نحو تجديد الثقافة السياسية

في المنتديات الإقليمية السنوية, برنامج نشر ثقافة حقوق الإنسان

خلاصات المنتدى الإقليمي الـ 28 لحركة حقوق الإنسان

تحت عنوان «نحو مسارات جديدة للإصلاح» نظم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في 22 و23 نوفمبر 2025 المنتدى الإقليمي الـ 28 لحركة حقوق الإنسان، في العاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة 50 حقوقيًا وأكاديميًا، من 8 دول عربية (الجزائر ومصر ولبنان والمغرب وفلسطين وسوريا والعراق وتونس) بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

جاء هذا المنتدى في لحظة مضطربة في تاريخ المنطقة العربية مفتوحة على احتمالات متعددة. إذ لم تفضح جريمة الإبادة في فلسطين والسودان، واستمرار الغزو الروسي لأوكرانيا، عجز المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي عن التدخل الفاعل فحسب، بل كشفت حجم التواطؤ والانهيار الأخلاقي الذي لحق بالعديد من الحكومات العربية. في الوقت نفسه، تم تفريغ التضامن الشعبي في المنطقة مع الشعب الفلسطيني بشكل ممنهج من فاعليته السياسية؛ وعلى عكس أغلب شعوب الغرب، حُرمت المجتمعات العربية من ترجمة غضبها إلى أفعال. هذا الواقع، المسلوبة فيه حقوق الشعوب السياسية من جهة، والذي تسعى فيه الأنظمة إلى استغلال القضية الفلسطينية من جهة أخرى؛ شكّل محورًا أساسيًا في نقاشات المنتدى.

حالة الشلل الإقليمي هذه تزامنت أيضًا مع تحولات زلزالية كبرى. فبينما يدشن سقوط نظام الأسد في سوريا مرحلة جديدة غير واضحة المعالم في المشرق، تشهد مصر توترات داخل دوائر الحكم السياسية، وتعاني تونس مستوى جديدًا من القمع، وترزخ السودان تحت وطأة إبادة جماعية غير معترف بها دوليًا يتورط فيها فاعلون إقليميون وحكومات عربية. وعلى عكس التحليلات الشائعة، أصرّ العديد من المشاركين على أن التهديدات الوجودية لنموذج الدولة الوطنية في سوريا والسودان والعراق واليمن وليبيا تعود في المقام الأول إلى سياسات وصراعات القوى العربية والإقليمية ذاتها.

ولما كان السؤال حول دور المدافعين عن حقوق الإنسان والفاعلين في المجتمع المدني سؤالاً محوريًا مكررًا في كل لقاءات المنتدى على مدى تاريخه، استحضر المشاركون دعوات سابقة للإصلاح الديمقراطي كانت قد انطلقت أواخر التسعينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية، ولم تلقَ آذانًا صاغية. مؤكدين أن هشاشة النخب السياسية في المنطقة وإخفاقها في تحقيق انفتاح سياسي مستدام، يسهمان بشكل كبير في حالة الانهيار الراهنة.

الضعف البنيوي لليبرالية السياسية و«موت السياسة»

أولى المشاركون في المنتدى هذا العام اهتمامًا كبيرًا بمناقشة أزمة الليبرالية السياسية، وتدهور الثقافة السياسية في المنطقة. وكيف واجهت الحركات السياسية ضعفًا بنيويًا عميقًا، يتضمن؛ رفضًا تاريخيًا للقيم الليبرالية من الحركات القومية بعد الاستعمار، وصعود الإسلام السياسي كبديل تخيلي، وعدم قدرة الفاعلين الليبراليين على خلق التوازن بين نقد الدولة السلطوية ونقد النزعة المحافظة في المجتمع. الأمر الذي أدى إلى ما وصفه المشاركون بأنه «موت للسياسة»، في ظل نظم حزبية تحولت إلى أطر طائفية، وحياة عامة جمدها الاستبداد والجمود الأيديولوجي وانعدام الخيال السياسي، وإقصاء الشباب عن المشاركة السياسية. منتقدين ما وصفوه بـ«انفصام الشخصية» لدى معظم النخب السياسية؛ فبينما يرددون خطابًا ديمقراطيًا، ينخرطون فعليًا في ممارسات إقصائية أو رجعية.

في هذا السياق، شدد بعض المشاركين على الحاجة الملحة إلى إعادة إنتاج أدوات نظرية لفهم التحولات الكبرى في المنطقة. فالإنتاج الفكري الجاد من داخل المنطقة ضئيل، يفتقر للأطر الجديدة التي تعزز تشخيص المجتمعات لأزماتها أو بناء تحالفات للإصلاح. وقد ساهم غياب هذه الأطر في تكرار دورات الفشل السياسي، بما في ذلك العجز عن استثمار فرص سابقة للتغيير الديمقراطي.

كما شهد المنتدى أيضًا استدعاءً متكررًا لخطورة الطريقة التي توظف بها الأنظمة العربية القضية الفلسطينية لتبرير القمع وكبح الاحتجاجات وتجريم المطالب الإصلاحية. وكيف فضحت الإبادة الجماعية في غزة هذا التناقض؛ فبينما انطلق خطاب سياسي تعبوي واسع النطاق، إلا أنه لم يُترجم إلى فعل سياسي منظم يحقق تحررًا داخليًا. وبحسب المشاركون، فالسبب الجوهري لذلك هو تراجع قيمة الحرية. فالدول العربية ما بعد الاستعمار ليست مسئولة أمام مواطنين بل رعايا؛ لا يتمتعون بحقوق المواطنة. إذ لا توجد مشاركة سياسية، ولا مساءلة، ولا قدرة على بناء استراتيجيات جماعية حتى في لحظات الكوارث الإقليمية. هذا الفراغ السياسي لا يتجلى فقط في مصر وتونس والعراق وبلاد الشام، بل أيضًا في فلسطين رغم عامين من حرب إبادة.

الهياكل الاقتصادية الريعية والنظام الاستبدادي

في مجال الاقتصاد، سلطت النقاشات الضوء على الدور المركزي للريع (سواء ريع النفط أو الريع الجيوسياسي أو ريع المؤسسات) في دعم النظم الاستبدادية. إذ تواجه الدول ذات الريع المتوسط أزمة بنيوية حادة؛ أداء اقتصادي ضعيف، مؤسسات هشة، وانعدام المساواة. وتجد هذه الدول نفسها بين مطرقة صعود اقتصادات الخليج وسندان انهيار الدول منخفضة الريع مثل سوريا واليمن والسودان ولبنان.

وفي هذا السياق ناقش المنتدى كيف تقيد «أنظمة الوصول المحدود» الفرص الاقتصادية، وتُمكِّن ماديًا الفئات «القريبة» من النظام، بينما تمنع نمو طبقات وسطى قادرة على النهوض بالمجتمع والدفع باتجاه الإصلاح. وربط المشاركون بين هذه البُنى الاقتصادية وبين الركود السياسي؛ فالدول التي لا تحرر الفاعلين الاقتصاديين لن تتحرر سياسيًا. وانهيار العديد من النماذج الاقتصادية العربية لا ينفصل عن انهيار نماذجها السياسية.

تحولات القوة الإقليمية وتفتت الشرق الأوسط

رصد المشاركون التحولات الدراماتيكية في توازنات القوى الإقليمية. كيف أضحت دول الخليج أكثر حضورًا وتأثيرًا، ليس فقط بفعل ثرواتها، بل بسبب تغير الأوضاع السياسية في الدول الأضعف. أما المراكز التقليدية للثقل، مثل مصر، فقد فقدت وزنها الإقليمي نتيجة الضعف الاقتصادي وغياب الشرعية السياسية. وفي المقابل، تعيد إيران تقييم طموحاتها السياسية، وتتأرجح تركيا بين الطموح والتقييد.

هذه التحولات تقوض مهمة المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يفتقرون إلى استراتيجية واضحة للتعامل مع تزايد نفوذ القوى غير الديمقراطية المهيمنة في المنطقة. كما أن النظام الدولي، الذي يمر بأزمة عميقة، لا يقدم دعمًا يُذكر، رغم استمرار عمل مؤسساته متعددة الأطراف ظاهريًا.

انهيار الدولة الوطنية وأزمة الخيال السياسي في المشرق

شكلت أزمة الدولة الوطنية في سوريا والعراق ولبنان محورًا رئيسيًا للنقاش. فالتوترات الطائفية والإثنية، التي يُروّج لها باعتبارها متأصلة، هي نتاج أيديولوجيات وسياسات مارستها الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار، وتواطأت عليها نخب سياسية مؤثرة. وشرح المشاركون كيف أن عقودًا من التمركز السلطوي والحروب والتدخلات الخارجية، عجّلت بتفكك الهوية والسلطة، فتحولت الهويات الطائفية والإثنية إلى أطر سياسية في ظل غياب التماسك والسياسة الوطنية. وفي هذا السياق ناقش المنتدى مدي إمكانية أن تشكل الفيدرالية حلاً بنيويًا. فرأى المؤيدون أنها قد تسمح بإدارة التنوع، وتوزيع السلطة، وخلق مساحات للمجتمعات المهمشة. بينما حذّر آخرون من أن الفيدرالية قد تُرسّخ الانقسامات بدلًا من حلها، خصوصًا في سياقات تم فيها «تصنيع» الطائفية عمدًا. فعلى سبيل المثال، تطرق المشاركون لسيناريوهات متعددة حول مستقبل الحكم في سوريا، إلا أن جميعها تضمنت الإشارة إلى خطورة غياب معارضة وطنية ديمقراطية فعالة، بعدما تم سحقها بفعل عقود من الاستبداد الدموي والصراع. وحتى في الحالات التي تظهر فيها قوى معارضة جديدة، فإن بعضها يُكرر المنطق الطائفي نفسه للسلطات التي تُعارضها.

نُخب راكدة في مصر وفلسطين والمنطقة ككل

كان إخفاق النخب العربية، جيلًا بعد جيل، على المستويين البنيوي والسياسي محورًا مكررًا في كثير من نقاشات المنتدى هذا العام. سواء كانت نخب سياسية أو ثقافية أو اقتصادية، إذ ظلت جميعها عالقة في دورات إعادة إنتاج تعيق الابتكار. ففي مصر، عجزت النخب عن إنتاج رؤية سياسية متماسكة منذ عام 2011، ولم تستطع تطوير مبادرات للنقد الذاتي. أما السلطة الفلسطينية فقد باتت أقرب لأن تكون أداة من أدوات الاحتلال، بينما تعاني الحركة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة من تفكك وعجز عن التوافق حول استراتيجية فعالة. الأمر الذي أدى إلى أزمة عميقة. وفي مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك فلسطين، تتأرجح النخب بين شعارات راديكالية وممارسات لا تصل لمستوي التحديات التي تواجهها، غير قادرة على الانفصال عن الأطر السلطوية أو استشراف المستقبل.

وقد اختُتم المنتدى باعتراف واقعي رصين بأن؛ العالم العربي يقف عند تقاطع الاستبداد الصامد، والانقسام المجتمعي، والانهيار الاقتصادي، واللا مبالاة الدولية. في هذا السياق يبدو أن الربيع العربي لم يكن فجرًا حقيقيًا، ليس فقط بسبب رد فعل الأنظمة العنيف، بل أيضًا بسبب عجز النخب السياسية والثقافية عن الوقوف على تشخيص مشترك وخارطة طريق موحدة.  المهمة الآن هي العمل على تجديد الثقافة السياسية، وإعادة التفكير في الأطر، وتمكين المواطنين، وتحويل النقاش إلى أفعال. فمن دون خيال سياسي متجدد، تبقى المنطقة رهينة لدورات الانهيار والارتداد، تفتقر إلى الأدوات السياسية اللازمة للتحرر.

Share this Post