الشعبوية اليوم: هل هي الصدى لمرحلة ما بين الحربين؟

في مقالات رأي

مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

حين تُستحضر المقارنة بين زمننا الراهن ومرحلة ما بين الحربين العالميتين، يحيل التفكير غالبًا إلى الانهيارات الاقتصادية الكبرى وصعود النزعات القومية، غير أن التشابه الأعمق، في اعتقادي، لا يكمن في شكل الأحداث وتسلسلها بقدر ما يكمن في المناخ النفسي والسياسي الذي يسبق التحولات الخطيرة: مناخ فقدان الثقة، وتآكل الشرعية، والشعور العام بأن النظام القائم لم يعد يعمل لصالح أغلبية الناس… في هذا المناخ بالذات تزدهر الشعبوية، وهنا ، أيضًا، يتردد صدى الثلاثينيات بأكثر قوة في حاضرنا.

الشعبوية والإجابات السهلة

في الفترتين معا، أي الثلاثينيات من القرن الماضي واليوم، لم تكن الأزمة سياسية فقط، بل اجتماعية ونفسية، شعور واسع بانعدام عدم الأمان، تراجع استقرار الطبقات الوسطى، إحساس بأن العمل لم يعد يضمن الحياة الكريمة، واتساع الفجوة بين النخب وبقية المجتمع، كل ذلك خلق حالة من القلق الجماعي وفقدان اليقين بالمستقبل.

في مثل هذا السياق، لا تبحث الشعوب عن برامج معقدة أو تحليلات بنيوية عميقة، بل عن معنى بسيط يفسر ما يحدث: هنا تتدخّل الشعبويّة، لا لتقدّم فهمًا دقيقًا لمصادر الظلم أو التفاوت، بل لتعرض سردية بسيطة، مشحونة عاطفيًا: نحن لسنا ضحايا نظام اقتصادي مختلّ، بل ضحايا خيانة النخبة السياسية والمدنية… وهناك صراع بين «نحن» الصالحين  والأنقياء و «هم» الفاسدين الذين سرقوا البلد وخربوه وجوعوا الشعب، هكذا تُترجم المعاناة الحقيقية إلى صراع أخلاقي مبسّط، لا إلى مشروع إصلاح سياسي ومؤسسي.

بعبارة أخرى، الخطر ليس في الاحتجاج على الظلم والتفاوت، فالاحتجاج شرط من شروط بقاء الديمقراطية حيّة، لكنه  يبدأ حين يتحول الخطاب من القول إن الديمقراطية لا تعمل بشكل جيّد  إلى الإيحاء بأن «الديمقراطية نفسها هي المشكلة»، وهي «العقبة أمام تحسين الأحوال الاجتماعية لعموم الناس»… من هذا المنظور، تصبح العناصر الأساسية  والمؤسسات التي تحمي التعدّد  والحرية موضع هجوم: استقلال القضاء يُصوَّر كعائق أمام إرادة الشعب، الإعلام الحرّ يُتهم بالخيانة أو التآمر، حماية الأقليات تُقدَّم كامتيازات يجب التراجع عنها، والضوابط الدستورية تُوصَف بالشلل البيروقراطي… وبهذا تُعاد صياغة  الاستبداد لا بوصفه قمعًا وبطشًا، بل بوصفه محرّرًا  للإرادة الشعبية من كل القيود.

إضعاف المؤسسات

هذا المسار هو نفسه الذي شهدته بعض الدول الأوروبية بين الحربين، حيث لم تسقط الديمقراطية دفعة واحدة، بل فقدت مكانتها الأخلاقية في الوعي العام أولًا.

كذلك الشعبوية اليوم، لا تقتل الديمقراطية غالبًا عبر انقلاب صريح وسريع، بل عبر عملية أبطأ ولكنها أخطر: إضعاف الثقة بالمؤسسات المستقلة، شيطنة المعارضة، تحويل السياسة إلى استفتاء دائم على شخص القائد الأوحد، واستبدال حكم القانون بمنطق الولاء، قد تبقى الانتخابات، لكن يختفي جوهر الديمقراطية: المساواة أمام القانون، والتعددية، وحدود السلطة. بهذا المعنى، الشعبوية ليست نقيض الديمقراطية في الشكل، بل في المحتوى، فهي تستخدم آلياتها لتفريغها كليّا من مضمونها.

فالديمقراطية تقول إن الحلول بطيئة والواقع معقّد، بينما تقول الشعبوية إن المشكلة واضحة، والعدو معروف، والحل في يد قائد قوي. وفي أزمنة القلق والخوف، تنتصر العاطفة  على العقلانية المتبصرة، ويبدو الوعد بالحسم السريع أكثر إقناعًا من الدعوة إلى المسار المؤسسي المتروّي.

الحرية أم الأمن؟

التشابه مع ما بين الحربين إذن ليس في أننا على أعتاب حرب عالمية، بل في أننا نعيش لحظة تتآكل فيها الثقة بالديمقراطية من الداخل، فالمؤسسات ما زالت قائمة (على الأقل في الدول الديمقراطية)، لكنها فاقدة لجاذبيتها الأخلاقية وقيمها، النظام الدولي موجود، لكنه ضعيف وهش، وعموم الناس لا تطلب الحرية بقدر ما تطلب الأمان.

في الثلاثينيات، لم يسقط النظام لأن الناس عشقوا الطغيان، بل لأن الإيمان بالديمقراطية تآكل قبل أن تنهار. حين تتحول الديمقراطية في الوعي العام من قيمة أخلاقية إلى مجرد آلية إجرائية، تصبح قابلة للاستبدال…بسهولة.

هنا، تكمن خطورة الشعبوية اليوم لا في صراخها وسذاجة شعاراتها، بل في قدرتها على إقناع الناس بأن الحرية والتعددية والحقوق ليست ضمانات لهم، بل عقبات أمام خلاصهم. وذلك هو الصدى الحقيقي لمرحلة ما بين الحربين: اللحظة التي يبدأ فيها المجتمع، بهدوء ومن دون ضجيج، في الشك بأن الديمقراطية تستحق الدفاع عنها.

ضعف الاعتقاد في الديمقراطية

لذلك تبدو الديمقراطية في خطر، لا لأن أعداءها أصبحوا أقوى من أي وقت مضى، بل لأن الإيمان بها أصبح أضعف. فحين تُختزل في إجراءات انتخابية وتُفصل عن بعدها الأخلاقي القائم على المساواة والحقوق والكرامة الإنسانية، تفقد قدرتها على الإقناع والدفاع عن نفسها. عندها يسهل تصويرها كنظام معطّل، بطيء، عاجز، بينما يُقدَّم تركيز السلطة كحلّ عملي وسريع. الخطر الحقيقي إذن لا يبدأ عندما تُهاجَم الديمقراطية من خارجها، بل عندما يتراجع الاستعداد لحمايتها من داخلها، وعندما تتسلل القناعة بأن الاستقرار يمكن أن يُشترى على حساب الحرية، وأن الأمن قد يبرر التضحية بالحقوق. في تلك اللحظة تحديدًا، لا تنهار الديمقراطية بضربة واحدة، بل تذبل تدريجيًا…

الاستقرار أولًا

في غياب الديمقراطية، لن تُستبدل السياسة بعقيدة كبرى كما حدث في القرن العشرين، بل بشيء أكثر برودة: إدارة المجتمع بمنطق الأمن والاستقرار والانكفاء. لن يُطلب من الناس أن يؤمنوا بفكرة عظيمة، بل أن يلتزموا بالنظام مقابل حد أدنى من الأمان المعيشي. الشرعية لن تُبنى على المشاركة، بل على الأداء: طالما لقمة العيش متوفرة -ولو نسبيا، والفوضى تظهر بعيدة، فالصمت مطلوب… حتى دون اقتناع.

الدولة في هذا العالم تتحول من إطارٍ سياسي إلى جهاز ضبط فقط. وظيفتها الأساسية ليست تمثيل المجتمع، بل إدارته: مراقبة رقمية، تتبع قريب وبعيد، تنظيم للسلوك، والعمل الدائم على تقليص المجال العام، إذن نحن لسنا في حاجة لقمع شامل دائم، يكفي شعور دائم بأن كل شيء مرئي وقابل للمساءلة من أعلى، لا من الشعب، والخوف لا يكون صاخبًا، بل صامتًا و لكنه منتشر.

غياب المشروع الجماعي

أما المجتمع، فيفقد لغته المشتركة، حين تسقط كل الأيديولوجيات وتذبل القناعات السياسية، لا يبقى مشروع جماعي مشترك، بل مجموعات متنافرة من الأفراد القلقين. السياسة تتحوّل إلى إدارة أزمات متواصلة، لا إلى بناء فعل مستقبلي. ويضعف التضامن، لأن الناس لم تعد ترى نفسها جزءً من مصير مشترك، بل أفرادًا يبحثون عن  النجاة الفردية.

العلاقات الدولية في مثل هذا السياق تصبح أكثر قسوة وبرودًا. إذا لم تعد هناك قيم عالمية مُلزمة، تتحول القوة إلى اللغة الوحيدة المفهومة. القانون الدولي يصبح انتقائيًا، والنزاعات تُدار لا تُحل.

هل يعني ذلك حربًا عالميّة؟ ليس بالضرورة بل توتر دائم، العيش في عالم بلا ثقة متبادلة.

ذوبان الديمقراطية البطيء

المفارقة أن هذا العالم قد لا يبدو كارثيًا في الظاهر. قد يكون منظمًا، تقنيًا، ومستقرًا نسبيًا. لكن ما يغيب هو ما لا يُقاس بسهولة: القدرة على الاعتراض دون خوف، الإحساس بالكرامة الإنسانية، والشعور بأن الإنسان ليس مجرد عنصر في معادلة إدارة باردة. الخطر هنا ليس الانفجار، بل التعوّد أن يعتاد الناس حياة بلا صوت، بلا تأثير، وبلا أفق جماعي.

الديمقراطية، في هذا المعنى، لا تختفي فجأة، بل تذوب في نظام يعد بالأمان ويقدّم من الحرية بالتقسيط، حتى ينسى الناس أن الحرية كانت يومًا شرطًا أساسيًا للأمان لا نقيضًا له.

إذًا، ما العمل؟ حين تهتزّ الثقة في الديمقراطية والقيم المشتركة، لا تكفي الخطب الرنانة ولا الشعارات المألوفة… الحل يكمن في عمل طويل الأمد، يكشف مخاطر الشعبوية ويعيد الثقة بالمشترك، ويحوّل القيم من خطب مجردة إلى ممارسات يومية ملموسة. لكن هذا الطريق يتطلب فهمًا عميقًا للواقع، وتحوّلا جذريا في تفكير الأحزاب والنخب —وهو الأصعب والأكثر تكلفة. ومع ذلك، يبقى الطريق الوحيد لحماية ما نؤمن به، ولضمان أن القيم ليست مجرد شعارات، بل واقعًا نحققه ونصونه مع كل قرار وفعل.

المصدر: المفكرة القانونية

Share this Post