يعرب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن بالغ إدانته وقلقه إزاء الخطة الإسرائيلية الجديدة الرامية إلى توسيع الاحتلال العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة، من خلال السيطرة الكاملة على المدينة، حيث اجبر أكثر من مليون فلسطيني على العيش في مخيمات عشوائية وبين أنقاض المنازل المدمرة. يمثل هذا التطور فصلًا جديدًا من الاحتلال غير القانوني والإبادة الجماعية المتواصلة ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، في ظل تواطؤ كامل من الدول الحليفة لإسرائيل، التي تواصل تزويدها بالأسلحة ودعمها سياسيًا.
فبينما تشن إسرائيل هجومها الجديد على غزة، تواصل الولايات المتحدة تقديم دعمها غير المشروط لإسرائيل، وتفرض عقوبات إضافية على المحكمة الجنائية الدولية، بهدف عرقلة مساعيها نحو تحقيق العدالة ومساءلة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وغيره من مجرمي الحرب.
تقول امنة القلالي، مديرة البحوث في ـمركز القاهرة: ” قرابة عامين، يقف فيهما المجتمع الدولي مكتوف الأيدي بينما تدمر إسرائيل غزة بشكل ممنهج وتقتل شعبها عمدًا وبشكل جماعي، عبر تجويعهم حتى الموت، وتهجيرهم قسرًا في ظروف لا يمكن تصورها، وتعيق عمدًا وصولهم الكافي للغذاء والماء والمأوى والرعاية الطبية الأساسية. والآن، ينبغي على الدول أن تتحرك بشكل عاجل لوقف حملة الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل، وإلا ستفقد هذه الدول، بشكل لا رجعة فيه، سلطتها الأخلاقية وستُقوّض احترام القانون الدولي بشكل أكبر.”
في 20 أغسطس الجاري، أعلنت إسرائيل رسميًا بدء هجومها العسكري الجديد بهدف السيطرة على مدينة غزة، وذلك بعد استدعاء 60,000 جندي احتياطي إضافي انضموا لعشرات الآلاف من المجندين الحاليين، وتكثيف عمليات القصف التي تسببت في تشريد مئات العائلات قسرًا. وبحسب المرحلة الأولى من الخطة، سيتم الإخلاء التدريجي والقسري للمدينة بحلول 7أكتوبر القادم، دون أي ضمانات بالعودة، من خلال دفع السكان نحو “المناطق الآمنة” التي تعاني حاليًا من تكدس بالغ، وتفتقر لمقومات الحماية الأساسية بما في ذلك المأوى والغذاء والخدمات الطبية.
إن التهجير القسري للفلسطينيين يثير قلقًا بالغًا ويمثل دلالة واضحة على نية الإبادة الجماعية للسكان تمامًا كما تعكسها التصريحات الإسرائيلية المتكررة بشأن النقل القسري للفلسطينيين إلى دول ثالثة. وفيما برّرت إسرائيل هجومها الأخير بالحاجة إلى تفكيك حركة حماس وتأمين إطلاق سراح الرهائن؛ إلا أن التنفيذ جاء بعد أيام قليلة من قبول حماس مقترحًا بوقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا بوساطة مصرية قطرية. الأمر الذي يؤكد مجددًا تعمد إسرائيل عرقلة كل الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب. وفي هذا السياق، يعيد مركز القاهرة التأكيد على أنه ينبغي على حركة حماس إطلاق سراح جميع المحتجزين المدنيين فورًا، بغض النظر عن أي اتفاق لوقف إطلاق النار، إذ إن استمرار احتجازهم يشكل جريمة حرب.
منذ أكتوبر 2023، أدت الهجمات الإسرائيلية وسياسات الإبادة في غزة إلى تهجير جميع السكان تقريبًا عدة مرات، وتعريضهم لظروف معيشية قاسية وتجويعهم عمدًا. وبحسب وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد القتلى في 20 أغسطس الجاري 60 ألففلسطيني، إلا أن الحصيلة الفعلية للقتلى على الأرجح أعلى بكثير، بسبب النقص الشديد في الإبلاغ والإحصاء. كما قتلتإسرائيل ما يقرب من 2018 شخصًا كانوا يحاولون الوصول للمساعدات الغذائية، بينما لقي أكثر من 270 شخصًا حتفهم جراء سوء التغذية، بينهم 122 طفلًا. كما تواصل إسرائيل هجماتها العشوائية واسعة النطاق، التي ألحقت أضرارًا أو دمرت أكثر من 92% من جميع المباني السكنية بحلول أبريل 2025.
عبر هذه السياسات، تواصل إسرائيل انتهاك القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة وأحكام محكمة العدل الدولية. ففي عام 2024 وحده، أمرت المحكمة إسرائيل عدة مرات بوقف عملياتها العسكرية في قطاع غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية دون عوائق. وفي يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل حكمًا يأمر إسرائيل بـالإنهاء الفوري لاحتلالها للأراضي الفلسطينية، وأكدت في الوقت ذاته التزام بقية الدول بتعليق أي علاقات مع إسرائيل من شأنها أن ترسخ أو تساعد في الحفاظ على وجودها غير القانوني في الأراضي المحتلة.
وفي يونيو 2024، خلص تقرير لمركز القاهرة إلى وجود أدلة مباشرة وظرفية واسعة النطاق على أن إسرائيل فرضت عمدًا ظروفًا معيشية تؤدي حتمًا إلى “التدمير المادي” للسكان الفلسطينيين في غزة، بما يتماشى مع تعريف أركان جريمة الإبادة الجماعية. وقد أكد التقرير مسئولية حلفاء إسرائيل والدول العربية عن هذه الفظائع، سواء بالتواطؤ أو من خلال الدعم السياسي والمالي والعسكري لإسرائيل.
منذ ذلك الحين، تفاقمت الأوضاع الإنسانية في غزة بشكل مروّع، بينما تواصل دول العالم التقاعس عن اتخاذ أي إجراءات ملموسة لمحاسبة إسرائيل، إذ فشلت بشكل واضح في تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية أو تطبيق مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت. بل إن بعض الدول أعلنت صراحة الامتناع عن تنفيذها. وبدلًا من استخدام نفوذها لوقف الانتهاكات، واصلت الولايات المتحدة مضاعفة دعمها غير المشروط لإسرائيل، بما في ذلك فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية والمدعي العام للمحكمة لمشاركتهم في جهود محاكمة مواطنين أمريكيين وإسرائيليين، في 20 أغسطس 2025.
في الضفة الغربية، تواصل إسرائيل توسيع مستوطناتها غير القانونية وتهجير الفلسطينيين قسرًا، حيث نزح ما يقرب من 36,000 شخص في النصف الأول من عام 2025، وهو رقم ضخم مقارنةً بأي فترة مماثلة منذ عام 2009. وفي 20 أغسطس 2025، وافقت إسرائيل على مشروع الاستيطان غير القانوني المعروف باسم “E1” في القدس الشرقية، آخر الروابط الجغرافية بين مدينتي رام الله وبيت لحم الرئيسيتين في الضفة الغربية. ويُعد هذا المشروع، الذي ظل مجمدًا لأكثر من عقدين بفعل الضغوط الدولية، خصوصًا من الولايات المتحدة، جزءً من سياسة التطهير العرقي التي تنتهجها إسرائيل. وفي المقابل، تشهد الساحة الدولية مفاوضات متصاعدة، ودعمًا متزايدًا للاعتراف بالدولة الفلسطينية. ولكن تنفيذ هذا المشروع سيقوض بشكل حتمي هذه الجهود، ويُرسخ أكثر نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. فبعد مرور ما يقرب من عامين على الحرب على غزة، وأكثر من 58 عامًا من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، يواصل العالم خذلان الفلسطينيين رغم التزاماته الدولية، وأحكام محكمة العدل الدولية الملزمة، والتحذيرات المتكررة من منظمات حقوق الإنسان وخبراء الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، يعيد مركز القاهرة التأكيد على دعوته لدول العالم من اجل تحرك عاجل وفوري يضمن:
- الضغط على إسرائيل لوقف هجومها الأخير على غزة ومساعي السيطرة الكاملة على المدينة، والدفع نحو وقف إطلاق نار فوري ودائم.
- التعليق التام والنهائي للحصار المفروض على غزة، وإيصال المساعدات الإنسانية بشكل عاجل وفعال دون عوائق.
- مراجعة جميع العلاقات وأشكال الدعم المقدمة لإسرائيل بشكل عاجل في جرائمها وانتهاكاتها للقانون الدولي، تماشيًا مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، بما في ذلك احتلالها للأراضي الفلسطينية، والمستوطنات غير الشرعية، والفصل العنصري. ويشمل ذلك فرض حظر على نقل وبيع الأسلحة، وحظر اتفاقيات التجارة والتعاون الأخرى، مثل الأحكام التجارية لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والتي يحق للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعطيلها عن طريق تصويت بالأغلبية المؤهلة.
- دعم الآليات المستقلة والدولية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة.
- تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، وجميع المذكرات الأخرى التي قد تصدرها المحكمة نتيجة تصاعد الانتهاكات في غزة، وبقية الأرض المحتلة.
Share this Post

