نُظُم الوصول المقيّد العربية: هل يمكن إصلاحها؟

روبرت سبرينجبورج

زميل باحث في المعهد الإيطالي للشئون الدولية وأستاذ مساعد في جامعة سيمون فريزر، وعضو في هيئة تحرير رواق عربي.

جميع الاقتصادات السياسية العربية يمكن تصنيفها، وعن جدارة، ضمن إطار «نُظُم الوصول المقيّد»؛ إذ تنقسم بشكل حاد ومؤسسي إلى فئتين: النخب المهيمنة والأغلبية المُستبعَدة. الفئة الأولى، وهي الأصغر عددًا، تنفرد بالاستحواذ على العوائد الريعية المتولدة بفعل نفوذها وهيمنتها على السلطة السياسية؛ فيما تعاني الفئة الثانية، وهي الأكبر عددًا بكثير، من الإهمال والتهميش. هذا الانقسام الحاد للاقتصادات والأنظمة السياسية، بل وحتى المجتمعات العربية، عادةً ما يسفر عن عرقلة مسار التنمية، وذلك من خلال تركيز الموارد في أيدي النخب صاحبة الامتيازات، والتي تقاوم بطبيعتها إجراء الإصلاحات التي من شأنها تحدى سلطتها السياسية وسلبها مواردها المادية ومكانتها المجتمعية البارزة.[1]

يتجلى الاستثناء الجزئي لهذه القاعدة العامة في الدول متناهية الصغر في مجلس التعاون الخليجي؛ إذ أن مواردها الوفيرة تؤمن قدرًا معقولًا من الثروة حتى للمهمشين، بينما تسهم على الجانب الأخر في ضمان ثراء فاحش للنخب المهيمنة. ويُحدّ من اتساع هذه الفجوة المادية عاملان متضافران: أولهما، محدودية حجم هذه الاقتصادات السياسية؛ وثانيهما، استمرار التآزر القبلي وغيره من أشكال التضامن الاجتماعي. إلا أن الخصائص التي تجعل منها حالة فريدة وناجحة نسبيًا لنُظُم الوصول المقيّد، والتي يعززها الدعم الغربي غير المشروط تقريبًا، تجعلها في الوقت نفسه نماذج غير ملائمة لمحاكاتها من قِبَل الاقتصادات السياسية العربية الأخرى. ولكن من المفارقات أن هذا لم يُحُل دون سعي النخب المهيمنة في بعض نُظُم الوصول المقيّد هذه إلى تحقيق ذلك، على الأقل من حيث الإطار وإن افتقر للمضمون نفسه. ومن بين الأمثلة الجلية على ذلك، مشاريع الرئيس السيسي بالغة الضخامة، والتي تتنوع بين عاصمته الإدارية الجديدة والمنتجعات الشاطئية مترامية الأطراف، والتي يُعد المستثمرون الخليجيون فيها من كبار المساهمين، بل وعادة ما يمثلون المساهمين المهيمنين. ورغم أن العواصم البراقة والمنتجعات الفاخرة قد لا تبدو غريبة بشكل لافت في الدول الخليجية الصغرى الثرية؛ إلا أنها تمثل صك اتهام بالقسوة والأنانية للنخب المهيمنة في نُظُم الوصول المقيّد القائمة في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى مثل مصر، إذ تناهز معدلات الفقر 40% من إجمالي السكان.

رغم الاختلاف الظاهري بين هذين النوعين الفرعيين من نُظُم الوصول المقيّد، والمتمثل في ثراء أحدهما فيما يعاني الأخر من ضآلة موارده المالية مقارنة به؛ إلا أن اقتصاداتهما السياسية الأساسية متشابهة. إذ لا يمتلك أيهما اقتصادات أو أنظمة سياسية تنافسية بشكل صريح، وإنما يخضع كلاهما لسيطرة النخب المهيمنة والدول التي يهيمنون عليها، إلا أن هوية النخب المهيمنة تختلف باختلاف النوع. ففي الملكيات فاحشة الثراء في دول مجلس التعاون الخليجي، تتمثل النخب المهيمنة في الأسر الحاكمة الواقعة في براثن الشبكات القبلية وما يرتبط بها من محسوبية، والتي تخضع لها الدول، بما في ذلك أجهزتها القمعية. أما في الملكيات غير الخليجية وغير النفطية كالأردن والمغرب، لا تترأس الأسر الحاكمة شبكات قبلية واسعة النطاق، لذا تنزع النخب المهيمنة في نُظُمها لأن يكونوا أكثر تنوعًا، بما في ذلك نخب الدولة، مثل تلك الموجودة في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. وفي الجزائر ومصر وتونس –وهي الجمهوريات التي لم ترضخ لسيطرة الميليشيات التي التهمت دولًا كلبنان وسوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن وفلسطين– فإن النخب المهيمنة في تلك النظم إما من المؤسسة العسكرية أو مدينون لها بالولاء بالكامل، وفي حالة تونس، للأجهزة الأمنية أيضًا. على الجانب الأخر، فإن البيئات التي تهيمن عليها الميليشيات، إما أُفرغت الدول من مضمونها أو تم تدميرها بالكامل. وحيثما توجد نُظُم الوصول المقيّد في تلك البيئات؛ تكون النخب المسيطرة في العادة من زعماء الميليشيات الذين لا يفرضون سيطرتهم على الدولة بأسرها، وإنما يقتصر نفوذهم على قطاعات معينة، وغالبَا ما يشمل ذلك جزءً من البلاد دون البقية.

ورغم تنوع النخب المهيمنة في نُظُم الوصول المقيّد العربية، بين شيوخ قبائل عريقة ورعاة غنم سابقين تحولوا إلى أمراء حرب؛ إلا أنهم جميعًا يرفضون فكرة المواطنة المتساوية من أساسها، بل ويرفضون المواطنة بأي شكل من الأشكال. ويقتصر ما يقدمونه كبديل عن توسيع نطاق المواطنة لتشمل الأغلبية المُستبعَدة على مزيج من المكافآت المادية، والقوة الناعمة، والإخضاع عبر الترهيب. جميع هذه البدائل للمواطنة، وما تتضمنه من حقوق، يمكن أن يتخذ أشكالًا مختلفة؛ فقد قُدّمت المكافآت المادية كحق اقتصادي غير رسمي في العقود الاجتماعية التي تبنتها معظم الدول القومية العربية في فترة ما بعد الاستعمار، وذلك كبديل رئيسي عن المشاركة السياسية الهادفة والتقاسم الحقيقي للسلطة. وبينما لا تزال معظم دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على الوفاء بتلك المكافآت المادية؛ إلا أن الدول العربية الأخرى عاجزة عن ذلك. لذا، تنصلت هذه الدول من التزاماتها التعاقدية عبر إجراء تخفيضات هائلة في المكافآت المادية، التي باتت تقدمها الآن عادةً من خلال آليات تعمل على تعزيز مكانة وسلطة النخب المهيمنة. أحد هذه الأشكال هو استخدام مؤسسة قوية، عادة ما تكون الجيش، ولكن في بعض الأحيان تكون منظمة مُصنّفة كحزب سياسي (لكنها غالبًا ما تكون واجهة لجهاز استخبارات)؛ لتوزيع المواد الغذائية أو غيرها من الإعانات على السكان المعوزين. وحيثما تغيب مثل هذه المؤسسات بسبب سيطرة الميليشيات على الدولة، يتولى أمراء الحرب المسئولون عن الميليشيات توزيع العطايا وعوائد المحسوبية على أعضائها، وعادةً ما يكون ذلك متناسبًا مع مكانة كل منهم في صفوف الميليشيا. ومن ثم، تم إفساد العقود الاجتماعية خارج دول مجلس التعاون الخليجي، وحلّت محلها معونات انتقائية تقدمها جهات قمعية، وهي بذلك تعزز أدوارًا تشبه أدوار رجال المافيا.

مصطلح «القوة الناعمة» –وهو مصطلح يقتصر عادةً على الإشارة لاستخدام الدول لوسائل إقناع تؤثر بها على الجهات الفاعلة الخارجية– ينطبق بشكل أنسب على نُظُم الوصول المقيّد العربية أكثر من مصطلح «إضفاء الشرعية» المعتاد. فالأغلبية المُستبعَدة في نُظُم الوصول المقيّد ليسوا مواطنين حقيقيين تخضع لهم الأنظمة للمحاسبة، وبالتالي تكتسب شرعيتها نتيجة لذلك. بدلًا من ذلك، فإن الأغلبية المُستبعَدة يعادلون وظيفيًا الأجانب الذين يجب إقناعهم بأن النظام القائم مقبول على الأقل، إن لم يكن جديرًا بالتقدير، كي يقبلوه دونما مقاومة ويرضخون له. لذا، تكثفت جهود توظيف القوة الناعمة محليًا بالتوازي مع التردي الذي أصاب العقود الاجتماعية، الأمر الذي تعكسه الأيديولوجيات التي ترعاها الأنظمة، والتي عادةً ما تطمس الفارق بين الدولة والنظام، فتصبح الوطنية مرادفة للولاء للنظام، وتقرن ذلك باستغلال أكبر للتراث الثقافي لإذكاء الفخر بالأمة وتعزيز ذلك الولاء.إلا أن القوة الناعمة، وما قد تولّده من قبول ضمني إلى حد كبير، لا توفر قاعدة سياسية مستقرة تُعادل الشرعية النابعة إما من الأداء الفعلي للنظام، مثل رفع مستويات المعيشة لمعظم المواطنين أو استعراض القوة الوطنية بشكل مثير للإعجاب في المناطق المجاورة، أو من المحاسبة عبر انتخابات حرة ونزيهة ضمن نظام يكفل حقوق الإنسان والحقوق السياسية. ونظرًا لكونها لا توفر أساسًا كافيًا؛ فإن النظام الذي يعتمد على القوة الناعمة بدلًا من الشرعية الحقيقية لتأمين النظام السياسي، لا بد له من تعزيز القوة الناعمة بالقوة الصلبة.

ومن ثم، فإن تضاؤل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، مقترنًا بتزايد عدم المساواة في الاقتصادات العربية، سيؤدي حتمًا إلى قمع مكثف، سواء من جانب الدولة أو الميليشيات التي استولت على سلطة الدولة. وبضرورة الحال، فإن الاعتماد المتزايد باستمرار على قمع الأغلبية المُستبعَدة يعزز سلطة «الدولة العميقة» لدى النخب المهيمنة، والتي تتألف في صُلبها من المؤسسات القمعية الرئيسية، وهي: الجيش، والأجهزة الأمنية، والنظام القانوني/القضائي. وبدوره، يمنح هذا الأمر تلك المؤسسات وقادتها القدرة والمبرر لانتزاع حصة أكبر من الثروة الوطنية، مما يؤدي إلى زيادة إعاقة أداء الاقتصاد الكلي. خلاصة القول، إن تفاعل العوامل السياسية والاقتصادية يعزز الانحدار الاقتصادي النسبي لنُظُم الوصول المقيّد العربية، التي يكون أداؤها في جميع الحالات تقريبًا أضعف من نظيراتها غير العربية.

آفاق إصلاح نُظُم الوصول المقيّد العربية

غالبًا ما تضطلع الطبقات الوسطى بدور الداعم الأبرز للإصلاح في الاقتصادات السياسية السلطوية، وتشير انتفاضات عامي 2011 و2019 إلى أن هذه الفرضية تنطبق فعليًا على العالم العربي. فيما يشير إخفاقها أيضًا إلى جسامة مهمة الإصلاح المُلقاة على عاتقها. اندلعت انتفاضات عام 2011 في أعقاب ما يزيد عن عقد من التحرر الاقتصادي والسياسي، بالإضافة إلى اتساع نطاق الطبقات الوسطى العربية المعنية. فيما جاءت انتفاضات عام 2019 في الجزائر والعراق بعد قرابة خمس سنوات من هبوط أسعار النفط، مما شكّل ضغطًا على الطبقات الوسطى في هذين البلدين، التي كان أفرادها، شأنهم شأن نظرائهم في معظم انتفاضات 2011، من المشاركين المتحمسين في الاحتجاجات.بيد أن الزمن قد تغير؛ إذ حلّت سلطوية أشد قسوة محل المناخ السياسي الليبرالي نسبيًا الذي ساد أثناء تلك الفترات السابقة، وهي سلطوية تمارسها الأنظمة في الجمهوريات والمَلكيات العربية غير الخليجية بدعم من إحدى القوى الإقليمية الصاعدة أو أكثر، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا وإسرائيل، وجميعها تعارض بشدة اندلاع انتفاضات جديدة. هذه البنية السلطوية الإقليمية ثنائية الطبقات تجد دعمًا من جميع الجهات الفاعلة العالمية ذات النفوذ الكبير في المنطقة، سواء كانت من أمريكا الشمالية أو أوروبا أو روسيا أو الصين. وفي ظل استفحال القيود المفروضة على المجال السياسي الذي يُمكِّن الطبقات الوسطى من التفاعل والنشاط في إطاره، ضعفت قدراتها التنظيمية وأصابها الضمور.

ذلك القمع الجامح ليس التحدي الوحيد الذي يواجه حركات الإصلاح المحتملة للطبقة الوسطى؛ إذ تتعرض أعدادها وتضامنها للهجوم أيضًا. فالركود الاقتصادي أدى لعرقلة معدل نمو الطبقات الوسطى، كما أسفر عن تراجع نموها في بعض البلدان، الأمر الذي دفع الصفوف الدنيا في تلك الطبقات للتآكل والانزلاق إلى ما يكاد يشبه الفقر أو حتى الفقر المدقع، في ظل تقلص القطاعين العام والخاص الرسمي، فيما يتفشى سرطان الاقتصاد غير الرسمي في جميع أنحاء المنظومة. وبينما تحاول الطبقة الوسطى التشبث بما لديها، إلا أنها عاجزة عن تحقيق أي ازدهار؛ فبينما تنزلق شرائحها الدنيا إلى أسفل السلم الاجتماعي، تتشبث شرائحها العليا بيأس بأي شيء يمكنها التمسك به. ونظرًا لاستحواذ الأفراد والمنظمات من النخب المهيمنة في نُظُم الوصول المقيّد على هذه الاقتصادات؛ فإنها لا تتح مكانة في الطبقة الوسطى سوى لأولئك المستعدين للّعب وفقًا للقواعد التي يتولى النخب المهيمنة صياغتها. على سبيل المثال، ففي مصر على سبيل المثال، يتطلب الأمر من الملتحقين الجدد بالعديد من مهن الطبقة الوسطى، بما في ذلك المعلمين وأساتذة الجامعات والقضاة والدبلوماسيين، الخضوع للتلقين العقائدي في المؤسسات العسكرية واجتياز امتحانات تشرف عليها تلك المؤسسات، من ضمنها اختبارات للولاء. ونظرًا لمدى قتامة البدائل، فإن التنازل والانخراط مع النخب المهيمنة في نُظُم الوصول المقيّد يعد سلوكًا مفهومًا، بل ويمكن تبريره، إذا ما قُيّم من زاوية الحاجة الفردية على الأقل. 

هذا النهج الذي تتبعه الدول العربية السلطوية شديدة المراس حاليًا لإخضاع الطبقات الوسطى الإصلاحية، التي ربما تكون مصدر لعدم الاستقرار، يتم تعزيزه من خلال أيديولوجيا تروجها الأنظمة، وهي أيديولوجيا تذكرنا بالفاشية أو الشيوعية أكثر مما تذكرنا بأيديولوجيا السلطوية الهجينة السالفة. وتتمثل عقائدها الأساسية في: أن هشاشة الدولة القومية نابع من الضعف الشخصي للمواطنين الذين يجب إكسابهم صلابة العزيمة؛ وأن صالح الدولة غرض يسمو على مصلحة الأفراد؛ وأن النظام مطابق للدولة؛ وأن انتقاد الدولة يُفسر باعتباره عدم ولاء وخيانة؛ وأن تطويق الدولة القومية والهجوم المحتمل عليها من جانب أعداء أجانب مجهولين يشكل تهديدًا مستمرًا ينبغي على الأمة وسكانها أن يكونوا على أهبة الاستعداد لمجابهته. إنها أيديولوجيا الخوف لا الأمل، وإخضاع الفرد للإرادة الجماعية المتجسدة في الدولة، وإنكار أي مفهوم لحقوق المواطن أو حتى استقلاليته. يجري تلقينها للمواطنين في كل فرصة ممكنة وعبر أكبر عدد ممكن من الوسائل، وهي تبرر لأتباعها رفضهم للتفكير النقدي المستقل لصالح الولاء الأعمى، مقترنًا بشيطنة غير الممتثلين لتلك الأفكار. وهكذا، تتعرض الطبقة الوسطى، كونها الهدف والمستهلك الرئيسي للأيديولوجيا التي ترعاها الأنظمة، لهجوم مادي وفكري وسلوكي، بمعنى أن أي عمل جماعي لا توافق عليه الدولة يعتبر محظورًا. وفي مواجهة هذا الهجوم الشرس، سيغدو من المفاجئ أن تتمكن الطبقات الوسطى العربية من حشد ما يكفي لفرض الإصلاحات على الأنظمة الممانعة.

هذا الأمر يترك من ينتمون إلى الطبقتين العليا والدنيا ليكونوا هم أنصار الإصلاح المحتملين المتبقين. وللمفارقة، فإن الفئة الأولى وليس الأخيرة، هي المرشحة على الأرجح لممارسة هذا الدور. إذ تفتقر الطبقات الدنيا للمهارات والموارد اللازمة لصياغة استراتيجيات ومطالب إصلاحية والدعوة إليها. وتنحصر سياستهم إما في الزبائنية والخضوع أو التمرد، وفي الغالب الأعم هي الأولى وليس الثانية. ورغم إمكانية أن تُشعل شرارة ما النيران في حرمانهم وتهميشهم ويأسهم، وتُحيل كل ذلك إلى حريق سياسي هائل؛ فإن هذه الإمكانية تظل بعيدة المنال نظرًا لعزلتهم الاجتماعية والسياسية والآلة القمعية الموجهة ضدهم. وفيما لا يعد في حوزتهم ليخسروه إلا القليل، أو لا شيء على الإطلاق، سوى حريتهم أو حياتهم؛ فقد اقتصر التمرد، حتى الآن، على مجتمعات محددة، وصغيرة ومعزولة بشكل عام، أو تم حشده من خلال التضامن العرقي أو اللغوي أو العشائري أو الديني، وهي جهود تضامنية غير ذات صلة بشكل عام في البيئات العربية المتجانسة نسبيًا، مثل تلك الموجودة في معظم الدول المغاربية.

أما أولئك المنتمين للطبقة العليا، سواء كانوا داخل نظام الوصول المقيّد أو المتاخمين له مباشرة، فلديهم الكثير ليخسروه، لذا فهم بطبيعة الحال أكثر اهتمامًا بإصلاحات جزئية، على الأقل للحفاظ على سلطاتهم ومكاسبهم. إذ يمتلكون مبرراتهم لإنقاذ النظام، مثلما تجلى في أداء الجيش المصري خلال الفترة بين 2011 – 2013 حينما تخلص من مبارك ثم أطاح بمرسي. أو كما فعلت النخبة العسكرية/الأمنية التونسية بدعمها لقيس سعيد في تونس. الأمر نفسه، قد يكون أعضاء «المخزن» المغربي، بالتعاون مع نخب أجهزة الأمن والمخابرات، يستعدون لتنفيذه في المغرب مع تزايد ضعف الملك محمد السادس. إلا أن هذه الأمثلة تثير تساؤل وثيق الصلة بالموضوع بشأن ما إذا كان ينبغي حقًا تسمية الإصلاحات القادمة من الداخل بهذا الاسم، بدلًا من اعتبارها مجرد تغييرات شكلية تهدف للحفاظ على النظام وليس إصلاحه. قد يكون الأمر كذلك، لكنه لا يستبعد إمكانية الدفع بإصلاحات أكثر جدية من جانب النخب المهيمنة، إذا بات الضغط على نظام الوصول المقيّد غير محتمل حتى مع التغييرات الشكلية.

ختامًا، يواجه إصلاح نُظُم الوصول المقيّد العربية القائمة عقبات أكبر مما واجهته الجهود السابقة الفاشلة لإصلاح الأنظمة في حالتها السلطوية الهجينة، لا السلطوية المتكلسة. إلا أن هذا لا يعني استقرار نُظُم الوصول المقيّد أو مناعتها ضد التغيير. يتجلى عدم استقرارها المتأصل في التدابير الهائلة التي تتخذها لمنع الانقلابات، وإجراءاتها الأمنية الشاملة، وتخصيص الموارد لأغراض المحسوبية، مقترنًا بأيديولوجياتها التلقينية ومحاولاتها المثيرة للشفقة إلى حد ما للتحكم في الفكر. إذ قد يأتي التغيير من خلال هجوم السكان الأغلبية المُستبعَدة المحتشدين على مراكز السلطة. إلا أن هؤلاء السكان في العالم العربي اعتمدوا دائمًا على التكوينات الاجتماعية لتوفير التضامن والأطر التنظيمية، في المقام الأول من خلال الميليشيات، وليس على الهويات الطبقية أو حتى الغضب المشترك تجاه انتهاكات نظام ما. ولكن حين تزداد الحاجة لوجود هذه التكوينات، أو نتيجة لهشاشتها؛ فإن نُظُم الوصول المقيّد تواجه قدرًا أقل من التهديد لاستمرارها. وكي لا يظن المرء أن التكوينات الاجتماعية المتمردة التي تشكل الميليشيات تحقق الخير لشعوبها من خلال تحدي الأوضاع الراهن، فما عليه سوى التفكر في انتهاكات الميليشيات وازدرائها التام لأي فكرة عن المواطنة ليتحرر من هذا الوهم. باختصار، إن الإصلاح الحقيقي يتطلب ويعكس نظامًا سياسيًا متطورًا إلى حد معقول، وليس نظامًا سحقته السلطوية أو مزقته الميليشيات. ولهذا السبب هو نادر للغاية في العالم العربي.

[1] للاطلاع على مفهوم «نُظُم الوصول المقيد»، انظر: دوجلاس سي. نورث، وجون جوزيف واليس، وباري آر. وينجاست، «إطار مفاهيمي لتفسير التاريخ البشري المسجل» (A Conceptual Framework for Interpreting Recorded Human History)، كامبريدج: المكتب القومي للبحوث الاقتصادية (NBER)، ورقة عمل رقم 12795، ديسمبر 2006.

ولمزيد من التفاصيل حول هذه الأطروحة، انظر للمؤلفين أنفسهم، كتاب «العنف والنُظُم الاجتماعية: إطار مفاهيمي لتفسير التاريخ البشري المسجل» (Violence and Social Orders: A Conceptual Framework for Interpreting Recorded Human History)، كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، (2009).

نشر بتاريخ : 05/03/2026
تُرجمت هذه الورقة من الإنجليزية

تم إعداد وتقديم هذه الورقة ضمن أوراق المنتدى الإقليمي لحركة حقوق الإنسان، الذي ينظمه مركز القاهرة، في دورته الـ 28، نوفمبر 2025

Share this Post

أي آراء يعرضها محتوى هذا المقال هي آراء تخص كاتبه، لا تعبر بالضرورة عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.

المنتدى الإقليمي الـ 28 لحركة حقوق الإنسان
نحو مسارات جديدة للإصلاح
باريس 22 – 23 نوفمبر 2025

Image

روبرت سبرينجبورج

زميل باحث في المعهد الإيطالي للشئون الدولية وأستاذ مساعد في جامعة سيمون فريزر، وعضو في هيئة تحرير رواق عربي.
اشترك بالنشرة البريدية