مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.«لا تعود السلطوية عبر القمع، بل عبر قبول شعبي ولّده الإحباط»
(Hannah Arendt)
يكاد يجمع معظم الباحثين والمراقبين على أنّ الثورة التونسية (2010–2011) نجحت في إسقاط نظام سلطوي بوسائل سلمية خلال زمن قياسي، وفتحت مسارًا لانتقال ديمقراطي بدا سلسًا وقابلًا للإنجاز، غير أنّه انتهى إلى أزمة سياسية عميقة أفضت إلى تقويض المكاسب الدستورية والمؤسساتية الهشّة التي تحققت. ويبقى الخلاف قائمًا حول تحديد أسباب هذا الإخفاق وترتيبها حسب درجة فاعليتها وتأثيرها.
واستنادًا إلى ذلك، أعتقد جازمًا أنّ عدم فتح نقاش جاد ورصين حول هذه الأسباب، وعدم الاعتراف بالأخطاء المصيرية وبطبيعة الأداء السياسي الفوضوي، سيعمّق الأزمة الحالية ويجعل البلاد عرضة لأزمات قادمة أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة.
أوّل سؤال نادرًا ما طُرح بجدّية يتعلّق بطبيعة الثورة نفسها: هل كانت ثمرة مشروع سياسي تعدّدي يستند إلى رؤية واضحة لما بعد الاستبداد، أم محصلة لتصاعد تحرّكات احتجاجية كانت تعبيرًا عن غضب اجتماعي عميق مردّه الإحساس بالظلم و«الحقرة» والقهر الاجتماعي والسياسي؟
تحيل الفرضية الأولى إلى وجود نخب سياسية جاهزة ومستعدّة للبدائل، تمتلك برامج واضحة وتصوّرًا محدّدًا لطبيعة الدولة المستحدثة ولعلاقاتها بمختلف الفاعلين السياسيين وبالمجتمع. أمّا الفرضية الثانية (وهي التي أصبحت واقعًا)، فتكشف ثورة مباغتة ومربكة لجميع الفاعلين، وجدت بعدها النخب السياسية والمدنية نفسها مضطرة إلى مجاراة تضخّم التوقّعات الداخلية والخارجية والاستجابة السريعة لمطالب شعبية غاضبة، دون امتلاك الأدوات أو الخبرة اللازمة. ونتيجة ضعف الإمكانيات، وسوء الحوكمة، وضعف التجربة والحضور المكثّف للإيديولوجيا التي عوضت الفعل السياسي، تمّ اللجوء إلى قرارات ارتجالية كانت في الغالب مكلفة، وأسهمت في إضعاف مسار الانتقال بدل تثبيته.
وبعبارة أخرى، وإن كان عنصر المفاجأة إيجابيًا في إزاحة نظام سلطوي راسخ إلا أنه ساهم سلبيًا في مآلات الثورة وتفاصيل الانتقال الديمقراطي. فقد انهار النظام بسرعة دون أن تكون هناك قيادة منظمة أو خريطة طريق واضحة أو قوى اجتماعية مؤازرة، لها رؤية جليّة حول طبيعة الانتقال أو مجتمع مدني له ثقافة أرقى من الاحتجاج والتنديد والمشاكسة، كما أن غياب التصوّر المسبق لهندسة ما بعد الثورة أضعف استمرارية الدولة وقدرتها على الإصلاح؛ إذ أن المفاجأة التي سهلت إسقاط النظام هي نفسها ساهمت في تقويض الديمقراطية، كما أن البُنى التقليدية للدولة السلطوية لم تتغيّر بعد الثورة، بل وسعى جلّ الفاعلين إلى الاستفادة منها عوض القطع معها. لذا استمرت البيروقراطية الإدارية المتكلسة والمؤسسات الأمنية الخاضعة للحكم وشبكات الريع الاقتصادي الراسخة تعمل بالوتيرة نفسها، حتّى وإن يتغيّر ولاؤها بتغيير السلطة، وأدّى هذا إلى عرقلة المسار الديمقراطي من الداخل، وحوّل جهود الانتقال إلى عملية شكلية لم تٌحدث قطيعة مع ممارسات الاستبداد، بل هيأت لعودته.
إلى ذلك، ونتيجة لغياب الثقافة السياسية، ساد فهمٌ خاطئ للديمقراطية، إذ إنها، لا سيما في مراحل الانتقال وبناء المؤسسات، لا تقوم على المنافسة الانتخابية أو الدعاية السياسية فحسب، بل تُعدّ بمثابة عقد اجتماعي يلتزم به جميع الفاعلين. لا يمكن اختزالها في إجراءات شكلية كتنظيم الانتخابات، مهما بلغت درجة نزاهتها وشفافيتها، أو في صياغة دستور، مهما كان منسجمًا مع مطالب الثورة. وبعبارة أخرى، لا يمكن للمؤسسات أن تعمل دون ثقافة ديمقراطية حاضنة، ولا للبرلمانات تؤدي وظائفها دون العمل على إرساء تقاليد برلمانية راسخة، ولا للقضاء يضطلع بدوره دون ضمان استقلاليته التامة من كل ضغوط. لذلك، انشغلنا بزخم المشاركة السياسية الواسعة، وأصابنا قدر كبير من الغرور بها، في حين أُهمل العمل على تعزيز قدرة المؤسسات الناشئة على الصمود في وجه رياح الارتداد، فكانت النتيجة تعبئةً سياسيةً كثيفة في كل استحقاق انتخابي، يقابلها ضعفٌ بنيوي في قدرة هذه المؤسسات على مقاومة الانتكاس.
وساهمت الأحزاب السياسية، التي حكمت أو عارضت، بدورها، في الإساءة إلى التجربة الديمقراطية وتشويه أهدافها، حين أثبتت عجزها عن إدارة مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. فقد فشلت أو عرقلت بلورة سياسات عمومية ناجعة، وتمرير القوانين والإصلاحات الضرورية، وكان من أبرز مظاهر هذا الفشل التلكؤ في إرساء المحكمة الدستورية. وبدل الانخراط في بناء توافقات تحمي المسار، انغمست الأحزاب في مناكفات متواصلة وصراعات هامشية عطّلت كل إمكانية للتفاهم وتعزيز المشروع الديمقراطي. وكانت النتيجة اتساع حالة الإحباط العام من إمكانية الإصلاح، وارتباط الديمقراطية في المخيال الشعبي بالفوضى والعجز بدل الاستقرار والفعالية.
وفي هذا السياق، يحذّر المؤرخ والفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل (وهو من أكبر الدارسين للثورات وارتدادتها)، في كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، من أنّ «غياب الحدّ الأدنى من التوافق بين الأحزاب السياسية يصبح خطرًا على الديمقراطية عندما تتحوّل هذه الأحزاب إلى مجرّد أدوات للصراع على السلطة بدل السعي إلى التفاهم حول الصالح العام، بما يقوّض الاستقرار ويضعف المؤسسات ويشتّت الإرادة الجماعية». وعليه، فإن غياب التوافق حول المشترك، ورفض منطق التسويات الممكنة، والاكتفاء بتنافس محموم على الظفر بالسلطة، أحيانًا على حساب المبادئ الديمقراطية نفسها، أدّى إلى اختلال العلاقة بين المجتمع والدولة، وإضعاف المؤسسات وتفكيكها، وتهيئة الأرضية لظهور مختلف أشكال الانتكاس.
وأنا هنا لا أدّعي تقديم تشخيصٍ كاملٍ لصعوبات الانتقال الديمقراطي وهناته، ولست مؤهلًا –معرفيا وسياسيًا– لتقديم رؤية سياسية متكاملة لما ينبغي فعله، غير أنّني أرى أنه يصعب الحديث عن إعادة بناء ديمقراطي دون تصوّر واضح لإصلاح الأحزاب السياسية، وتعزيز روح المسئولية لديها، ودفعها إلى التوافق حول الحدّ الأدنى المشترك. كما أنّ أي مسار إصلاحي جادّ يظلّ منقوصًا ما لم يقترن ببرنامج واضح حول كيفية إعادة بناء المؤسسات، وفي مقدّمتها القضاء، وهيئة الانتخابات، وإصلاح المنظومة الإعلامية، فالديمقراطية لا تُستعاد بالشعارات ولا حتى بالمسيرات الحاشدة، بل بتقديم البدائل الواقعية والمقنعة.
وفي سياقٍ تسوده السلطوية ويتعرّض فيه الفعل السياسي والمدني للتجريف، لا يمكن استعادة المسار الديمقراطي بصورة فورية أو عبر مواجهة مباشرة؛ إذ يقتضي الأمر سيرورة طويلة الأمد تضطلع فيها النخب بدور محوري في إعادة بناء الثقة المفقودة. ويستوجب ذلك قيام هذه النخب بمراجعة نقدية جادّة لدورها خلال تجربة الانتقال الديمقراطي، بما يسمح لها باستعادة مشروعيتها الرمزية والأخلاقية، كما يتطلّب منها إنتاج خطاب ديمقراطي متماسك، وصياغة بدائل سياسية واقتصادية تتجاوز الأطر الإيديولوجية المغلقة التي أثبتت كارثيتها.
ومن هذا المنطلق، لا يتمثّل الصراع القائم مع السلطة في التنازع حول رمزية التاريخ، وهو تاريخ لا يمكن لأي نظام –مهما كانت سطوته– محوه بقرار فوقي؛ بل في تصورات تنعش مبادئ الثورة ذاتها، وفي مقدّمتها الحرية والعدالة والتعدّدية، وإعادة الاعتبار للفعل السياسي والمدني خارج دائرة الحكم. فالتعدّدية ورفض الإرادة الفردية، مهما بلغت قوتها، يشكّلان جوهر الفعل الثوري وأحد أهم ضمانات إعادة الانتقال الديمقراطي واستمراره.
المصدر: جريدة المغرب
Share this Post

