Editorial credit: Bob Korn / Shutterstock.com

اتفاق السلام الأمريكي الإيراني خطوة إيجابية لكنه لا يعالج الأسباب الرئيسية للصراع الإقليمي

في البرنامج الدولي لحماية حقوق الإنسان, دول عربية

إن مذكرة تفاهم السلام بين أمريكا وإيران، الموقعة بشكل رسمي في 17 يونيو الجاري، والتي يتفاوض الطرفان على شكلها النهائي الآن في سويسرا، تعد خطوة جيدة لخفض التصعيد، بعد شهور من الحرب المدمرة التي تسببت في معاناة هائلة للمدنيين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وزادت من عدم الاستقرار الإقليمي والعالمي. إلا أن هذا الاتفاق، إلى جانب خطة إنهاء الصراع في غزة بقيادة الولايات المتحدة والتي أقرها مجلس الأمن في نوفمبر 2025، لا يعالجان الأسباب الرئيسية التي أشعلت النزاع من البداية، وتسببت في تفشي القمع وانعدام الأمن في جميع أنحاء المنطقة.

يقول زياد عبد التواب، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: «رغم إن خفض التصعيد وإنهاء هذه الحرب غير العادلة أمر ملح للغاية؛ إلا أن الاتفاقيات التي تغفل الجذور السياسية والأساسية للصراعات تظل قصيرة المدى» ويضيف: «يتطلب السلام الدائم تضافر الجهود الدولية لمواجهة الاحتلال غير القانوني، والهجمات الممنهجة بحق المدنيين، والإفلات من العقاب، وحرمان الشعوب المستمر من حقوقها في الحكم الديمقراطي، والمشاركة السياسية، والوصول العادل إلى الموارد العامة في مختلف أنحاء المنطقة. وإلا فإن مذكرة التفاهم هذه قد تتحول إلى هدنة مؤقتة أخرى قابلة للخرق متى تبدلت المصالح السياسية».

إن الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية، وحرب الإبادة والتطهير العرقي المستمرة بحق الفلسطينيين، والتي أسفرت عن مقتل 73 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 173 ألفًا آخرين في غزة منذ 2023، إلى جانب الضم غير القانوني لأراضي الضفة الغربية، والتهجير القسري، واحتلال أراضي في لبنان وسوريا، سيظل عائقًا أساسيًا أمام تحقيق أي سلام عادل ومستدام.

وفي الوقت نفسه، يتعين إدراج خطورة التمدد العسكري الإقليمي الإيراني والفصائل المسلحة الموالية له في لبنان والعراق واليمن ضمن أي تسوية شاملة في المنطقة. إذ ينبغي أن تنفرد السلطات الشرعية ذات السيادة في كل دولة بأي عملية لنزع سلاح هذه الفصائل، ضمن آلية رقابة صارمة من الأمم المتحدة، وألا تتولى تنفيذها أو فرضها أي قوى خارجية أو إقليمية. على أن تقترن هذه الخطوة بإجراءات تتيح لمؤسسات كل دولة بحماية جميع المدنيين فيها، وضمان سيادة سلطة القانون، وبسط نفوذها الحصري والخاضع للمساءلة على كامل حدودها.

وفي السياق نفسه، ينبغي أيضًا معالجة الوجود العسكري التركي وعملياته المتشعبة في الأراضي المجاورة، والحيلولة دون اعتماد الحكومات المتزايد على جيوش أجنبية سواء تابعة للولايات المتحدة أو روسيا أو إيران. إذ تسبب التدخل العسكري الخارجي مرارًا في تقويض الاستقرار وسلطة القانون، وفتح الباب أمام التجاوزات، وعرقل تأسيس حكم محلي خاضع للمساءلة.

حتى الآن، تمتلك الأمم المتحدة وحدها الشرعية لمعالجة هذه القضايا المترابطة على نحو شامل. وعلى قادة العالم الاتحاد في الضغط على كافة القوى الرسمية وغير الرسمية المنخرطة في مواجهات مسلحة أو شبه عسكرية بالشرق الأوسط، بغرض الإنهاء الفوري للعمليات القتالية والانخراط في عملية سلام شاملة تقودها الأمم المتحدة.

أن الغياب الواضح لأي التزام ملموس بالمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي المرتكبة خلال النزاعات التي عصفت بالمنطقة، يعد أمرًا مثيرًا للقلق. إذ يجب تطبيق المساءلة على نحو عالمي ومتسق على جميع الأطراف المتورطة في ارتكاب الانتهاكات الجسيمة. فبدون إنصاف الضحايا وملاحقة الجناة؛ قد يؤدي أي اتفاق جديد إلى مزيد من ترسيخ سياسة الإفلات من العقاب ذاتها التي كانت وراء اشتعال حلقات متتابعة من العنف في جميع أنحاء المنطقة.

فخلال السنوات الثلاث الماضية؛ تعرض لبنان لضربات عسكرية متلاحقة. وقد تسبب تفاقم المواجهات في الثاني من مارس 2026 في تشريد أكثر من مليون ومائتي ألف شخص، ومقتل ما لا يقل عن 3783  وإصابة 11,699 آخرين. كما شهد جنوب لبنان دمارًا واسع النطاق طال بلدات وقرى بكاملها، بما في ذلك المنازل والمؤسسات التعليمية والمنشآت الطبية والحقول الزراعية وغيرها من البُنى التحتية الأساسية. وبالمثل، تسببت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة واسرائيل على ايران في مقتل قرابة 2000 مدني، منهم أكثر من 100 طفل قتلوا في غارة امريكية على مدرسة. كما يتعين إجراء تحقيق في الاعتداءات الإيرانية على المنشآت المدنية في منطقة الخليج باعتبارها تمثل جرائم حرب واضحة.

لقد برهنت الحرب الأخيرة، مثل فعلت سابقتيها في العراق وأفغانستان، على فشل التدخل العسكري غير القانوني في تحقيق الاستقرار أو التغيير السياسي. فبدل تقويض النظام الاستبدادي في إيران، يبدو أن الحرب العدوانية التي قادتها واشنطن وتل أبيب ضد طهران قد ساهمت في تثبيت أركان السلطة، وأتاحت لها استغلال حالة الحرب لـتـشديد قبضتها القمعية محليًا. فقد رصدت الهيئات الحقوقية الإيرانية والدولية، إلى جانب الأمم المتحدة، تصاعدًا في أحكام الإعدام والتوقيف العشوائي والمحاكمات السياسية منذ تفجر الصراع. لذا، لا يمكن إقصاء المواطنين الإيرانيين من الحسابات الدبلوماسية والتخلي عنهم في مواجهة القمع الضاري في الداخل.

ومن ثمَّ، يتعين على المجتمع الدولي ألا ينظر إلى الاتفاق المُعلن بوصفه المحطة الختامية لمسار السلام؛ وإنما كفرصة للبدء في معالجة الحقائق السياسية والأسباب الأكثر عمقًا والتي تستمر في تغذية النزاع والمعاناة الإنسانية في جميع أنحاء المنطقة.

Share this Post