في 22 سبتمبر، وخلال قمة الأمم المتحدة المُنظمة في نيويورك بجهود مشتركة بين المملكة العربية السعودية وفرنسا، أعلنت عدة دول اعترافها بدولة فلسطين أو نيتها ذلك. جاء ذلك بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات في 12 سبتمبر بتبني إعلان نيويورك بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين. وبينما يعتبر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان هذه الخطوات تقدمًا دبلوماسيًا مهمًا، يعرب في الوقت نفسه عن مخاوفه وقلقه إزاء إفلات إسرائيل من العقاب على جرائم الحرب المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، وعجز المجتمع الدولي عن ضمان حقوقه.
يقول زياد عبد التواب، المدير التنفيذي لمركز القاهرة: «يمثل الاعتراف بدولة فلسطين خطوة إيجابية، لكنها تبقى فارغة من معناها ما لم تُتخذ إجراءات ملموسة لوقف انتهاكات إسرائيل المتواصلة. ففي الوقت الذي تعترف فيه الدول بفلسطين كدولة، تواصل بعضها دعم الفظائع التي ترتكبها إسرائيل على الأرض الفلسطينية». ويضيف: «لا يمكن تحقيق سلام دائم أو قيام دولة حقيقية في ظل استمرار المجازر في غزة، وتصاعد الاستيطان غير القانوني في الضفة الغربية والقدس الشرقية».
تعترف نحو 80٪ من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بدولة فلسطين، وقد انضمت إليهم مؤخرًا المملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، والبرتغال، وبلجيكا، وفرنسا. إلا أن بعض هذه الدول تواصل دعم الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، من خلال التمويل العسكري والعلاقات التجارية، بما يشمل تجارة الأسلحة، في انتهاك واضح لالتزاماتها القانونية الدولية. كما أخفقت هذه الدول في تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية، ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. بينما تواصل الولايات المتحدة دعمها غير المشروط لإسرائيل، بما في ذلك من خلال فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية والمدعي العام فيها، في 20 أغسطس 2025، بسبب محاولاتهم محاسبة مسئولين إسرائيليين وأميركيين.
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة تبني إعلان نيويورك جاء بموافقة 142 دولة، في مقابل معارضة 10 دول وامتناع 12 دولة عن التصويت. وقد أدان الإعلان هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر، ودعا إلى إنهاء الحرب فورًا، وإطلاق سراح الرهائن، وتبادل الأسرى الفلسطينيين، وانسحاب القوات الإسرائيلي. كما أقر بانتهاكات إسرائيل، بما في ذلك الاحتلال المتواصل، وتوسيع المستوطنات غير القانونية، وعمليات الضم، وهجماتها بحق المدنيين، والتجويع المتعمد وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية. لكنه لم يتضمن أي إشارة صريحة لمحاسبة إسرائيل، ولم يطرح أي إجراءات ملموسة لوقف الإبادة الجماعية أو سياسة الضم في الأرض المحتلة. بل على العكس، ركّز على الدفع نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل متغافلاً أهمية الضغوط الدبلوماسية التي يستلزمها الوضع الحالي، وأهمية فرض العقوبات، وحظرًا الأسلحة، من أجل وقف الانتهاكات وتحقيق سلام دائم. الأمر الذي يعكس مجددًا تخلي المجتمع الدولي ليس فقط عن الشعب الفلسطيني، وإنما عن احترام منظومة القانون الدولي ككل، وتوفير حصانة شبه مطلقة لإسرائيل في انتهاكها الصارخ له. وهو ما شجع إسرائيل أيضًا على مواصلة التوسع في المستوطنات غير القانونية وضم الأراضي الفلسطينية.
من جانبهم، أعلن المسئولون الإسرائيليين رفض القرار علنًا. فضلًا عن تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قبل يوم واحد من القرار، خلال زيارته إلى مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية: «سنفي بوعدنا بألا تكون هناك دولة فلسطينية، فهذه الأرض لنا». وفي 20 أغسطس، صرّح وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش أن «الدولة الفلسطينية يتم محوها، ليس بالشعارات، بل بالأفعال.. لن يبقى للعالم ما يعترف به» في إشارة إلى خطة الاستيطان «E1» التي من شأنها تقسيم الضفة الغربية وتعزيز نظام الفصل العنصري والاحتلال. هذه التصريحات لا تعكس رفض إسرائيل لحل الدولتين فحسب، بل أيضًا عزمها على ضم جميع الأراضي الفلسطينية.
وتبقى الإشارة إلى أن المساءلة والاعتراف على الصعيد الدولي يجب أن يصاحبهما شرعية وإصلاح حقيقي على المستوى المحلي. فبعدما أكد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، خلال مؤتمر الأمم المتحدة في 22 سبتمبر، استعداد حكومته تولي مسئولية قيادة الضفة الغربية وقطاع غزة في المستقبل، تقع على السلطة الفلسطينية مسئولية الإعلان عن جدول زمني واضح لإصلاح مؤسساتي جذري، بما يضمن أن تخدم مؤسسات الدولة مصالح المواطنين. ويشمل ذلك إلغاء القوانين التي تقوّض استقلال القضاء، وحرية الصحافة، وحرية التنظيم، وإصلاح الأجهزة الأمنية لتخضع لسلسلة قيادة موحدة، وتنظيم انتخابات بلدية وتشريعية ورئاسية حرة ونزيهة، وضمان المساءلة المؤسسية، وحماية الحقوق المدنية والسياسية. إذ تُعد هذه الخطوات ضرورية لترسيخ الاعتراف الدولي، وبناء أسس دولة فلسطينية ذات سيادة وديمقراطية وسلام دائم.
- معلومات خلفية
في 16 سبتمبر 2025، خلص أحدث تقرير للجنة التحقيق الأممية إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة. وحتى الآن يتواصل القصف الإسرائيلي المكثف على مختلف مناطق قطاع غزة، والذي أدى إلى تهجير مئات الآلاف وتدمير أحياء سكنية بأكملها عبر تفجيرات موجهة. ووفقًا للأعداد الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة (والتي يعتقد أنها أقل من بكثير من الأعداد الحقيقية)، قتلت إسرائيل، حتى17 سبتمبر الجاري، أكثر من 65 ألف فلسطيني، وأصابت أكثر من 165 ألفًا آخرين في القطاع، منهم 432 لقوا حتفهم جوعًا (بينهم 146 طفلًا) وما لا يقل عن 2319 شخصًا تم استهدافهم وقتلهم أثناء تلقيهم للمساعدات.
خلال عام 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية عدة قرارات تطالب إسرائيل بالامتناع عن ارتكاب الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية حظر الإبادة الجماعية، وذلك بعدما وجدت أن ثمة قرائن ترجح ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة. كما دعت الدول إلى اتخاذ تدابير لضمان منع هذه الجريمة والمعاقبة عليها. وفي يوليو 2024، أمرت المحكمة إسرائيل بإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية فورًا، وأكدت على التزام الدول الأخرى بالامتناع عن أي علاقات من شأنها ترسيخ هذا الوجود غير القانوني. وفي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إسرائيل وفلسطين منذ 7 أكتوبر 2023. وبدلًا من الضغط على إسرائيل للامتثال، أعلنت بعض الدول نيتها تجاهل هذه القرارات الملزمة قانونًا.
Share this Post

