د. عز الدين شكري فشير
تتمثل إحدى الأساطير المعاصرة المتعلقة بدول العالم الثالث، في أن المثقفين فيها، رغم عجزهم عن مواجهة القوة الغاشمة المهيمنة على تلك البلدان التي غالبًا ما ترزح تحت وطأة ديكتاتوريات فاسدة ومستبدة؛ يمثلون خزانًا أخلاقيًا ومنبعًا للأمل من المفترض أن تستقي منه البلاد، حينما تشرع الأمور في التغير، ما تحتاجه من أفكار وقيم وأشخاص تتيح لها تعزيز الحرية والعدالة. إلا أنه في الواقع لا يعد الأمر كذلك.
ماريو فارغاس يوسا، سمكة في الماء: مذكرات (A Fish in the Water: A Memoir). الفصل الرابع عشر
أقصد بالنخبة الثقافية هنا تلك المجموعة الصغيرة نسبيًا من الأفراد التي تتولى تشكيل وإنتاج والحكم على معايير المجتمع واتجاهاته الفكرية. وهم عادةً ما يشغلون مناصب مؤثرة في مؤسسات كالجامعات، ووسائل الإعلام، ودور النشر، والأوساط الفنية، ولكنهم أيضًا قد يكونون مستقلين وينشطون في شبكات غير رسمية أو عبر الإنترنت. تلك النخب هي التي تحدد ما يتم اعتباره معرفة معتبرة، ومعايير مقبولة، وأفكارًا مشروعة. وهم أيضًا من يصوغون الخطاب العام ويفسرون التاريخ، محددين بذلك كيفية فهم المجتمع لذاته وللعالم. وبهذا المعنى، تُمثل النخبة الثقافية سُلطة؛ فبينما يمكنها تعزيز الإبداع والفكر النقدي والتقدم الاجتماعي؛ فبإمكانها أيضًا ترسيخ الأساطير والقمع والجمود.
في مصر، تستمد النخبة الثقافية معرفتها من مزيج من المصادر العريقة والمتجددة. ولطالما كانت متجذرة تاريخيًا في الطبقات الوسطى المتعلمة بالقاهرة، وضمت بين صفوفها كتّابًا وأكاديميين وفنانين وصحفيين وسياسيين تلقوا تعليمهم أو تدريبهم في مؤسسات الدولة. وفي العقود الأخيرة، انضمت إلى هذا الحيز شرائح جديدة: نُشطاء سياسيون، وشخصيات إعلامية، وقادة منظمات غير حكومية، ومبدعون رقميون. أما سياسيًا، فإن النخبة تمثل مزيجًا من اليساريين والليبراليين والإسلاميين، مع درجات متفاوتة من الميول القومية.
من عبد الناصر إلى مبارك
أظهرت انتفاضة التحرير، شأنها شأن نظيرتها في بيرو، أن النخبة الثقافية المصرية لم تكن خزانًا للتقدم من شأنه أن يفيض ضياءً بمجرد انهيار السلطوية؛ بل كانت انعكاسًا للنظام الحاكم –وجزءً منه– واختلالاته الوظيفية. فشأنها شأن النظام، خلطت بين التظاهر الأخلاقي والتحرر، وبين التصلب الأيديولوجي والنزاهة. وبدلًا من أن تشكل قاطرة للتجديد، كانت النخبة الثقافية المصرية هي سدنة الجمود. وبشكل عام، اتسمت هذه النخبة بالخصائص التالية:
- أنماط التفكير الدوجمائية وشبه الدينية
رغم اختلاف معسكرات النخبة المصرية الأيديولوجية –سواء كانوا إسلاميين، أو قوميين، أو ماركسيين، أو ما بعد حداثيين– إلا أنهم يتشاركون في تبني توجه عقائدي شبه ديني إزاء الأفكار. فالعقيدة تعلو على التقصي، والمذهب يحل محل العقل. حتى أولئك الذين يعلنون أنفسهم علمانيين أو ملحدين يعيدون إنتاج السلطوية الفكرية ذاتها؛ إذ تعد الماركسية، أو ما بعد الكولونيالية، أو النظرية النقدية بمثابة «نظم جديدة للحقيقة»، تكتمل بهرطقاتها وطقوسها الخاصة للتنديد. أما الشك، والنقد الذاتي، وقبل كل شيء الخلاف، فهي أمور منبوذة.
- الأخلاقوية السياسية
إذ لا تقيّم النخب صلاحية عمل ما بمنفعته المتوقعة؛ وإنما بمدى اتساقه مع حقائق مُسلَّم بها للنقاء الأخلاقي. وبالتالي يتحول التاريخ إلى حكاية أخلاقية بدلًا من كونه ساحة للصراع. فيما تكتسب مفاهيم مثل «الصمود» و«المقاومة» مكانة مقدسة، بدلًا من كونها أدوات لتحقيق المصالح وحمايتها. وتغدو الحلول الوسط ضربًا من الخيانة. وهو ما يُنتج ثقافة من البطولة الأدائية، وفشلًا سياسيًا مزمنًا.
- المظلومية
الخيال السياسي للنخبة منغمس في المظلومية الجماعية، وهي القناعة بأن جماعة المرء قد عانت بشكل فريد وجائر، وأن معاناتها لا تضاهيها أي معاناة أخرى، الأمر الذي يجعل هذه الجماعة بريئة تمامًا، وعاجزة عن إلحاق الأذى، بينما أعداءها مذنبون تمامًا، وعاجزون عن فعل الخير. وفي هذه السردية، يتم تصوير المصريين كضحايا أبرياء في مواجهة أشرار خارجيين مطلقي القوة، كالإمبريالية الغربية، أو الصهيونية، أو الرأسمالية العالمية. ومن شأن هذا الأمر إعفاء الذات من المسئولية وتعطيل التفكير الاستراتيجي. وقد امتزجت سردية المظلومية بالهوية إلى درجة تجعل التشكيك في عناصرها يبدو بمثابة خيانة للجماعة ذاتها.
- الدولتية والتبعية الأبوية
منذ منتصف القرن العشرين، اعتنقت النخبة فكرة أن الدولة هي وصي الأمة والفاعل الأساسي للتقدم –باعتبارها المسئولة عن حماية المجتمع وتوفير احتياجاته وتغييره. وتواصل النخب الحاكمة والمعارضة، على حد سواء، النظر إلى الدولة باعتبارها الموطن الطبيعي للمبادرة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا– وليس بوصفها مؤسسة ينبغي تقييدها وإخضاعها للمحاسبة. أنتج هذا الأمر نخبة تتوقع التحرر من السلطة نفسها التي تزعم مجابهتها.
- النرجسية
يرتبط شعور النخبة بالهوية بتفوق مصر المتخيَّل، سواء جرى التعبير عنه «بالريادة» أو «القوة الناعمة» أو الرسالة الحضارية. ووفقًا لذلك، فإنها تنظر إلى السياسة الخارجية كمسرح لاستعراض المكانة الرفيعة، وليس كأداة لتحقيق المصالح. إنها أسطورة تعويضية تخفي الإخفاق داخليًا: وكلما فقدت مصر نفوذها الحقيقي، زاد تشبث نخبها بأوهام التفوق. ونظرًا لانفصال هذه الأسطورة عن الواقع؛ فإنها تُقِّيد علاقات مصر بالعالم بمنطق الفشل الدائم: عبر تحديد أهداف يتعذر إنجازها، وإثارة حنق من كان يمكن أن يكونوا شركاء لمصر.
- رؤية جوهرانية للعالم
تقسّم النخبة العالم إلى حد كبير إلى «شرق فاضل الأخلاق» و«غرب مفترس». فالأول، نقي وبريء، يُصوَّر على أنه تعرّض للخيانة بفعل مؤامرات دبرها الثاني –ويُعد إنشاء إسرائيل الرمز المُجسّد لهذه الصدمة. ومن ثم، يتم إعادة تفسير المؤسسات الحديثة، والعولمة، بل وحتى حقوق الإنسان الكونية، باعتبارها أدوات غربية للهيمنة. هذه النظرة الجوهرانية تحصّن النخبة ضد الاندماج في العالم، وتغذي السرديات الأصولية، وتُديم سياسات النقمة.
- السياسات القَبَلية
لا تزال الحياة العامة تحكمها شبكات الولاء بدلًا من المؤسسات والضوابط. فالولاء مُقدَّم على الكفاءة، فيما يُفسَّر الخلاف على أنه خيانة، ويُعد تبادل المنافع العملة الرئيسية للتفاعلات. وهذا يعزز ديناميكية «نحن» و«هم»، وما يصاحبها من خطاب إقصائي –بدءً من «اجتثاث فلول» النظام القديم وصولًا إلى تطهير الإسلاميين أو «الصهاينة العرب». وتحل اختبارات النقاء –وهي عادةً ما تُظهر من ينتمي إلى أي شبكة– محل النقاش. وغالبًا ما يتم توظيف اتهامات الخيانة –سواء خيانة الثورة، أو الشهداء، أو القضية الوطنية– كأسلحة في هذه الحرب القَبَلية.
- النزعة المحافظة
رغم انتماء النخبة لأيديولوجيات متعددة، بما في ذلك التزامهم الجزئي بالحريات الفنية والشخصية، إلا أنهم يناصرون بشكل عام «القواعد المتبعة» على حساب الإبداع، والامتثال لقواعدها على حساب الفكر النقدي. فمن خلال ضبط حدود التعبير –عبر الرقابة الشبكية والعقوبات– فإنهم يرسخون دورهم كحراس للفضيلة الجماعية. هذه النزعة المحافظة تكبّل التجديد الفكري، تمامًا مثلما تكبّل أفكار الإصلاح الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.
- السياسة الأدائية
السياسة في أوساط النخب المصرية هي في جوهرها مسرحية. فالبيانات، والسخط الأخلاقي، والإيماءات الرمزية، تحل محل وضع السياسات أو العمل المؤسسي. حتى أن الطاقات الثورية تتردى لتصبح مجرد طقوس احتجاجية تعيد تأكيد النقاء الأخلاقي، دونما تُنتج تصورًا للحكم. والنتيجة هي معارضة تصوغ أهدافًا نبيلة –كالعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، والتنمية– دون أن تمتلك برامج فعّالة لترجمتها إلى واقع.
- الجهل
لطالما كانت النخبة المصرية ضعيفة التكوين الفكري. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، ترعرعت على الصحافة والثقافة الشفهية، لا على البحث الأكاديمي أو الإنتاج العلمي، مُخلفةً وراءها إرثًا فكريًا هزيلًا. واليوم، لا تزال السطحية ذاتها مستمرة، بل وتتفاقم بفضل ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي التي تحتفي بالشعارات على حساب المعرفة. إن سيطرتهم على المؤسسات الثقافية – كالتعليم، والإعلام، والنشر – كفيلة بأن تعيد الرداءة إنتاج نفسها، وحماية القَبَلية على حساب الجدارة، والسيطرة على حساب الابتكار.
ظلت هذه العيوب المتجذرة تتمدد وتنحسر منذ عهد عبد الناصر وحتى عهد السادات. ولطالما وُجد أفراد بارعون يغردون خارج السرب سعوا إلى تجاوز هذه الاعتلالات، فيواجهونها مباشرةً تارة، ويتجنبونها قدر استطاعتهم تارةً أخرى. إلا أن الديناميكيات التي أفرزت النخبة وشكّلت ظروف تكيفها الاجتماعي ضمنت إعادة إنتاج هذه الاعتلالات. في نهاية المطاف، هذه الديناميكيات هي نفسها ما جعلت النخبة غير جديرة بالقيادة حينما ارتخت القبضة السلطوية في عام 2011. وبينما ظلت حبيسة سياساتها القَبَلية والأدائية؛ فإنها أخطأت في التعامل مع الاحتجاج كأنه استراتيجية، فضلًا عن اعتبارها السخط الأخلاقي بمثابة رؤية. وعندما أتاح التاريخ لحظة إمكانية عابرة، افتقرت النخبة إلى الخيال والمهارة والانضباط اللازمين لتوجيه المجتمع نحو التحول الديمقراطي. وبدلًا من التجديد، أعادت إنتاج التراتبيات ذاتها، والمؤامرات، والمنطق الصفري الذي طالما شلّ الحياة السياسية في مصر.
الوعد العابر لثقافة جديدة (2011 – 2020)
بين عامي 2011 و2020، كنت أعتقد أن ثقافة جديدة تبزغ في مصر –ثقافة يمكنها، بمرور الوقت، أن تأخذ المجتمع إلى ما هو أبعد من الشلّل الذي أصاب نخبته. وقد وصفت هذا التحول في سلسلة من المقالات في موقع «مدى مصر»، نُشر آخرها في 2 سبتمبر 2018.
حينها بدا وكأن جيلًا جديدًا يمتلك الوعي السياسي، لكنه سأم من الدوجمائية الأيديولوجية، قد بدأ يصوغ مفردات فكرية مغايرة. كانت هذه الثقافة الناشئة لا تزال مفترضة، ومشتتة، ومبتورة. لم تكن أي من سماتها قد نضجت بعد لتصبح رؤية متماسكة للعالم أو حركة منظمة؛ وإنما كانت أقرب إلى مجموعة من الاتجاهات الجديدة منها إلى مبدأ راسخ، وكانت كذلك أقرب لمجموعة من العناصر المتشظية منها إلى أيديولوجية مكتملة الأركان. ومع ذلك، كانت هناك علامات تغيير لا تخطئها العين، تجلّت في المجالات التالية:
أولًا، الرؤية الكونية للعالم، إذ مثّل جيل التحرير قطيعة مع هوس النخبة القديمة بالأصالة والاستثنائية الثقافية؛ بعدما صاغ أعضاؤه رؤية أكثر كونية ترتكز على القيم الإنسانية المشتركة بدلًا من الهويات الموروثة. لم يتحدثوا عن الشرق والغرب، أو صراع مصر الأزلي مع إسرائيل، وإنما عن الكرامة والحرية والعدالة كتطلعات كونية. واتجهت أنظارهم إلى الداخل –إلى مصر ذاتها– ليس بحثًا عن أعداء في الخارج، بل عن المحاسبة والإصلاح في الداخل. وبهذا التوجه، أعادوا تعريف الوطنية باعتبارها السعي نحو مجتمع عادل وفعّال، وليس كموقف دفاعي ضد تهديدات خارجية متخيلة.
اتساقًا مع هذه الرؤية الكونية للعالم، عبّروا عن جوانب من القيم الحديثة كالمساواة، والحرية، والمسئولية الفردية. وامتد مفهومهم للحرية من المجال السياسي إلى المجالين الاجتماعي والشخصي؛ فشمل العلاقات الجندرية، والحريات الجنسية والدينية، ورفض التراتبيات الموروثة التي هيمنت على الحياة العامة والخاصة. كما كانوا أقل قبولًا لوضعهم كرعايا يخضعون بإذعان للسلطة، وطالبوا بالاعتراف بهم كمواطنين يتمتعون بالحقوق ويخضعون للمحاسبة على خياراتهم
ثالثًا، أظهر هذا الجيل بَوَادِر امتلاك زِمَام المبادرة، وهي قناعة بأن مصير المجتمع لا يتم تحديده بشكل أحادي من جانب الدولة، أو يتم تشكيله من خلال المظالم التاريخية. فبينما رفض هذا الجيل الجبرية والمظلومية، اللتين طالما ابتليت بهما الثقافة السياسية المصرية، وحل محل ذلك إيمان بتقرير المصير، وبإمكانية تشكيل الحياة الجماعية عبر المبادرة، والحشد، والعمل، لا عبر الادعاءات والبيانات الاستعراضية.
رابعًا، أنهم أظهروا قدرًا أكبر من البراجماتية؛ فبدلًا من الحكم على الأفكار بمدى توافقها مع المرجعيات الموروثة أو الأيديولوجية –كنصوص دينية، أو أساطير قومية، أو شعارات ثورية– أعادوا تقييمها تبعًا لنتائجها. وفي هذا النسق، ابتعدوا عن التسلطية الأخلاقية التي تمارسها النخبة، وأعادوا اكتشاف قيمة الإصلاح التدريجي، والحلول الوسط، والتجريب. واتساقًا مع ذلك، نزع هذا الجيل إلى إيلاء المصلحة أهمية تفوق الهوية؛ إذ كانوا أقل انشغالًا بتعريف «من هم» –دينيًا، أو قوميًا، أو ثقافيًا– وأكثر اهتمامًا بـ «ما يريدون»: مؤسسات فعالة، وخدمات كريمة، وفرص عادلة. هذا التحول من الانتماء الأخلاقي إلى المصلحة المواطنية شكّل قطيعة صامتة ولكنها عميقة مع المنطق الثقافي لسياسات مصر في القرن العشرين.
وأخيرًا، أبدوا روحًا من التشكك والاستقصاء النقدي. وباتت مساءلة المعايير الموروثة، والمحظورات الاجتماعية، والسلطات الفكرية جزءً من خطابهم اليومي، لا سيما في مجتمعات الإنترنت، والفضاءات الفنية المستقلة، والمبادرات التطوعية. لقد كان ذلك تواضعًا فكريًا يُعلي من شأن النقاش المفتوح على حساب النظرية الكبرى، ويرفع من شأن الأصالة على حساب الامتثال.
لم تكن هذه السمات شاملة أو مكتملة؛ فقلة من الأفراد فقط هم من تحلّوا بها جميعًا. في المقابل، أظهر الكثيرون بعضًا منها، مع احتفاظهم في الوقت ذاته برواسب من العقليات القديمة. فكان من الوارد أن يبدي دعاة الحرية شوفينية أو ذكورية سامة في الوقت ذاته، كما كان يمكن لأنصار المساواة التشبث بالتراتبيات الموروثة. وشأنه شأن أي تحول ثقافي عميق، اتسم هذا التحول بالاضطراب، والتباين، والتدفق. لم يكن السؤال هو ما إذا كان التغيير يحدث، بل ماذا ستكون مآلاته، وما إذا كان بوسعه التبلور في منظومة قيمية جديدة ومتماسكة قبلما يجري احتوائها مجددًا ضمن النظام القديم. وفي غمار هذه الموجة الثقافية الناشئة والسائلة، كان هناك أولئك الذين انخرطوا في السياسة مباشرة بعد عام 2011 –نُشطاء ومنظمين وأعضاء شباب في الأحزاب السياسية– وقد تصدروا المشهد العام لبرهة وجيزة، قبلما يسحقهم القمع وتتبدد أوهامهم. وكانت هناك أيضًا مجموعة أكبر، عازفة عن الانخراط السياسي، وإن كانت تتبنى القيم ذاتها. هذه المجموعة الأخيرة انضمت أحيانًا إلى الاحتجاجات، أو تطوعت أثناء الانتخابات، أو أعربت عن حماسها للتغيير الديمقراطي، لكنها سرعان ما آثرت الانكفاء على حياتها الخاصة مع عودة النظام القديم ليفرض سطوته مجددًا. كان السؤال هو ما إذا كان بمقدور أي من المجموعتين ترجمة هذه الصحوة الثقافية إلى عمل سياسي. فهل يمكن لأولئك المنخرطين في السياسة الإفلات من وصاية المعارضة القديمة، وبلورة رؤية مستقلة، وقيادة تجمعات سياسية، أم أنهم سيقعون فريسة لسيطرة الحرس القديم؟ وهل ستتمكن المجموعة الثانية –الأغلبية الصامتة التي خاب أملها وتتبنى هذه الثقافة الجديدة– من امتلاك الإرادة للتقدم والدفاع عن مصالحها غير الممثَّلة، أم أنها ستواصل الانزواء في المجال الخاص؟
انتصار القديم
بات جليًا الآن أن النخبة القديمة قد انتصرت؛ ليس من خلال السلطة فحسب، بل عبر الفكر والخطاب أيضًا. لقد سادت رؤيتها للعالم، وأعادت فرض نفسها في الإعلام والفن والخطاب السياسي. أما الجيل الشاب الذي أشار يومًا ما إلى ثقافة مدنية جديدة، فإما أنه أعاد تكييف أفكاره لتلائم القوالب الموروثة، أو انزوى إلى الحياة الخاصة. في السياق نفسه، فإن أولئك الذين انخرطوا في الحياة العامة وجدوا أنفسهم مجبرين على التحدث بالمصطلحات القديمة –كالأصالة، والمظلومية، والقومية– حتى باتوا لا يمكن تمييزهم عن أولئك الذين كانوا يأملون في أن يحلوا محلهم. أما الذين آثروا الصمت، فقد تلاشوا تدريجيًا في الإنهاك الجماعي الذي بات يَطبع الحياة العامة المصرية.
لقد تبخر وعد صحوة مصر عام 2011؛ فما بدا لوهلة وكأنه بزوغ لحس ثقافي جديد –نقدي، وواعٍ بذاته، وبراجماتي– تمكن النظام الفكري والأخلاقي القديم من استيعابه وقام بتحييده. فالنخبة الثقافية التي كان بإمكانها قيادة عملية تجديد، تم استيعابها مجددًا في المنطق نفسه الذي بدا يومًا أنها تفر منه. هكذا أعادت مصر إنتاج جمودها: عبر الاحتواء وليس الاستئصال. فالدولة لا تقضي على منتقديها وإنما تعمل على تدجينهم. وبالمثل، فإن النخبة القديمة لا تُخرس الأصوات الجديدة بالرقابة وحدها، بل بهضم الخلاف، وإعادة صياغته وفقًا لرؤيتها. والنتيجة هي ثقافة تُعلي من شأن التكرار على حساب الابتكار، والمحاكاة على حساب الفكر النقدي والحر. فكل محاولة للتجديد –سواء كانت سياسية أم فكرية– تُبتلع في نهاية المطاف ضمن البنى ذاتها التي سعت إلى تحديها.
ما تبقى من ذلك الوعد، صَهَرَهُ «طوفان الأقصى» وأعاد صَبَّهُ في القالب القديم. ففي الثقافة السياسية المصرية، لطالما كانت إسرائيل هي البوتقة الذي تنصهر فيها المظلومية التاريخية، والملاذ للإحباطات الهائمة التي تبحث عن متنفس. فهي تعمل كمغناطيس للعاطفة القومية والغضب الاستعراضي، ورمز جاهز تستخدمه الأنظمة والمعارضة على حد سواء لتوجيه السخط، وحشد الولاء، وتأكيد الغاية. وهذا جزء من التقليد المتبع منذ ما بعد عام 1952، المتمثل في تصدير الفشل وإلصاق الاضمحلال في الداخل بـ «آخر» معادٍ؛ ألا وهو «الغرب الكولونيالي» وطفله المدلل إسرائيل. وعلى هذا النحو، أضحت قضية جامعة وإلهاء مريح في آن واحد؛ إنها وسيلة لتأجيج المشاعر الجماعية، بينما تعمل على تحويل الأنظار عن الاختلال الوظيفي الداخلي. وبهذا المعنى، لم تعمل إسرائيل كواقع سياسي بقدر ما عملت كبديل للسياسة ذاتها: أي كساحة معركة رمزية يُجسِّد فيها المصريون إحساسهم بالمظلومية، والفضيلة، وفاعليتهم المؤجلة.
لبعض الوقت، بدا أن جيل التحرير قد نجا من ذلك الفخ. فرغم وعيه بالصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، ووجود نُشطاء بين صفوفه انشغلوا به سابقًا؛ إلا أن انتفاضة التحرير نحَّت تلك القضية عمدًا إلى الخلفية، وحولت تركيزها بدلًا من ذلك إلى اختلالات مصر في وظائف الدولة والاقتصاد والمجتمع والثقافة. بمرور الوقت تغير هذا الأمر؛ فمع عودة النظام القديم، عاد الهوس التقليدي بفلسطين إلى السطح، وأضحى تدريجيًا محورًا مركزيًا للخطاب السياسي والأخلاقي. استكمل «طوفان الأقصى» ما كان النظام العسكري المصري –بممارسته للقمع وما تسبب فيه من خيبة أمل– قد شرع فيه، إذ أعاد جيل التحرير إلى القالب الأيديولوجي للنخبة القديمة. ففي مواجهة حرب إسرائيل المدمرة في غزة، وجد الكثيرون ممن رفضوا يومًا التفكير الثنائي والقومية الاستعراضية أنفسهم منساقين مجددًا إلى القاموس المألوف للغضب والبراءة، والفضيلة والخيانة، ليصطفوا على سُلّم نقابة المحامين هاتفين «يسقط كل العملاء والخونة». وفي غمرة الزخم العاطفي للّحظة، تراجعت المنظومة القيمية الكونية التي ميّزت هذا الجيل يومًا ما، لتُفسح المجال للانفعالات الموروثة للمظلومية التاريخية وإلقاء اللائمة.
أما النُشطاء الذين طالما ناصروا حقوق الإنسان، فقد برروا الإرهاب باعتباره «مقاومة» مشروعة، ونادوا «بالتحرير بكل الوسائل الضرورية»، واعتنقوا فكرة «عدم وجود بديل». والعلمانيون الذين صارعوا الإسلاميين يومًا من أجل مبدأ السياسة المدنية، سرعان ما اصطفوا خلف الحركات الإسلامية باسم التضامن المناهض للإمبريالية وتشابك المظالم. فيما تراجع أولئك الذين كانوا يبشرون بالاندماج في عالم كوني، إلى الخطاب المطمئن عن المؤامرات الغربية، والمعايير المزدوجة، والإمبريالية الثقافية. لقد تلاشى ذلك الوضوح الأخلاقي الذي كان يومًا يُرشدهم في جهود المناصرة، وتوارى خلف المنطق القبلي الارتكاسي الذي طالما قاوموه. ومن ثم، تم إجهاض وعد التجديد وتمت إعادته إلى الإطار المُقيِّد للماضي. لقد اكتملت الآن استعادة النظام القديم، ليس فحسب بالدبابات والسجون والانتخابات المزورة، بل أيضًا بإحياء العادات الثقافية القديمة، بخطابها ورموزها ودلالاتها.
يكمن مسار مصر الوحيد، الذي يمكن تصوره للتجديد، في إحداث قطيعة أخلاقية وفكرية في صفوف نخبته، وفي استعداد أعضائها لمواجهة أشباح الماضي التي تطارد المجتمع. بيد أن هذه العقلية تظل هامشية على نحو مؤلم، ومقتصرة على أفراد مشتتين، وليس على حركة واعية بذاتها. فالمأساة هي أن قاطرات التجديد الرئيسية في مصر –أي المؤسسات التعليمية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية– هي بحد ذاتها آليات تحافظ على الجمود. ومن ثم، فإن المأساة الأعمق لا تكمن في افتقار مصر للمواهب، ، فهي لا تفتقر إليها بل في غياب نخبة قادرة على تجاوز وضعها الراهن. إذ يغدو المفكرون والفنانون والمثقفون جزءً من النظام السلطوي المختل وظيفيًا، وهم سدنة ثقافته السياسية الآسنة بدلًا من كونهم وكلاء للتغيير والتجديد. بمعنى ما، فإن النخبة الثقافية المصرية هي الوريث الحقيقي للهري ششتا (Hery Sheshtas)، أولئك الكهنة القدماء الذين حنطوا أجساد الموتى بكل تبجيل، ولكنهم سلبوها الحياة.
تم إعداد وتقديم هذه الورقة ضمن أوراق المنتدى الإقليمي لحركة حقوق الإنسان، الذي ينظمه مركز القاهرة، في دورته الـ 28، نوفمبر 2025
Share this Post
قد يهمك أيضاً
إسحق ديوان
روبرت سبرينجبورج
حازم صاغية
حالة «طوفان الأقصى» وحرب الإبادة الإسرائيلية
ماجد كيالي
د. ساري حنفي
ياسين الحاج صالح
موريس عايق
د. مروان قبلان
المنتدى الإقليمي الـ 28 لحركة حقوق الإنسان
نحو مسارات جديدة للإصلاح
باريس 22 – 23 نوفمبر 2025

