مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.الكلمات، في السياسة، كثيرًا ما تكون سلاح معارك. وهي، حسب توصيف جون بول سارتر «مسدسات محشوة بالرصاص»، يُواجه بها الخصوم. ليس دائمًا بغاية التحاور أو الإقناع؛ بل للتخويف وإضعاف الحجة أو الوصم. ومن أجل ذلك تُشحن الكلمات بمعاني ثقيلة قد لا تتحملها أو تخرج عن سياقها الأصلي، ليتحوّل الخطاب من أداة تفاعل إلى نوع من الصدّ، وأحيانًا محاولة للتعالي والتميّز. وتتحول السياسة من ديناميكية براغماتية تواكب تطوّر الواقع وتسعى إلى التفاعل معه والارتقاء به حسب مقتضياته ومتطلباته، إلى وسيلة في البحث حولنا عن ولاءات أيديولوجية «شبه عصبية» (حسب تعبير أحد الألسنيين). وحين يصدمنا الواقع بالتباسه وصعوباته، لا نواجهه، بل نلتفت إلى تاريخ نعتبره مقدسًا لنغرف منه عبارات وشعارات طبعتنا وحركت سواكن عواطفنا الجيّاشة، ولا زلنا نعتقد، واهمين، أنها بضاعة قابلة للتسويق.
لكن المشكل أننا بحكم اغترابنا عن مجتمع لم نعد نفهم آليات تفكيره ولا نمتلك إجابات لقضاياه الملحة، ولا حتى ندرك كنه اللغة التي يجب أن نتوجه بها إليه؛ فإننا نُغالي في تقدير قيمة خطابنا تجاهه أو مدى قابليته لنا، فيكون التأثير سلبيًا، وأحيانا النتائج كارثية. والمفارقة أنه بقدر اغترابنا السياسي والأيديولوجي، بقدر ما نتمسك بخطابات ممجوجة ومواقف مثيرة للسخرية وعبارات مبهمة… خذ مثلًا التقسيم «تقدمي» و«رجعي»، فالتعريف المتداول أن الأول هو من يؤمن بالتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، عادةً نحو الأفضل. أما الثاني فهو تقليدي، يريد المحافظة على الواقع ويرفض التقدم والتطوّر، فبالإضافة إلى أنهما يحيلان إلى صراع سياسي قديم قدم الأيديولوجيا، فإن المفهومين فقدا معنيهما أمام التجارب التاريخية المريرة التي عرفتها المنطقة العربية والعالم. ولكننا لم نجذّر خطابًا سياسيًا يُعيد التفكير في محتويهما.
الإرث الأيديولوجي:
كبُر جيل الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي في رحاب الدولة الوطنية، برعايتها الاجتماعية وقمعها السياسي. وكان المثقفون والطلبة متأثرين بالحلم الأيديولوجي حتى النخاع. وكان مفهوم الحرية مقتصرًا على ما يسمّى «تحررًا نهائيًا» من بقايا الاستعمار ومعاداة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية والرجعية، والإيمان بتحرر فلسطين من «النهر الى البحر». ولم تكن الأيديولوجيات القومية، ببعديها الناصري والبعثي وكذلك الماركسية، بتلويناتها المختلفة، تطرح كثيرًا مسألة الحريات السياسية أو الديمقراطية أو التداول السلمي على السلطة؛ بل كانت تحلم بدولة ترسي فيها حلمها الأيديولوجي، بكافة ملامحه، أحيانا دون نقصان.
الدول العربية كانت بالنسبة إلينا مقسمة عموديًا، إما تقدمية، تؤمن بتطلعاتنا «الوطنية» مهما كان قمعها وفسادها السياسي، أو رجعية، تقبل بالتعامل مع الغرب، وتفاوض في كل قضايانا المقدسة وتقبل بالتنازلات. وحتى اليسار الماركسي، الذي عانى من القمع الناصري والبعثي في مختلف البلدان العربية، فإن أغلبه، كان يعتقد في تقدمية هذه الأنظمة، مقارنةً بالمحور المحافظ، وفي بعض الأحيان ينتقد عسفها واستبدادها باحتشام، إن وجد مجالًا لذلك، لكن غالبًا لا يشكك في وطنيتها وإخلاصها للقضايا العربية.
وإلى حد الآن، لم نر في تونس –على سبيل المثال– أية مراجعات جريئة ولم تُطرح أسئلة حول فشل الدولة القومية في تحقيق كل شعاراتها التقدمية، في الوحدة والاستقرار السياسي والاشتراكية والتقدم العلمي والأمن القومي. أو لماذا يرفض أولئك الذي يتبنون «الفكر العلمي» القيام بمراجعات على ضوء ما حدث في العالم من هزات أطاحت بإمبراطوريات قوية ودول متقدمة؟ ربما يكون المشكل الأساسي في التلذذ بالحلم مادام الواقع أشد قسوة وتغييره يتطلب أكثر من مجرد «الأفكار التقدمية» وتقديس النصوص وترديد الشعارات.
في كتاب «رومنطقيو المشرق العربي» يصف الكاتب والصحفي اللبناني حازم صاغية أمراض الرومانطقية العربية بتلويناتها الأيديولوجية المختلفة، القومية والماركسية والإسلامية، بانها تتبنى ذاك الحلم الرومانسي الذي يفضل الوهم على الحقيقة، والعاطفة على العقل، والوحدة على التعدد، والانغلاق على الانفتاح. وأن مثل هذا الفكر، مهما حسُنت نواياه وتعالت شعارته، فإنه يؤدي حتمًا إلى الاستبداد والقهر والتقوقع. وينصح العقل السياسي العربي، إن أراد أن ينهض وتكون له مكانة في عالم متغيّر، أن يتماهى «مع الواقع ومع العالم، وأن يربط بين تغيّرهما باتجاه أكثر ديمقراطية وحداثة وتقدّمًا وعدالة بالإمكانات والأدوات التي يوفرها الواقع والعالم».
في غياب ذلك تتحول «القوى التقدمية» إلى عامل إعاقة للتطور، وقوة جذب إلى الوراء، وأوتاد مثبتة رافضة للحرية والديمقراطية والتطوّر، مهما ادعت غير ذلك، ومهما تمسكت بما تحمله من أحلام ومبادئ. فأي فكر سياسي تقدمي يرفض سيادة الشعب وفصل السلطات واستقلال القضاء والمساواة أمام القانون والتداول السلمي على السلطة؟
وفي تونس، أيضًا، وصل «الفكر السياسي التقدمي» إلى طريق مسدود، وأضحى عاجزًا عن أية مبادرة. فلا هو قادر على تقديم تفسيرات مقنعة لمساندة أغلب أجنحته لإجراءات 25 يوليو 2021، ولا هو قدم نقدًا ذاتيًا شجاعًا، ليساهم في بناء مرحلة جديدة معتبرًا من أخطاء الماضي، ولا هو أيضًا تخلّى عن العقلية الإقصائية التي طبعت تاريخه حتى يستعيد زمام الأمور ويُرجح الكفة نحو مبادرة سياسية جامعة. ليثبت، مرة أخرى، أنه ظاهرة صوتية متخمة بالشعارات، لا يمكنها أن تعيش وتترعرع إلا في مناخ شعبوي، تتماهى مع سرديته وأضغاث أحلامه.
المصدر: جريدة المغرب
Share this Post

