يعرب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن قلقه الجاد إزاء تبنّي مجلس الأمن بالأمم المتحدة للقرار رقم 2803، بشأن خطة إنهاء الصراع في غزة، بقيادة الولايات المتحدة. فبينما يرحّب المركز بكل الجهود التي تهدف إلى حلّ عادل وسلمي في فلسطين، يؤكد أنّ القرار لا يعالج الأسباب الجذرية والمعوقات البنيوية المستمرّة التي تقوض السلام في المنطقة لأكثر من سبعين عامًا. إذ يعيد القرار في صورته الحالية إنتاج القصور الجسيم لوصاية عصبة الأمم عام 1922، والتي مهدت الطريق لحرمان الفلسطينيين من حقوقهم على مدى عقود.
يقول زياد عبد التواب، مدير مركز القاهرة: «أي خطة تتجاهل آليات الاحتلال والفظائع التي يُسمح له بارتكابها لا يمكن أن تضمن تحقيق السلام. إذ ينبغي أن تؤدي أي عملية انتقالية عادلة إلى تفكيك البنى التي تُغذّي العنف بحق الفلسطينيين، وإرساء معايير ملزمة وقابلة للتنفيذ للمساءلة، وضمان أن يشكل الفلسطينيون أنفسهم المستقبل السياسي لدولتهم. بينما قرار مجلس الأمن في صياغته الحالية يخاطر بالإبقاء على الظروف والملابسات التي غذّت الدمار، ومن ثم يعزز فرص تكراره».
يخوّل القرار لمجلس الأمن تنفيذ عملية نزع تدريجيّ لأسلحة قطاع غزة وتشكيل «مجلس سلام» بوصفه جهاز إدارة انتقالية، يتمتع بالشخصية القانونية الدولية. على أن يحدد هذا المجلس الإطار والعمليات الخاصة بإعادة إعمار غزة، لحين تُنجز السلطة الفلسطينية «برنامجها الإصلاحي بصورة مُرضِية». كما كلّف القرار «مجلس السلام» بتشكيل «قوة استقرار دولية» ذات «قيادة موحّدة يعتبرها المجلس مقبولة». ومع ذلك، لم يحدّد القرار مهمة هذه القوة الدولية أو نطاق عملها أو إطارها التشغيلي، تاركًا هذه القرارات الحاسمة لتقدير الدول الأعضاء المشاركة في «مجلس السلام».
وفي هذا السياق، يؤكّد مركز القاهرة أنه ينبغي تشكيل «مجلس السلام» تحت إشراف مجلس الأمن، وأن يُمنح تفويضًا واضحًا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويتوافق بالكامل مع القانون الدولي، بما في ذلك قراري مجلس الأمن رقم 242 (1967) و2334 (2016) والآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية في 2004 و2024، والتي دعَت إسرائيل إلى وقف احتلالها وأنشطتها الاستيطانية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية، وتقديم تعويضات عن الأضرار الناجمة عن سياساتها وممارساتها. كما يجب ألا يقتصر اختصاص «قوة الاستقرار الدولية» على أنشطة الشرطة الاعتيادية، بل ينبغي أن تكون مخوّلة ومفوّضة لمراقبة التوقّف الفوري لمشاريع التوسّع الاستيطاني الإسرائيلي، وتفكيك نقاط التفتيش والمستوطنات غير القانونية، ووقف الأعمال العدائية والاحتلال. كما يجب أن تُمنح تفويضًا بشأن قضايا حقوق الإنسان؛ يقضي بمراقبة الانتهاكات المرتكبة من كل الأطراف، وتقديم المساعدة التقنية لإسرائيل من أجل تفكيك نظام الفصل العنصري، بما في ذلك تعديل القوانين وتبديل الممارسات التي قوضت حقوق الشعب الفلسطيني على مدى سبعة عقود.
ويُشدّد المركز على أنّ المجتمع المدني الفلسطيني، ومنظمات حقوق الإنسان المستقلة على وجه التحديد، ينبغي أن تضطلع بدور مركزي في الانتقال، فلا سلام مستدام ولا انتقال ناجح دون مجتمع مدني مستقل آمن وفاعل. ويتطلب ذلك؛ تعليقًا فوريًا وعاجلًا للعقوبات والقيود المفروضة على منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، بما في ذلك العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب مؤخرًا. واتخاذ إجراءات جدّية لضمان سلامة وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان الفلسطينيين والصحفيين والأكاديميين والنشطاء. وتمكين الخبراء الفلسطينيين المستقلين ليس فقط من إدارة العمليات اليومية، بل المشاركة في مختلف أنشطة حقوق الإنسان والشئون القانونية والعامة.
كما يجب أن تسفر عمليّة الانتقال عن انتخابات مستقلة، بموجب تفويض الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تضمن مشاركة كل الفلسطينيين، بما في ذلك أولئك الذين في الشتات، ضمن إطار ناظم يحظر صراحة التدخّل العسكري أو المالي أو السياسي من مختلف الجهات الإقليمية والدولية في سير العملية الانتخابية. كما يجب أن تشمل هذه العملية صياغة قانون انتخابي بمشاركة جادة من خبراء فلسطينيين مستقلين تحت إشراف الأمم المتحدة، ومراجعة شاملة للقوانين واللوائح والممارسات المفروضة بصورة غير قانونية من قبل السلطة الفلسطينية وحركة حماس في هذا الصدد، وإعادة تشكيل لجنة انتخابات مركزية فلسطينية مستقلة بقيادة فلسطينية.
ويحذر مركز القاهرة من أنّ قرار مجلس الأمن رقم 2803 وإن أكد على حق الفلسطينيين في الحكم الذاتي وتقرير المصير، لكنه لم يحدد خطوات ملموسة لتفكيك العقبات الممتدّة لعقود والتي منعت تمتع الفلسطينيين بهذه الحقوق، بل ولم يوفّر القرار معايير أو أطر زمنية لانسحاب إسرائيل من قطاع غزة، تاركًا الأمر لعملية نزع السلاح التي سيتم الاتفاق عليها بين القوات المسلحة الإسرائيلية، والقوة الدولية، والضامنين والولايات المتحدة، مستثنيًا الفلسطينيين من هذا المسار.
لقد جاء هذا القرار من مجلس الأمن بعد أكثر من شهر على الاتفاق بين إسرائيل وحماس على المرحلة الأولى من خطة إنهاء الحرب على غزة المدعومة من الولايات المتحدة. ورغم أن وقف إطلاق النار دخل حيّز النفاذ في 10 أكتوبر الماضي، لكنّه طُبّق بتهاون واستهتار إسرائيلي واضح. إذ تواصل إسرائيل فرض قيود على المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة وتشنّ هجمات في غزة، مما أسفر عن مقتل 241 وإصابة 609 فلسطينيين حتى 6 نوفمبر الجاري.
مركز القاهرة يطالب مجلس الأمن بسرعة تعديل أو استكمال القرار رقم 2803، ليشمل التزامات محددة وقابلّة للتنفيذ، وجدول زمني لا لبس فيه، لإنهاء احتلال إسرائيل. وعملية انتقالية جدّية تضمن وقف أفعال الإبادة الجماعية والفصل العنصري الإسرائيلي والضم غير القانوني للأراضي. فضلًا عن ضمان مشاركة الفلسطينيين في كل مراحل أي انتقال سياسي أو أمني أو جغرافي. وضمان حق الفلسطينيين في تقرير المصير من خلال تعزيز قدرتهم على الحكم الذاتي، عبر عملية ديمقراطية تشاركية، خالية من الهيمنة الإقليمية والدولية. ويؤكد المركز أن أي إخفاق في ذلك لن يؤدي إلا إلى استمرار الممارسات الاستعمارية وانتهاكات حقوق الإنسان التي أنتجت الوضع الراهن، ولن يحلّ الأزمة.
Share this Post

