رسالة لحكومة الوحدة الوطنية الليبية: دعوة من أجل إصلاحات حقيقية في مجال حقوق الإنسان

في البرنامج الدولي لحماية حقوق الإنسان, دول عربية

رئيس مجلس الوزراء: عبد الحميد الدبيبة

لقد تابعنا نحن، منظمات ائتلاف المنصة الليبية ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، تصريحاتكم في 2 نوفمبر الجاري، والتي دعوتم فيها إلى تكثيف الجهود الوطنية والدولية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا، مؤكدين على أن حكومة الوحدة الوطنية تسعى إلى تنفيذ إصلاحات تهدف إلى حماية الحقوق العامة وصون كرامة المواطنين، ومشددين على أهمية مواصلة التعاون مع الشركاء الدوليين لتسليط الضوء على التقدم المحرز، ومعالجة أوجه القصور المستمرة، وتعزيز سيادة القانون عبر مؤسسات الدولة.

وبينما ليبيا على موعد مع الاستعراض الدوري الشامل لملفها الحقوقي أمام الأمم المتحدة، نؤكد أن مثل هذه الوعود لا ينبغي اختزالها في مجرد رسائل دعائية تهدف إلى استرضاء المجتمع الدولي. فبدون إصلاحات ملموسة وقابلة للقياس ومحددة زمنيًا، بما في ذلك تعديل القوانين والسياسات والممارسات التي تعزز انتهاكات حقوق الإنسان، لن تؤدي هذه التصريحات إلا إلى «تجميل» الصورة ظاهريًا. بينما الالتزام الحقيقي يقتضي اتخاذ خطوات عملية؛ إذ ينبغي على الحكومة تجاوز الخطاب، وتنفيذ إصلاحات جذرية تضمن المساءلة وتحمي الحريات الأساسية.

يعقد مجلس حقوق الإنسان جلسة الاستعراض الدوري الشامل لليبيا في 11 نوفمبر 2025، ضمن فعاليات الجلسة الخمسين لفريق العمل المعني بهذه الآلية الأممية، والمنعقدة بين 3 و14 نوفمبر الجاري في جنيف. ويعد هذا الاستعراض الرابع لليبيا، ويُنتظر أن يتضمن مناقشة مع الدول الأعضاء لسجل ليبيا في مجال حقوق الإنسان، وينتهي باعتماد التوصيات في 14 نوفمبر 2025.

وفي هذا السياق، يشجع ائتلاف المنصة ومركز القاهرة رئيس الوزراء وجميع السلطات الليبية المعنية على اغتنام فرصة الاستعراض للنظر في التوصيات المقدمة من المجتمع المدني المستقل والدول الأعضاء بالأمم المتحدة، بهدف وضع حد للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في البلاد. كما نعرب في الوقت نفسه عن بالغ قلقنا إزاء تقليل التقرير الحكومي المقدم من السلطات الليبية لمجلس حقوق الإنسان من حجم القمع والإفلات من العقاب المستمرين، وعرض تدابير «شكلية» إلى حد كبير لا تُسفر عن أي إصلاحات حقيقية.

فعلى عكس ما ورد في الفقرات 11 و21 و28 من تقرير الحكومة، لم يُحرز أي تقدم حقيقي بشأن إصلاح البيئة القانونية المنظمة لعمل المجتمع المدني أو مواءمتها مع المعايير الدولية. بل أن السلطات الليبية عززت الأطر القانونية المقيدة لحرية التنظيم، بما في ذلك قانون القذافي رقم 19 لسنة 2001. كما فرض المرسوم رقم 7 لسنة 2023 والمرسوم رقم 312 لسنة 2023 سيطرة حكومية على منظمات المجتمع المدني مشترطا إعادة تسجيلها، ووضعها تحت إشراف مباشر من رئيس الوزراء. هذه الإجراءات، إلى جانب القرارات والتوجيهات المتضاربة الصادرة عن عدة مؤسسات، تستمر في تقييد استقلالية المجتمع المدني وعمله، بدلاً من دعمه.

وبالمثل، ورغم احتفاء تقرير الحكومة بتشكيل لجان وآليات رقابية لمنع الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة، إلا أن هذه المبادرات لم تؤد إلى تحسينات ملموسة. فلا تزال الجماعات المسلحة تباشر نشاطها؛ فتعرقل الرقابة القضائية وترتكب انتهاكات جسيمة دون مساءلة، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القانون. كما أن الكشف المستمر عن مقابر جماعية وتعثر التحقيقات بشأنها، يسلطان الضوء على الطابع المنهجي للانتهاكات.

خلال الفترة من مارس 2024 وحتى أغسطس 2025، تم الإبلاغ عن 20 حالة وفاة أثناء الاحتجاز، من بينها حالة الناشط السياسي عبد المنعم المريمي الذي توفي بعد وقت قصير من صدور أمر الإفراج عنه. وحالات أخرى منها قضية وكيل النيابة حمزة صقر، الذي اختُطف ثم عُثر على جثمانه في مقبرة جماعية بمدينة ترهونة. وفي 18 يوليو 2019، اختطفت ميليشيا متمركزة في الشرق النائبة البرلمانية عن بنغازي الدكتورة سهام سرقيوة من منزلها، ولا يزال مصيرها مجهولًا حتى الآن، بينما لم تباشر السلطات أي تحقيق ذي مصداقية في الواقعة. وفي 1 أكتوبر 2020، ألقى جهاز المخابرات الليبية في طرابلس القبض على وليد الحضيري، المسئول بالمفوضية الوطنية لحقوق الإنسان، في إطار نمط أوسع من الإخفاء القسري الذي يستهدف المعارضين لتدخلات الأجهزة الأمنية. ولا يزال مصير الحضيري مجهولًا.

إن غياب التحرك الوطني الحاسم في مجال تعزيز حقوق الإنسان، والتخاذل عن المضي قدمًا في مسار السلام وتيسير المرحلة الانتقالية وإصلاح القطاع الأمني وضمان المساءلة، قد ساهم في استمرار الفوضى والانقسام وغياب سيادة القانون، فضلاً عن غياب مؤسسات الدولة الموحدة والفعالة.

فيما يلي، نقدم التوصيات الأساسية لمنظماتنا إلى جميع السلطات الليبية لمعالجة أبرز قضايا حقوق الإنسان، وسيادة القانون، والمساءلة في ليبيا:

أولًا: حرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمي

التوصيات

  1. إلغاء القانون رقم 19 لسنة 2001، واعتماد إطار قانوني يتماشى مع المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لضمان الحماية الكاملة لحرية تكوين الجمعيات.
  2. رفع القيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك شرط الحصول على موافقات مسبقة للأنشطة، والقيود على التمويل، والقرارات التعسفية بحل الجمعيات.
  3. وضع حد للاعتقالات التعسفية وحملات الترهيب التي يتعرض له نشطاء المجتمع المدني، وضمان المساءلة عن حالات الإخفاء القسري.
  4. إلغاء المرسوم الرئاسي رقم 286 وجميع المراسيم التنفيذية المماثلة التي تقيّد أنشطة منظمات المجتمع المدني.
  5. بيئة داعمة لعمل ونشاط الشباب، وإلغاء المنشور رقم 7 لسنة 2024، وتمكين منظماتهم من العمل دون قيود تعسفية.
  6. حماية المتظاهرين السلميين والامتناع عن استخدام القوة المفرطة في فض الاحتجاجات، تماشيًا مع المعايير الدولية.
  7. مساءلة عناصر الأمن عن الانتهاكات المرتكبة بحق المتظاهرين السلميين، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة بشأن ادعاءات استخدام القوة المفرطة.
  8. إطار قانوني شفاف ينظم التعاون مع المنظمات غير الحكومية الدولية، بما يتيح لمنظمات المجتمع المدني المحلية الانخراط في المناصرة الدولية دون الخوف من الانتقام الحكومي.

ثانيًا: حرية التعبير والرأي والإعلام

التوصيات

  1. إلغاء قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية لسنة 2022، وضمان حرية التعبير عبر الإنترنت بما يتماشى مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.
  2. وقف الاعتقالات التعسفية، والاعترافات القسرية، والاحتجاز غير القانوني للصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان حقهم في الإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمة العادلة، وضمان ممارستهم لحقهم في حرية التعبير.
  3. التحقيق في جميع حالات الاعتداء والإخفاء القسري والقتل التي تستهدف الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان محاسبة الجناة.
  4. إلغاء القانون رقم 76 لسنة 1972 بشأن المطبوعات، وتعديل القوانين التي تُجرّم حرية التعبير، بما في ذلك إلغاء المواد الغامضة والفضفاضة في قانون العقوبات (المواد 178، 195، 205، 208، 245، 438، و439) التي تفرض عقوبات مفرطة على الأفعال المرتبطة بحرية التعبير.
  5. سن قوانين جديدة تضمن حماية الحقوق الرقمية، بما في ذلك ضمانات للصحفيين والمبلغين عن المخالفات والنشطاء ضد المراقبة غير المصرح بها والرقابة.

ثالثًا: أنماط الإخفاء القسري والاحتجاز السري والمحاكمات غير العادلة

التوصيات

  1. إنهاء الإفلات من العقاب في جرائم الإخفاء القسري، وملاحقة الجناة، بمن فيهم عناصر الأمن وقادة الميليشيات.
  2. ضمان الشفافية فيما يخص أماكن وجود المحتجزين، وتسهيل الرقابة المستقلة على مراكز الاحتجاز.
  3. إغلاق جميع مراكز الاحتجاز السرية، وضمان حصول المحتجزين على حقوقهم القانونية وخاصة الوصول لمحامٍ.
  4. حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين، والنشطاء السياسيين من الاعتقال التعسفي.
  5. وقف الترحيل غير القانوني والاحتجاز لأجل غير مسمى للمهاجرين، وضمان الامتثال للالتزامات الدولية.
  6. تعزيز التعاون القانوني الدولي في مجال المساءلة من خلال تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية وطلبات التسليم.
  7. إصلاحات قضائية مؤسسية تضمن استقلال المحاكم عن التدخل السياسي أو تدخل الميليشيات.

رابعًا: الحقوق المتعلقة بالنوع الاجتماعي وحقوق النساء

التوصيات

  1. ضمان الحماية الكاملة لحقوق النساء، بما في ذلك حرية التنقل، والمشاركة السياسية، والوصول إلى الأماكن العامة، تماشيًا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
  2. إلغاء جميع السياسات والمراسيم التي تقيّد حرية تنقل النساء، بما في ذلك قرارات حظر السفر الفعلية المفروضة عند نقاط التفتيش الحدودية.
  3. إصلاحات قانونية تُجرّم العنف القائم على النوع الاجتماعي، وضمان وصول الناجيات للعدالة وآليات الحماية.
  4. إلغاء القيود المفروضة بذريعة حماية «الآداب العامة» والتي تفرض على النساء قيودًا على الملابس أو المشاركة في الفعاليات العامة، بما في ذلك سياسة الحجاب الإجباري التي تنفذها وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية.
  5. زيادة التمثيل السياسي للنساء من خلال إعادة العمل بنظام الكوتا في القوانين الانتخابية، وإزالة العقبات التي تحول دون مشاركة النساء في العمل العام.
  6. إنهاء الاعتقالات التعسفية، وحملات التشهير، والترهيب بحق الناشطات والسياسيات والصحفيات، وضمان محاسبة المسئولين عن الحملات الإلكترونية الحكومية التي تستهدفهن.

خامسًا: حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين

التوصيات

  1. إلغاء القانون رقم 19 لسنة 2010، ووضع إطار قانوني يضمن عدم تجريم الهجرة غير النظامية.
  2. وضع حد لاستغلال المهاجرين واللاجئين في مراكز الاحتجاز، وإلغاء العمل بهذه المراكز تدريجيًا، وضمان الإفراج عن المحتجزين ومنحهم سُبلًا قانونية تضمن حصولهم على الحماية.
  3. إجراء تحقيقات مستقلة في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في مراكز الاحتجاز، ومحاسبة الجناة.
  4. ضمان الحماية من الإعادة القسرية لطالبي اللجوء، والتصديق على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967.
  5. تعزيز القوانين المتعلقة بمكافحة الإتجار بالبشر وملاحقة ومعاقبة التجار والمُهرّبين العاملين فيها داخل ليبيا.

لكم منا وافر التقدير،

  • منظمات ائتلاف المنصة الليبية لحقوق الإنسان
  • مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

Share this Post