unsplash © Daoud Abismail
unsplash © Daoud Abismail

الجزائر: من دون ضمانات تبدو دعوة تبون للجالية في الخارج بالعودة بلا معنى

في البرنامج الدولي لحماية حقوق الإنسان, دول عربية

فيما تبدو تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون الأخيرة، والتي دعا فيها الجزائريين المقيمين في الخارج إلى العودة، دعوة للانفتاح والمصالحة، إلا أنه في غياب ضمانات واضحة وملزمة تحول دون الاحتجاز التعسفي، والمحاكمات الجائرة، والملاحقات ذات الدوافع السياسية، تبقى هذه البادرة التصالحية فارغة من معناها. لا سيما بالتزامن مع تجدد توظيف الاتهامات بـ “العمالة للخارج” و”الخيانة “والخطاب الأمني الذي طالما استدعاه الرئيس نفسه لاستهداف المعارضين، على نحو يقوض الثقة في دعوته.

كان الرئيس تبون قد دعا جميع الجزائريين المقيمين في الخارج إلى العودة إلى البلاد، خلال مقابلة متلفزة بُثت في فبراير 2026، كما خاطب الشباب منهم، الذين غادروا بطرق غير نظامية، قائلا: “ما دمتم ارتكبتم خطأً صغيرًا، عودوا. فالله يغفر ما مضى”. وفي هذا السياق ميّز الرئيس تبون بوضوح بين العائدين المرحّب بهم وبين أولئك المتهمين بالارتباط بأجهزة استخبارات أجنبية؛ إذ اعتبر أن هذه الروابط تمثل فعل خيانة لا رجعة فيه، يستوجب الملاحقة القضائية بمجرد العودة. ومن ثم، فدعوته “مشروطة” تندرج ضمن إطار سياسي-أمني يعرّض العائدين لخطر التوقيف والمحاكمة.

بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ الحق في العودة إلى الوطن حق غير مشروط، لا يجوز ربطه بتقديرات سياسية أو أمنية. ومن ثمّ، يتعين على أي دولة تشجع مواطنيها على العودة توفير ضمانات واضحة وعلنية وملزمة قانونًا تكفل حماية العائدين من التوقيف التعسفي والملاحقات القضائية. وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة بالنسبة للأفراد المنخرطين في النشاط السياسي أو العمل الصحفي أو المعارضة السلمية خلال مدة إقامتهم بالخارج. وفي غياب هذه الحماية، فإن الدعوة للعودة تعرّضهم لخطر الانتقام بدلًا من تيسير إعادة إدماج آمنة وكريمة.

ويتفاقم هذا الخطر في ظل الملاحقات والإدانات الغيابية واسعة النطاق بحق المعارضين والنشطاء في الخارج، والتي غالبًا ما تتم على خلفية التعبير السلمي وبذرائع تتعلق بالأمن الوطني. ففي تقريره «خناق المصيدة: توظيف الجزائر للقمع العابر للحدود الوطنية لخنق المعارضة» لعام 2024، وثق مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان كيف يتم توظيف مساعي وقوانين حماية الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب لتجريم التعبير السلمي وتكوين الجمعيات، وتمكين الملاحقات القضائية العابرة للحدود، وتصوير المعارضة على أنها “مدعومة من الخارج”. وتعكس إشارات الرئيس تبون إلى “المخبرين” و”الخيانة” هذا السرد الراسخ، بما يدل على استمرارية النهج بدلًا من إصلاح السياسات.

كما تعزز قضايا حديثة داخل الجزائر هذه المخاوف. ففي فبراير 2026، تعرض الصحفي مصطفى بن جامع للملاحقة القضائية بسبب تغطيته قضية إطلاق نار من الشرطة، رغم أن عمله الصحفي أسهم في تعزيز المساءلة. كما أوقفت السلطات الجزائرية النقابي علي معمري في 2025 واحتجزته بمعزل عن العالم الخارجي، ثم أدانته بموجب قانون مكافحة الإرهاب على خلفية أنشطته المدنية والإلكترونية. ولا يزال الشاعر والمدافع عن حقوق الإنسان محمد تجاديت رهن الاحتجاز التعسفي إثر ملاحقات متعاقبة مرتبطة بتعبيره السلمي. كما منعت السلطات الجزائرية المدافعة الحقوقية، ورئيسة جماعة عائلات المفقودين في الجزائر، ناصرة دوتور (وهي جزائرية الجنسية) من دخول البلاد تعسفًا، وأعادتها قسرًا إلى باريس بمجرد وصولها مطار الجزائر في يوليو 2025.

هذه القضايا تؤكد استمرار توظيف ذرائع “الأمن الوطني” والاتهامات بـ “الارتباط/التعاون بالخارج” لقمع أنشطة مدنية مشروعة؛ وهي الإطار ذاته الذي استند إليه الرئيس لاستثناء بعض المنفيين من دعوته بالعودة. وفي هذا السياق، تبقى الضمانات المقدمة للجزائريين في الخارج غير كافية في غياب إصلاحات هيكلية وضمانات ملزمة، تشمل الحماية من التوقيف التعسفي وإلغاء الإدانات الجائرة الصادرة بحقهم.

ومن ثم، يدعو مركز القاهرة السلطات الجزائرية إلى:

  1. إعلان ضمان عدم تعرض أي جزائري عائد من الخارج للتوقيف أو الملاحقة بسبب ممارسته السلمية لحقوقه.
  2. كفالة المساواة في المعاملة القضائية بين الجزائريين في الخارج وداخل البلاد.
  3. اعتماد عفو عام وشامل يشمل جميع الأفراد الذين حوكموا حصريًا بسبب ممارستهم السلمية لحرية التعبير أو تكوين الجمعيات أو التجمع السلمي أو العمل الصحفي أو النشاط النقابي.
  4. وقف توظيف نصوص قوانين مكافحة الإرهاب وذرائع حماية الأمن الوطني لتجريم المعارضة.
  5. الوقف الفوري للمحاكمات الجائرة، والتحقيق في انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة التي وثقتها آليات الأمم المتحدة.

وإلى حين تنفيذ هذه التدابير، لا يمكن اعتبار الدعوات بالعودة خطوات جادة نحو المصالحة، كما سيظل الجزائريون في الخارج المرتقبين فرصة للعودة عرضة لانتهاكات حقوقية، بما في ذلك الملاحقة غير العادلة والاحتجاز.

Share this Post