تعرب شبكة حقوق الإنسان والديمقراطية، بوصفها ائتلافًا موسعًا لمنظمات مجتمع مدني تتواجد في مختلف أنحاء أوروبا، عن قلقها البالغ إزاء الخطاب الذي ألقته رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين في مؤتمر سفراء الاتحاد الأوروبي المنعقد في 9 مارس 2026، بما في ذلك التصريحات المتعلقة بالنظام الدولي القائم على القواعد، والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. ففيما نثمن تأكيد دير لاين اللاحق على «التزام الاتحاد الأوروبي الراسخ» بالقانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة؛ فإن تصريحاتها التي ذكرت فيها أن الاتحاد الأوروبي «لا يمكنه الاعتماد بعد الآن» على النظام القائم على القواعد وحده قد أثارت قلقًا بالغًا لدى مختلف الأطراف الفاعلة. إذ دعت دير لاين إلى تبني «سياسة خارجية أكثر واقعية وتوجهًا نحو المصالح»، وأقرّت بأن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع «الموازنة بشكل مثالي بين القيم والمصالح في كل الظروف».
إننا نؤول هذه التصريحات بوصفها تحولاً ملموسًا نحو سياسة خارجية أكثر ارتكازًا على المصالح، وهو ما قد يعني أن احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان والنهوض بهما قد لا يُدرجان بعد الآن ضمن المصالح الأوروبية. إن هذا التحول يقوض هوية الاتحاد الأوروبي الراسخة التي طالما تبناها وأعلن عنها، ويتعارض مع التزاماته التعاقدية بصون القانون الدولي والتعددية والنهوض بهما، بما في ذلك وضع حقوق الإنسان في صلب سياسته الخارجية. ففي وقت تتعرض فيه التعددية للتهديد، بما في ذلك من دول كبرى، يجب أن يظل التزام الاتحاد الأوروبي باحترام وحماية حقوق الإنسان والمنظومة الدولية المستندة إلى القواعد ثابتًا لا لبس فيه.
ولكن، بالإضافة إلى ذلك الخطاب المثير للقلق، فإن شبكة حقوق الإنسان والديمقراطية يساورها قلق بالغ من ابتعاد بعض التحركات الخارجية للاتحاد الأوروبي بشكل متزايد عن مقتضيات القانون الدولي، والمبادئ الأوروبية الراسخة، والالتزامات القانونية التي تفرضها مواثيق الاتحاد.
لطالما سلطت منظمات المجتمع المدني الضوء على:
- الازدواجية في تطبيق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا سيما في الحالات المتعلقة بشركاء استراتيجيين رئيسيين.
- انتقائية المساءلة وازدواجية المعايير؛ حيث تُدان الانتهاكات المرتكبة من قبل بعض الأطراف الفاعلة بشدة، في حين لا يلقى السلوك المماثل من أطراف أخرى سوى ردود فعل مبهمة أو لا يلقى استجابة على الإطلاق.
- رهن السياسة الخارجية بملف الحد من الهجرة بأساليب قد تؤدي إلى انتهاك حقوق المهاجرين واللاجئين.
علاوة على ذلك، فإن أوجه عدم الاتساق هذه تنطوي على مخاطر وضع الاتحاد الأوروبي في حالة تعارض مع إطاره القانوني الخاص، لا سيما:
- المادة الثانية من معاهدة الاتحاد الأوروبي، والتي تنص على تكريس القيم التأسيسية للاتحاد، بما في ذلك احترام الكرامة الإنسانية، والحرية، والديمقراطية، والمساواة، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان.
- المادة 3 (5) من اتفاقية الاتحاد الأوروبي، والتي تنص على مساهمة الاتحاد في صون السلم والأمن، والالتزام الصارم بأحكام القانون الدولي في علاقاته مع سائر دول العالم.
- المادة 21 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي، والتي تؤكد على ضرورة استرشاد العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي بمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، والالتزام الصارم بالقانون الدولي وتطويره، بما في ذلك احترام ميثاق الأمم المتحدة.
وفي ظل الضغوط غير المسبوقة على تطبيق القانون الدولي، يمثل التشكيك في أهميته المحورية رسالة محفوفة بالمخاطر؛ إذ إن قوة القانون الدولي تكمن في تطبيقه المتسق والشامل، لا في الاستناد إليه بشكل انتقائي.
لقد ارتهن تأثير الاتحاد الأوروبي الدولي دائمًا بقدرته على تقديم نفسه كقوة قيادية معياريّة، تستهدف خطاباته وتحركاته وسياساته طرح بديلٍ يرتكز على القيم الديمقراطية. وتعد مصداقية الاتحاد الأوروبي رهينة بمدى اتساق ممارساته مع المبادئ التي يروج لها. لذا، فالخطابات غير الواضحة وغياب الاتساق بين المبادئ الأوروبية والسياسة الخارجية يهددان بإضعاف هوية الاتحاد ومصداقيته وتأثيره، كما يؤديان بشكل أساسي إلى تراجع الحماية التي يوفرها القانون الدولي للسكان الذين يعانون من انتهاكات حقوق الإنسان.
وفيما تسود حالة من الشك الجيو-سياسي؛ فإن الاتحاد الأوروبي يقف أمام اختيار مفصلي؛ إما أن يطبق سياسته الخارجية بما يتماشى مع مبادئه الأساسية، أو يشارك في التدهور العالمي المستمر ويواصل إضعاف القيم التي استند إليها تأسيس الاتحاد الأوروبي نفسه.
بناءً على ما تقدم، تدعو شبكة حقوق الإنسان والديمقراطية المفوضية الأوروبية، والاتحاد الأوروبي بشكل عام، إلى:
- إعادة التأكيد على محورية حقوق الإنسان والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة في كافة جوانب العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، وذلك على نحوٍ متسق ومتناغم وشامل لجميع المجالات.
- ضمان الاتساق بين التصريحات والأفعال، وتجنب الانتقائية في تحركات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بحقوق الإنسان وفي تطبيقه للمبادئ القانونية.
- تعزيز آليات المساءلة الداخلية لضمان امتثال كافة السياسات الخارجية للالتزامات المُلزمة بموجب معاهدات الاتحاد الأوروبي، ولا سيما المواد 2 و3(5) و21 من معاهدة الاتحاد الأوروبي.
- تأكيد الالتزام الحقيقي بحقوق الإنسان عبر الحفاظ على البرامج النوعية لحقوق الإنسان والديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني ضمن الميزانية طويلة الأمد القادمة للاتحاد، مع ضمان مخصصات مالية محمية لا تقل عن مستويات أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي (NDICI) وفق معيار الأسعار الثابتة.
- ترسيخ نهج التشارك الفعال والمستمر مع مؤسسات المجتمع المدني والنشطاء الحقوقيين، وضمان فتح قنوات اتصال مباشرة ومستدامة حتى على أرفع المستويات الرسمية.
ونحن نؤكد استعدادنا الدائم للانخراط في مناقشة القضايا المثارة في هذا الخطاب
Share this Post

