الهيمنة السياسية.. حينما تتراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي إلى المرتبة الثانية

إسحق ديوان

أستاذ ممارسة الاقتصاد في الجامعة الأمريكية ببيروت منذ عام 2024، ويشغل أيضًا منصب مدير الأبحاث في مختبر التمويل من أجل التنمية بكلية باريس للاقتصاد. تركز اهتماماته البحثية على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط والقضايا المالية الدولية.

تستعرض هذه المقالة التسويات السياسية في الشرق الأوسط، والتي تترافق مع هيمنة أنظمة سلطوية، وكيف تستبقي نفسها من خلال استغلال الموارد الريعية التي تغذّي الدولة الأمنية ورأسمالية المحاسيب.

الجذور التاريخية

سعت العديد من بلدان الشرق الأوسط، منذ عهد الاستقلال، إلى تنفيذ مشاريع تحديث طموحة بقيادة الدولة. وقد تبنت هذه البلدان استراتيجيات متّجهة إلى الداخل، تعمل على إحلال الواردات والتحوّل الاجتماعي، وهو ما بدأ في تركيا ولاحقًا في مصر وإيران. وقد اقتُبست هذه النماذج بطرق جذرية للغاية في الأنظمة الثورية في العراق وسوريا والجزائر وليبيا. كما اقتُبست عناصر من هذا النموذج التنموي، بشكل أقل جذرية، في الأردن والمغرب ولبنان ودول الخليج، إذ احتفظ النشاط الاقتصادي الخاص بحضور أكبر.

بحلول الثمانينيات والتسعينيات، اتضحت حدود نموذج إحلال الواردات، إذ اصطدمت إخفاقاته بقوى العولمة وبالتحوّل العالمي نحو النيوليبرالية، ما أدى إلى موجات من اللبرلة الاقتصادية. لكن بخلاف مناطق أخرى جمعت بين إصلاح الأسواق والانفتاح السياسي –ما سُمّي بـ«الموجة الثالثة» من الدمقرطة؛ شهد الشرق الأوسط لبرلة اقتصادية فقط دون لبرلة سياسية.

أسفر ذلك عن إنتاج أشكالًا مختلّة من الرأسمالية؛ تقسيم الأعمال بين المحظيّين والمهمّشين، وهيمنة قطاع اقتصادي يسيطر عليه المحاسيب المحميون من المنافسة، بالإضافة إلى اقتصاد غير رسمي واسع، بينهما «وسط مفقود». ونتج عن ذلك نمو فاتر، وفرص عمل قليلة، وتراكم للإحباط الاجتماعي خصوصًا بين الشباب المتعلّم الذي عانى من ارتفاع الطموحات وتراجع الفرص. وقد تفاقمت هذه المظالم الاقتصادية نتيجة القمع الممنهج للتعبير السياسي. نلاحظ هنا أن شرق آسيا عرف دولًا تنموية قوية مع انفتاح سياسي محدود. كما أن بعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مثل تركيا، والمغرب والأردن إلى حدّ ما) جربت انفتاحات سياسية جزئية، لكنها ما لبثت أن تراجعت عنها.

الريوع ركائز للاستبداد

  • مكّنت الريوع (مثل الإيرادات النفطية أو المساعدات الخارجية) الأنظمة السلطوية من الحفاظ على السلطة عبر شراء ولاء النخب الأساسية واعتماد القمع كوسيلة لكبح المعارضة. الأمر الذي ساهم في استقرار النظام السياسي رغم تردّي الاقتصاد.
  • ضمنت رأسمالية المحاسيب بقاء النظام؛ فقد مثّل تخصيص مساحات اقتصادية للشركات المرتبطة بنخبة النظام شكلًا من أشكال الضمان السياسي، وبالتالي مُنعت أي طبقة أعمال مستقلة من النشوء، وظهرت نخبة اقتصادية مرتبطة ارتباطًا مصيريًا ببقاء النظام، وبالتالي مستعدة للدفاع عنه بأي ثمن.
  • للريوع المحدودة سياساتها؛ ففي غياب الريوع الخارجية الكبيرة، يعتمد الحكام السلطويون بشكل أكبر على القطاع الخاص المحلي لخلق فرص العمل وتوليد الإيرادات الضريبية. وفي مثل هذه الحالات، يُطلب من المحاسيب الاضطلاع بأدوار إنتاجية إلى جانب أدوارهم السياسية. هذه الدينامية تنقل التوتُّر السياسي المحلّي من إدارة الغضب الشعبي إلى إدارة التنافس بين النخب الاقتصادية.
  • لا تنحصر الموارد الريعية في المصادر الخارجية (مثل النفط والمساعدات)، بل إن جزءً منها ينبع من ترتيبات سياسية داخلية؛ مثل حقوق الاحتكار، والمشتريات العامة، والريوع المالية.

الريوع وأنواع الأنظمة

  • ريوع الموارد الطبيعية: النفط والغاز في دول الخليج والعراق وليبيا ومصر والسودان والجزائر وإيران وإسرائيل وسوريا واليمن؛ الفوسفات في المغرب وتونس؛ قناة السويس في مصر.
  • الريوع الجيوسياسية: الريوع الاستراتيجية الناتجة عن التحالف مع القوى الغربية، أو استضافة اللاجئين، أو الوساطة في النزاعات (مصر والأردن ولبنان وسوريا وإسرائيل)، ومؤخرًا تعاون دول شمال أفريقيا مع الاتحاد الأوروبي لكبح الهجرة.
  • الريوع الداخلية: وهي تؤدي وظيفة الضرائب ولكن بشكل مشوَّه، إذ تتولّد عن التبادلات الزبائنية والأسواق غير الرسمية والتهريب وهيمنة المؤسسات المالية (لبنان) والعقوبات (إيران) واقتصادات الحرب (سوريا واليمن وليبيا والسودان).
  • الريعية «الفقيرة» والريعية «الغنية» (الشكل 1).
  • الريعية الفقيرة توجّه الريوع المحدودة القادمة من الخارج نحو القطاع الأمني، ما يسفر عن زيادة القمع وتقلّص النشاط الإنتاجي –وهو ما يتوافق مع مفهوم «فخّ العنف» لدوغلاس نورث.
  • الريعية الغنية، كما في دول الخليج، أقل عداءً للقطاع الخاص والنمو الاقتصادي. فالتوزيع السخي للريوع وارتفاع كلفة الثورة يقلّلان دوافع العصيان الشعبي.
  • للمقارنة، تصل عوائد الريعية الغنية نحو 50 ألف دولار لكل مواطن، مقابل أقل من 5 آلاف في أنظمة الريعية الفقيرة.

أثر الزبائنية على الأداء الاقتصادي

  • اختلالات ثابتة: سوء تخصيص الموارد (مكافأة الولاء بدل الكفاءة، تفضيل رأس المال المرتبط بالسلطة على الشركات المنتجة)، وسوء استخدام المال العام عبر الفساد والعقود المبالغ في أثمانها.
  • اختلالات ديناميكية: يضعف غياب المنافسة الابتكار والتدمير الخلّاق؛ كما أن حماية الحلفاء غير الأكفاء تُديم الاقتصاد غير الرسمي وتُبقي على معدل إنتاجية منخفض؛ كما أن السياسات الخاطئة –مثل الحماية المفرطة والمغالاة في تقييم العملة وضعف الإنفاق الاجتماعي– تؤدي إلى تثبيط النمو.
  • تذبذب الاقتصاد الكلي: التعرض لآثار «المرض الهولندي» واضطراب الريوع الخارجية (الموارد أو الموقع الاستراتيجي) يؤديان إلى تقلب الدخل وهشاشة المالية العامة.
  • تقويض الحوكمة: طلب الريع يُفسد المؤسسات، ويُغذّي الفساد، ويؤدي لتآكل الثقة الاجتماعية.

أثر البُنى الاقتصادية على السياسة

  • الهيكل الاقتصادي في معظم دول الشرق الأوسط مصمَّم لضمان حماية السلطة الحاكمة، ويستمد هذا النموذج، تاريخيًا، من النظام العثماني، والذي أبقى النخب المحلية ضعيفة وأحكم السيطرة مركزيًا.
  • الأنظمة الاقتصادية مهيكلة للإبقاء على الوضع السياسي القائم، فتنتج «رؤساء مدى الحياة» هدفهم الأساسي منع أي تحالف إصلاحي.
  • تظل هيمنة الأجهزة الأمنية والعلاقات الزبائنية الضيقة سمات جوهرية في الأنظمة الريعية المتوسطة.

حدود وتباينات المحاججة

  • هذا الإطار ينطبق بوضوح على الدول المنتجة للنفط ذات الحجم المتوسط (بمعدل الفرد) مثل العراق وإيران والجزائر، وجزئيًا اليمن وسوريا، إذ مثلت الريوع الخارجية ظاهرة لعنة الموارد.
  • كما يصحّ في الأنظمة ذات الريوع العالية (بمعدل الفرد)، وإن كان ذلك بديناميات مختلفة؛ فارتفاع الريوع يخفف التمرّد ويستبقي العقد الاجتماعي القائم (كما في السعودية، التي تندرج بين الريعية الغنية والفقيرة نظرًا لتوزُّع الريوع على عدد كبير من السكان).
  • على الجانب الأخر، تضعف المحاججة في الدول ذات الريوع المنخفضة مثل تونس والمغرب. ففي ظل محدودية الريوع الخارجية (الفوسفات، السياحة، تحويلات المغتربين)، تعتمد هذه الأنظمة أكثر على أداء القطاع الخاص المحلي، ما يعني تجارب سلطوية أكثر تنوّعًا، إذ تضطر بعض الأنظمة لإدارة النخب الاقتصادية وليس فقط استقطابها عبر الريوع.
  • أسفر ضعف الأداء الاقتصادي في هذه الحالات عن موجات من التعبئة الاجتماعية التي شكّلت تهديدًا حقيقيًا لاستقرار الأنظمة، والتي تفتقر إلى الموارد اللازمة لتمويل جهاز أمني مكرّس لبقائها.
  • تُظهر تركيا إمكانية أن يجمع نظام ريع منخفض بين النمو والشرعية –على الأقل حتى منتصف العقد الماضي، حين بدأ النموذج في التآكل واتجه نحو «رأسمالية محاسيب تنافسية».

باختصار، تستبقي الريوع الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط من خلال شراء الولاءات وكبح المعارضات. لكن هذا النموذج يخنق النمو الاقتصادي ويخلق اضطرابات مزمنة، لا سيّما في الدول ذات الريع المنخفض.


الشكل 1. العلاقة بين حكم القانون والريوع تشبه منحنى على شكل حرف U

  • أنظمة ديمقراطية
  • الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
  • أنظمة غير ديمقراطية

ريع النفط والغاز للفرد الواحد (بالدولار عام 2014)

الشكل 1. العلاقة بين حكم القانون والريوع تشبه منحنى على شكل حرف U


الشكل 1. العلاقة بين حكم القانون والريوع تشبه منحنى على شكل حرف U

نشر بتاريخ : 12/03/2026
تُرجمت هذه الورقة من الإنجليزية

تم إعداد وتقديم هذه الورقة ضمن أوراق المنتدى الإقليمي لحركة حقوق الإنسان، الذي ينظمه مركز القاهرة، في دورته الـ 28، نوفمبر 2025

Share this Post

أي آراء يعرضها محتوى هذا المقال هي آراء تخص كاتبه، لا تعبر بالضرورة عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.

المنتدى الإقليمي الـ 28 لحركة حقوق الإنسان
نحو مسارات جديدة للإصلاح
باريس 22 – 23 نوفمبر 2025

Image

إسحق ديوان

أستاذ ممارسة الاقتصاد في الجامعة الأمريكية ببيروت منذ عام 2024، ويشغل أيضًا منصب مدير الأبحاث في مختبر التمويل من أجل التنمية بكلية باريس للاقتصاد. تركز اهتماماته البحثية على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط والقضايا المالية الدولية.
اشترك بالنشرة البريدية