

في البرنامج الدولي لحماية حقوق الإنسان, دول عربية, مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة

 كشف مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن تدهور خطير في مساحة العمل المدني المستقل في ليبيا، منذ آخر استعراض دوري شامل للملف الحقوقي الليبي أمام الأمم المتحدة عام 2021 وحتى اليوم. فبحسب تقريره المقدم في إطار الدورة الخمسين للاستعراض الدوري الشامل؛ لم تتخذ السلطات الليبية أية إصلاحات حقيقية، بل على العكس، أصدرت سلسلة من القوانين والقرارات عززت من سيطرة السلطة التنفيذية على منظمات المجتمع المدني.

التقرير يؤكد أن حملة القمع الحالية بحق المجتمع المدني ليست معزولة عن السياق العام في البلاد، بل هي جزء من نمط أوسع من القمع المؤسسي الذي ترسخ تحت ذريعة حماية «الأمن الوطني» و«الأخلاق الدينية». فمنذ عام 2014، أدى الصراع المسلح، وتنافس الحكومات، والغموض الدستوري إلى تعزيز الحكم التعسفي وتقليص الحريات. ورغم التزامات ليبيا الدولية، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ يوضح التقرير كيف أن القيود القانونية المتعمدة، وتدخل الميليشيات المسلحة التي تحظى بإفلات تام من العقاب، قد فاقمت الوضع. إذ تداهم هذه الجماعات مكاتب المنظمات، وتختطف النشطاء، وتهدد العاملين في مجال حقوق الإنسان، وغالبًا ما تفعل ذلك بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الرسمية.

وفيما يُقدم التقرير تحليلًا للقوانين المتناقضة التي تجعل العمل المدني المستقل شبه مستحيل؛ فإنه يتضمن توصيات ملموسة للإصلاح التشريعي، لضمان أن تفي ليبيا بالتزاماتها الدولية وتضمن حق المواطنين في حرية تكوين الجمعيات.

تقرير مقدم من:
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

السلطات الليبية تقوض الفضاء المدني عبر قوانين رجعية وممارسات قمعية

تقرير مقدم إلى الدورة الخمسين للاستعراض الدوري الشامل

(يناير–2025)

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان هو منظمة حقوقية إقليمية مستقلة تأسست عام 1994.
على مدى 30 عامًا، حافظ المركز على حضوره كمنظمة فاعلة مقرها في الجنوب (مصر وتونس)، أضحى لها مكاتب في بعض دول الشمال (سويسرا، بلجيكا وفرنسا)، مفتخرًا بدوره في كسر الحواجز بين شعوب دول الشمال والجنوب، وتعزيز التعاون الثقافي والحقوقي العابر للدول والأوطان، وبناء قدرات المنظمات الحقوقية وتشكيل التحالفات والشبكات، من أجل تمثيل أفضل في الهيئات التعاقدية الدولية، يصنع تأثيرًا في سياساتها إزاء قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية بالمنطقة العربية.
يتمتع المركز بوضع استشاري خاص في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة.

المقدمة

  1. منذ آخر استعراض دوري شامل للملف الحقوقي الليبي أمام الأمم المتحدة عام 2021، زاد الإطار القانوني المنظم للمجتمع المدني في ليبيا تعقيدًا وتشرذمًا. وبدلًا من اتخاذ إصلاحات جادة، أصدرت السلطات الليبية سلسلة من المراسيم والقرارات واللوائح التي تعزز هيمنة السلطة التنفيذية على منظمات المجتمع المدني.

  2. لا يمكن النظر لحملة قمع المجتمع المدني الحالية بمعزل عن السياق، فهي تعكس نمطًا أوسع من القمع والتشرذم المؤسسي، وترسيخ الممارسات السلطوية تحت غطاء حماية الأمن الوطني والأخلاق الدينية. فمنذ الصراع المسلح عام 2014، تشهد ليبيا حكومات متنافسة، والتباس دستوري، وانعدام الأمن، وجميعها عوامل عززت من الحكم التعسّفي وتقلص الفضاء المدني.

  3. رغم انضمامها للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1970، يستمر إخفاق ليبيا في الوفاء بالتزاماتها بموجب المادة 22، التي تضمن الحق في حرية تكوين الجمعيات. ورغم أن الإعلان الدستوري الليبي لعام 2011 يقر ببناء دولة ديمقراطية تحترم التعددية وحقوق الإنسان، إلّا أن المراسيم والقوانين المتعاقبة، التي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة قد قوضت هذه الالتزامات.

  4. إلى جانب القيود القانونية والإدارية المفروضة من الدولة، تعمل منظمات المجتمع المدني في ليبيا في بيئة تهيمن عليها المليشيات والكيانات المسلحة. هذه الميليشيات لها سلطة فعلية كبيرة، خاصة في ظل غياب جهاز أمني وطني موحد، كما أنها تحظى بإفلات تام من العقاب. تتعمد هذه المجموعات مداهمة مكاتب منظمات المجتمع المدني، واحتجاز النشطاء بشكل تعسفي، وتهديد أو إكراه العاملين في مجال حقوق الإنسان. وفي العديد من الحالات، تعمل هذه الجماعات بالتنسيق مع –أو بالتوازي مع– مؤسسات رسمية مثل جهاز الأمن الداخلي أو المديريات الأمنية المحلية. وقد أدى تفتت السلطة وغياب المساءلة عن أفعال هذه الجماعات إلى تفاقم مناخ الخوف وفرض الرقابة الذاتية، وترك منظمات المجتمع المدني عرضة للقمع سواء من الدولة أو من الميليشيات. هذه القيود القانونية المتداخلة، والقمع المدعوم من الدولة، وعنف المليشيات، تسبب في مصادرة المساحة الآمنة المتاحة للنشاط المدني المستقل في ليبيا.

  5. تلقت ليبيا العديد من الرسائل وأعرب المقررون الخواص للأمم المتحدة عن قلقهم بشأن تدهور الأوضاع، لا سيما في رسالتهم المشتركة،1 في أكتوبر 2023، التي انتقدت القيود القانونية التعسفية والهجمات بدوافع أمنية على الجهات الفاعلة في المجتمع المدني.

  6. يبرز هذا التقرير المقدم من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان كيف أن تداخل وتناقض القوانين والقرارات السارية في ليبيا يُفاقم القمع، ويجعل من شبه المستحيل أن يعمل المجتمع المدني باستقلالية. كما يقدم توصيات ملموسة للإصلاح التشريعي لضمان أن تفي ليبيا بالتزاماتها في حرية التنظيم وتكوين الجمعيات.


بمعزل عن القانون: خطاب تحريضي وممارسات قمعية تستهدف المجتمع المدني

  1. إضافة للإطار القانوني التقييدي، تورط عناصر جهاز الأمن الداخلي والجماعات المسلحة في الشرق والغرب في الاعتقالات غير المبررة للمدافعين عن حقوق الإنسان وأعضاء المجتمع المدني، تحت ذريعة حماية «القيم المجتمعية في ليبيا وحماية الإسلام». وفيما يلي أدناه بعض الأمثلة التي تعكس ذلك.

  2. منظمة «تنوير» تم استهدافها بسبب تركيزها على قضايا تعتبرها السلطات الليبية مُعادية للدولة وللإسلام، تحديدًا عملها في الدفاع عن حقوق النساء ومجتمع الميم عين في ليبيا. وقد تعرّض أعضاء «تنوير» لانتهاكات وإساءات، شملت التعذيب والإساءة اللفظية والتهديدات. وبين نوفمبر 2021 ومارس 2022، احتجز جهاز الأمن الداخلي لحكومة الغرب سبعة أعضاء من المنظمة دون سبب وجيه. ونشر جهاز الأمن الداخلي لاحقًا فيديو مسجل لـ«اعترافاتهم» على منصة فيس بوك، يصفون فيه أنفسهم أنهم «ملحدون» و «لا دينيون» و«علمانيون» و«نسويون» وأنهم «يروجون للإلحاد وازدراء المعتقدات الدينية» عبر منصات التواصل الاجتماعي.

  3. الاعترافات المزعومة حسب هذه المقاطع المصورة تضمنت أيضًا اعترافات لهؤلاء الأفراد بالتواصل مع منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية، وأسماء ومواقع نشطاء ليبيين في الشتات، وصحفيين ليبيين داخل ليبيا «يدعمون الإلحاد»، وغيرهم من المدافعين عن حقوق الإنسان الليبيين داخل البلاد. ونظرًا لهذه التهديدات الواضحة لسلامة أعضاء منظمة تنوير، تم حل المنظمة اعتبارًا من 13 مارس 2022، وفرّ أعضاء مجلس إدارتها من البلاد. وفي 27 مارس، أصدرت مفوضية المجتمع المدني في طرابلس3 بيانًا أكدت فيه دعمها الكامل لحملة الاعتقالات، واصفةً تنوير بأنها منظمة غير قانونية تعمل ضد «قيم المجتمع المسلم الليبي المحافظ».

  4. في واقعة أخرى تتعلق بقمع نشطاء المجتمع المدني، اختُطف منصور عطي المغربي، رئيس فرع الهلال الأحمر في أجدابيا شمال شرق ليبيا، وفرع مفوضية المجتمع المدني في أجدابيا، بالقرب من مكان عمله في 3 يونيو 2021. وتم احتجازه لعدة أيام لدى جهاز الأمن الداخلي الليبي قبل نقله إلى سجن طارق بن زياد من يونيو 2021 إلى مارس 2022. وتم استجوابه أمام جهاز الأمن الداخلي الليبي في أجدابيا، التابع للقوات المسلحة العربية الليبية بقيادة خليفة حفتر. وقد أفاد منصور لمركز القاهرة أن الاستجواب كان متعلقًا بنشاطه ومشاركته في تنظيم جهود المجتمع المدني في رصد الانتخابات التشريعية آنذاك.

  5. في وقت سابق، في مايو 2022، عُقد اجتماع ضم مفوضية المجتمع المدني، ومصرف ليبيا المركزي، وجهاز الأمن الداخلي، وجهاز الاستخبارات العامة، والهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية (وزارة الشئون الإسلامية). كان الهدف من الاجتماع تنسيق الجهود بين هذه الجهات لمواجهة ما وصفوه بـ «تهديد المنظمات». خلال الاجتماع، تم الاتفاق على عدة تدابير، بما في ذلك إغلاق وتجميد الحسابات المصرفية الخاصة بالمنظمات التي لم تجدد تسجيلها السنوي. ونتيجة لذلك، تعرضت العديد من المنظمات لإغلاق حساباتها وتجميد أصولها.

  6. في 2022، تم تجميد حساب منظمة أمان لمكافحة التمييز العنصري ومصادرة أموالها. وهي منظمة تعمل في جنوب ليبيا ولديها حساب مصرفي منذ عام 2012. وقد رفض البنك رفع التجميد، إلا إذا أعادت المنظمة التسجيل بموجب اللائحة رقم 286 (التي تم تعليقها في يوليو 2022) وما زال الحساب رهن التجميد حتى اليوم.

  7. تم تجميد حساب منظمة «مؤسسة ليبيا للأفلام»، ولا يزال الحساب مجمدًا حتى اليوم. فيما طالبت السلطات المنظمة بإعادة التسجيل كشرط لرفع التجميد.

  8. في 13 مايو 2023، ألقت قوات الأمن الليبية القبض على موظف في منظمة «آرا باسيس» الإيطالية، وممثلها القانوني في جنوب ليبيا، بتهمة التعاون مع منظمة أجنبية لتوطين المهاجرين في جنوب ليبيا.

  9. تحت ذريعة حماية الأمن القومي والأخلاق الدينية، استهدفت أجهزة الدولة الليبية نشطاء ومنظمات مجتمع مدني، متهمةً إياهم بأفكارٍ وأعمالٍ منافيةٍ للأخلاق والدين. في يونيو 2023، وجّه عماد مصطفى الطرابلسي، وكيل وزارة الداخلية، مذكرةً رسميةً إلى عبد الحميد الدبيبة، رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، اتهم فيها منظماتٍ دوليةً لحقوق الإنسان بالعمل تحت مظلة مفوضية المجتمع المدني «غير المرخصة»، والانخراط في أنشطةٍ تتعارض مع الشريعة الإسلامية والقوانين الوطنية والأعراف المجتمعية، مثل الترويج للإلحاد والمثلية الجنسية؛ وهي اتهاماتٌ مضللة وخطيرة.

  10. وعلى نحو مماثل، اتهم لطفي الحراري، رئيس جهاز الأمن الداخلي في غرب ليبيا، في مؤتمر صحفي4 عقده في 5 فبراير 2025، منظمات المجتمع المدني بالتجسس والتبشير والتحريض على المثلية الجنسية.

  11. في بيان صحفي بتاريخ 2 أبريل 2025، واصل جهاز الأمن الداخلي تشويه سمعة منظمات المجتمع المدني، متهمًا إياها بالترويج «للإلحاد والمسيحية والمثلية الجنسية والفساد الأخلاقي وإعادة توطين المهاجرين». كما أعلن الجهاز إغلاق عشر منظمات دولية، منها المجلس النرويجي للاجئين، وأطباء بلا حدود، ولجنة الإنقاذ الدولية، متهمًا إياها بالتدخل في السيادة الليبية ودعم المهاجرين واللاجئين بهدف توطينهم في ليبيا وزعزعة استقرارها.

  12. شاركت مفوضية المجتمع المدني أيضًا في خطاب تحريضي ضد منظمات المجتمع المدني. ومؤخرًا انتقد5 فرع المفوضية في بنغازي منظمات المجتمع المدني التي أصدرت بيانات ضد خطاب الكراهية بحق المهاجرين واللاجئين في ليبيا، واصفًا إياها بأنها «تهديد مباشر لأمن ليبيا».


التوصيات

  • إلغاء القانون رقم 19 لعام 2001، والقانون رقم 80 لعام 1975، وأي أحكام ذات صلة تُقيّد المجتمع المدني بشكل تعسفي. والعمل مع الخبراء القانونيين الوطنيين، ومنظمات المجتمع المدني، والدعم التقني من الأمم المتحدة لصياغة تشريع بديل، يتوافق مع المعايير الدولية.
  • تشكيل مفوضية مجتمع مدني غير حزبية ومستقلة عن الأجهزة التنفيذية والأمنية.
  • إلغاء شرط التجديد السنوي والموافقة المسبقة على التمويل الأجنبي والمشاريع.
  • تشكيل لجنة وطنية للتحقيق في الاعتقالات التعسفية والإكراه وإساءة معاملة النشطاء من قبل جهاز الأمن الداخلي والجماعات المسلحة.
  • إصدار بيان حكومي رسمي يدين خطاب الكراهية والمعلومات المضللة التي تستهدف منظمات المجتمع المدني.

هوامش

  1. الأمم المتحدة، 2023، بيان مشترك لولايات المقررين الخواص، 6 أكتوبر. https://spcommreports.ohchr.org/TMResultsBase/DownLoadPublicCommunicationFile?gId=28401 

  2. مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، «الحق في التنظيم وتكوين الجمعيات في ليبيا: لا جدوى من العودة للوراء»، 25 مارس 2023. https://cihrs.org/the-right-to-organize-and-form-associations-in-libya/ 
  3. مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، «ليبيا: السلطات تواصل التنافس على السيطرة وقمع الحريات المدنية والسياسية»، 12 مايو 2022. https://cihrs.org/libya-authorities-in-east-and-west-unite-in-imposing-crackdown-on-civil-and-political-freedoms/?lang=e 
  4. المرصد. فيديو المؤتمر الصحفي لجهاز الأمن الداخلي في طرابلس، 5 فبراير 2025. https://www.facebook.com/ObservatoryLY/videos/2144379052644705 
  5. مفوضية المجتمع المدني في بنغازي، 16 مارس 2025. https://www.facebook.com/photo/?fbid=592596497103930&set=a.123472370683014 

Share this Post