هزيمة 1967 والأزمات البنيوية المستمرة في الأنظمة العربية

في برنامج نشر ثقافة حقوق الإنسان, صالون بن رشد

نظم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في 24 يونيو 2025، ندوة جديدة ضمن صالون بن رشد الشهري، تحت عنوان «هزيمة 1967 والأزمات البنيوية المستمرة في الأنظمة العربية». استضافت الندوة الدكتور خالد فهمي؛ أستاذ كرسي إدوارد كِلَر لتاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة تافتس بالولايات المتحدة. والدكتور محسن صالح؛ أستاذ الدراسات الفلسطينية والمدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. وأدار النقاش الحقوقي التونسي مسعود الرمضاني.

في البداية استعرض الضيفان أسباب هزيمة 1967، وطرحا السؤال المحوري حول ما إذا كانت هذه الأسباب ما زالت قائمة حتى اليوم ولها انعكاساتها، ليس فقط في النظام المصري ولكن في الأنظمة العربية ككل.

الدكتور خالد فهمي، فند عدة أسباب للهزيمة، بعضها مرتبطة باللحظة التاريخية آنذاك، وأخرى مستمرة ووثيقة الصلة باللحظة الراهنة. فحسب الدكتور فهمي الهزيمة لم تكن بسبب نظام عبد الناصر فحسب، بل هي نتاج أزمات بنيوية في النظام المصري معظمها مستمر حتى اليوم. إذ سلط الضوء على خطورة انخراط الجيش المصري آنذاك في أنشطة ومهام غير عسكرية، فقد كان يتولى من بين مهام أخرى عديدة؛ إدارة مصلحة الجمارك، وهيئة النقل العام، ومعظم شركات القطاع العام. الأمر الذي كان له انعكاس خطير على قيادات الجيش المشغولة في مهام لا تخصها، بما في ذلك قائد الجيش اللواء عبد الحكيم عامر. كما أدى إلى تسلل الخلافات والمشكلات بين صفوفه وقياداته، حتى فقد عبد الناصر السيطرة تمامًا على الجيش، وانفصل عنه، فأصبح غير مدرك لطبيعة جاهزيته أو استعداداته.

كما تطرق الدكتور فهمي أيضا إلى أزمة غياب المؤسسات، مشيرًا إلى أنه حتى بعد «النكسة»، كانت كل محاولات البناء والإصلاح مرتبطة بشخص الرئيس «الكاريزما»، ومعتمد بشكل أساسي على أهل الثقة لا أهل الخبرة، ولا يوجد أي مساحة للنقد أو المعارضة أو المناقشة طبقًا لشعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». وتابع: «فكرة دولة المؤسسات تتناقض مع فكرة الرئيس الأوحد والحكم المنفرد، لذلك تجريف المؤسسات وتقويضها وتفريغها من دورها ضمانة أساسية للحكم الفردي». كما يضمن الحاكم بذلك انعدام كل أشكال الرقابة والمحاسبة. ولعل قرار مجلس الأمة قبيل «النكسة» بتفويض رئيس الجمهورية باتخاذ ما يحلو له من قرارات، وخروج أعضائه في مسيرة حتى منزله لتسليمه القرار الذي يحمل تنازل طوعي عن الدور المنوط بمجلس الأمة في تلك اللحظة الحرجة، أوضح مثال على ذلك.

من جانبه سلط الدكتور محسن الضوء أيضا على دور التضليل الإعلامي في صناعة الهزيمة. فمنذ النكسة وحتى اليوم، تحول التضليل الإعلامي إلى نهج ثابت في كل دول المنطقة، الأمر الذي تسبب في تحييد الشعب عن جوهر الصراع، بعدما خلق الإعلام فجوة في وعيه وإدراكه ما بين توقعاته المرتفعة بالنصر (والتحرير والإصلاح والتغيير والديموقراطية.. الخ) وبين الهزائم المتتالية على أرض الواقع. الأمر الذي تسبب على مدى سنوات، من لحظة الهزيمة وإلى اليوم، في زعزعة الثقة في الأنظمة الحاكمة وإنجازاتها الوهمية. ولعل خيبة الأمل وفقدان الثقة كانا من أهم أسباب الهجرة من المنطقة، وتجريفها من الكفاءات والعقول القادرة فعلًا على إحداث تغيير. وبحسب الدكتور صالح، تنطبق الأسباب قياسًا على «النكسة العربية» الحالية إزاء ما يحدث في غزة، فعلى مدى سنوات ردد الإعلام العربي خطاباته عن الوحدة العربية وشعارات التحرير وحقوق الشعب الفلسطيني، لكن لو تتبعنا سلوك الأنظمة العربية ومواقفها من القضية الفلسطينية، بل حتى من الفلسطينيين الموجودين على أراضيهم، لن نجد إلا التخاذل والتجاهل. وبينما يتحدث الإعلام، منذ هزيمة 1967 إلى اليوم، عن «تنسيق عربي في مواجهة العدو» تتوالى الهزائم دون أي تنسيق أو حتى مواقف عربية مشتركة قوية.

هذه الفجوة الواسعة بين النظام الحاكم وخطابه وبين تطلعات الشعوب العربية وآمالها ورغباتها كفيلة بأن تصنع حالة من الانفصال الكامل بين المواطن والدولة، وتقضي على أي مشروع تنموي يعالج وقع الهزيمة. فأي مشروع تنموي جوهره الإنسان، وجوهر الإنسان هو الحرية والكرامة، فلو فقد الإنسان حريته وكرامته، خسر كل قدرة على الإبداع والتغيير والابتكار بل وأصبح يخشاه، وعجز عن مواجهة أي مشروع استعماري أو مطامع خارجية. وأضاف: «كان يفترض أن نرى بعد الهزيمة في كل بلد بالمنطقة «دولة حريات» فلم نجد إلا «دولة مخابرات»».

بعد هزيمة 1967 تحطمت آمال الشعب الفلسطيني في الدعم العربي، وأصبح لزامًا عليه أن يضطلع بدوره ويخوض معركته، مما أدى لتنامي ما يمكن أن نسميه بـ «الوطنية الفلسطينية» وتراجع خطاب «قومية المعركة» بعدما زاد تقوقع الدول العربية حول ذاتها ومصالحها وتحدياتها الداخلية. ومع ظهور منظمة التحرير الفلسطينية ومشروعها الوطني كممثل وحيد عن الشعب الفلسطيني في مواجهة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، أصبح تدخل الأنظمة العربية في القضية مرهونا بمصالح كل نظام، بداية من كامب ديفيد وحتى اليوم. هذا التشرذم العربي، وفي قلبه الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، سببًا مباشرًا فيما نشهده اليوم. لكن في المقابل، لماذا تقدمت إسرائيل بعد الحرب، وكيف وصلت لهذا القدر من التجبر والتسلط والنفوذ؟

يقول الدكتور فهمي، لا ينبغي أن ننظر لإسرائيل باعتبارها مجرد دولة قوامها 10 مليون نسمة، وإنما إسرائيل أشبه بحاملة طائرات أمريكية، ذراع عسكري لأكبر قوة في العالم. لكنها في الوقت نفسه ليست دولة قديمة في المنطقة وإنما دولة «دخيلة»، لذا فوجودها بالمنطقة يمثل خطرًا وجوديًا على المنطقة ككل لا على فلسطين فقط. فهي قوة استعمارية، تملك مشروعًا استعماريًا عمره أكثر من 100 عام، مدعومة من أكبر القوى الاستعمارية (قديمًا بريطانيا وحاليًا أمريكا)، تحظى بدعم مطلق وغير مسبوق من دول غربية ذات ثقل اقتصادي وسياسي ضخم. ينمو نفوذها الجيو- سياسي بشكل مرعب كحليف عسكري واستراتيجي لأمريكا. هذه هي إسرائيل وهذا هو تعريفها الذي ينبغي أن نُعيد التأكيد عليه، ونرفع الوعي العربي بالتهديد الوجودي الذي تشكله السياسات الاستعمارية الإسرائيلية على المنطقة كلها.

إلا أن هذا ليس السبب الوحيد في تفوق إسرائيل وتهديدها لكل المنطقة. فبحسب الدكتور فهمي، ثمة أسباب أخرى أهمها تشرذم العرب وتفرقهم، ووصول أنظمة معبية للحكم تتباهي بأنها تعمل ضد شعوبها وضد شعوب المنطقة، فتتحالف مع الدول الغربية ضد مصالح شعوبها لحماية ثرواتها وعروشها. كما أن اهتراء وضعف الأنظمة العربية، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا، واعتمادها الأساسي على الدعم الخارجي يخلق أنظمة تابعة غير قادرة على اتخاذ مواقف جادة. هذا بالإضافة إلى غياب المؤسسات وانعدام الرقابة أو المحاسبة. فلا جيش يخضع لرقابة مدنية، ولا إعلام قادر حتى على طرح الأسئلة، ولا مؤسسات قضائية تملك محاسبة القيادات المتورطة في فساد أو جرائم.

وفي المقابل الشعوب العربية أصواتها مكممة، محرومة من كل الحريات، غير قادرة حتى على الاحتجاج. لذا فثمة علاقة وثيقة بين تحرير الشعوب العربية وبين تحرير فلسطين. وبحسب فهمي، فالترتيب الأكثر منطقية هو تحرير الشعوب العربية من أنظمة تابعة واستبدادية وواهية، واسترداد المواطن العربي للحرية والكرامة والتحرر الوطني، وقتها يمكنه تحرير فلسطين، ومواجهة المطامع الاستعمارية الإسرائيلية في المنطقة كلها.

في ختام اللقاء، اتفق المتحدثان على أن إسرائيل أدمنت الحرب، ولم تعد تقدم حلولًا سياسية أو توافق على التفاوض، وأنه ما لم تتحرر الشعوب العربية من أنظمة متعفنة خاضعة ومتواطئة مع المشروع الاستيطاني، ستبقى المنطقة رهن خطر الهيمنة الإسرائيلية. كما يجب على النخب العربية والمثقفين العرب الانتقال من خانة المراقب إلى خانة الفاعل، المستعد لدفع ثمن الفكرة والدفاع عنها للنهاية.

شاهدوا الندوة كاملة هنا:

Share this Post