عملية الانتقال السياسي في سوريا ما-بعد الأسد: تحليل في الخطابات

د. ساري حنفي

أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، ويشغل أيضًا منصب مدير مركز الدراسات العربية والشرق أوسطية ورئيس برنامج الدراسات الإسلامية. وقد شغل منصب رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع في الفترة 2018–2023.

كان وما يزال هناك تلونات للإسلام الحركي حسب تلون السياقات. أنا استخدم الإسلام الحركي أو إسلام الحركات الإسلامية أو الحركات الاجتماعية. في حقيقة الأمر، أنا ضد استخدام مصطلح الإسلام السياسي؛ لأنني لا أعرف أيديولوجيا في الكون غير سياسية. الكل مسموح له استخدام السياسي، ولكن حينما تقول مجموعة ما أنها تريد أن تستقي من الدين منظومة أخلاقية ودليل سياسي، نقول لا. إذن المشكلة ليست في التسييس بحد ذاته، ولكن كيفية الممارسة السياسية والفكرية في كل حركة إيديولوجية، وحينها نقيمها لنميز بين ما هو سيء مما هو حسن.

كثيرة هي الدراسات التي أنجزتها وآخرون، مثل حسام الدين درويش،[1] أوليفي روا،[2] فرانسوا بورغا،[3] آصف بيات،[4]ورشيد الحاج صالح،[5] انتقدت التوجه الثقافوي في فهم الإسلام وحركاته. أي البدء بعزل حركة سياسية ما وفهمها فقط بطريقة الثقافوية؛ ما يعني أن حركة تفسر القرآن على الطريقة الفلانية أصبحت عنيفة، وأن تفسر القرآن على طريقة أخرى لتصبح متصوفة وهادئة. تاريخيًا، تتلون الحركات الإسلامية حسب السياق: حين يكون هذا السياق ليبرالي يصبحون ليبراليين، وحين تكون عسكرة وقمع يتحولون إلى جهاديين وقمعيين وهكذا.[6] لما نشأت السلفية في سوريا في البداية، لم تنشأ إلا علمية بشكل أساسي على يد الشيخ ناصر الدين الألباني وليس لها دعوات سياسية. ولكن حين بدأ النظام السوري في قمعهم، تحول السلفيون الشباب إلى سلفية جهادية. لذا، أود التأكيد على أنني ضد أي تحليل ثقافاوي، ولا بد من ربط الثقافي والديني، بالاقتصادي، بالاجتماعي، بالسياسي.

دعوني أقدم دراسة النموذج السوري من خلال خطابات متعددة حول عملية الانتقال السياسي اليوم. سأركز على خطاب الرئيس أحمد الشرع كنموذج لخطاب إسلامي وخطاب ما أسميهم الليبراليون الرمزيون. ولكن قبل ذلك دعوني أتناول كيف نفهم اليوم مرحلة الانتقال التي تقودها حركة إسلامية في سوريا.

عملية الانتقال السياسي

كي يمكن لنا الحكم على مرحلة الانتقال، يتعين علينا معرفة الانتقال إلى أين؟ ما حدث حتى الآن بشكل أساسي هو انتهاء المرحلة الدموية العنيفة للغاية للنظام السوري إلى مرحلة غالبًا ستكون أقل عنفًا. ثمة عدة تساؤلات لمعرفة أين تذهب سوريا. اقتصاديًا، هل ستتغلب على الفقر المدقع والتدمير الشامل نحو اقتصاد فعال؟ هل سيكون اقتصادها نيوليبراليًا أم اقتصادًا يتضمن استثمارات فردية محلية وأجنبية ولكنه مُطعَّم باقتصاد تضامني؟ هل ستنتقل إلى نظام ديمقراطي (وأنا لا أرى حاليًا أفضل من الأنظمة الديمقراطية، رغم أزمة الديمقراطية الليبرالية التي يعيشها العالم اليوم)؟ أم كما يسميه الرئيس الشرع دولة القانون، رغم التباس هذا التعبير؟ دعوني هنا أركز على مؤشرين لهم علاقة بالنظام الاجتماعي–السياسي أكثر منه الاقتصادي.

المؤشر الأول: إلى أين تتجه البوصلة فيما يتعلق بموضوع الحريات، ليس فقط الحريات الأساسية: حرية التنظيم، حرية التعبير، حرية ممارسة العبادة، حرية الاعتقاد بما فيها حرية الضمير؛ ولكن أيضًا حرية ظهور الفرد في الفضاء العام، وهذا يعني حد أدنى، وليس أكثر من اهتمام الدولة بالأخلاق العمومية. يجب أن أذكّر أن دور المجتمع والدولة هو أن يتفق المجتمع على مفهوم العدل؛ لأن مفهوم العدل له علاقة بكيفية توزيع الثروة، والمساواة، وعدم التمييز بين الآخرين، فيما يُترك مفهوم الخير للأفراد وللجماعات. فإذا كانت المرأة تريد ارتداء حجاب أو نقاب أو تنورة قصيرة، كل هذا جزء من مفهوم الخير. فمن حق الناس اختيار مفاهيم الخير لحياتهم إن كانوا يريدون الصيام والصلاة، أو يذهبون إلى الحانة. إذن يتعين على الدولة عدم فرض الأخلاق العمومية إلا في الحد الأدنى، أو ما نسميه بمفهوم الآداب العامة، وباللغة الليبرالية نستخدم مفهوم الخير العمومي المتفق عليه (public good).

المؤشر الثاني هو المواطنة، وهو مرتبط بموضوعة المساواة. دعني أخبرك أن موقف القيادة الجديدة من الحريات والمساواة، حتى الآن، معقول بالخطوط العريضة. مع التأكيد أن المجازر التي حدثت في الساحل والسويداء شيء رهيب، ولو أننا لا يمكننا عزوها لقرار مركزي من السلطة السياسية، وذلك حسب التقرير الأممي بشأن هذه الأحداث. والموضوع المهم في نظري للغاية، كيف لمجموعة هي نفسها تبنت ذات يوم اتجاه تزمت سلفي، أن تتفاعل مع مجتمع سوري، أي التلون مع سياقه، وكل يوم سنرى أشياء جديدة هي قريبة للإسلام السوري بالمعنى العام. فالإسلام السوري متنوع، والتنوع ليس فقط مسيحي وعلوي وسني، التنوع حتى في قلب السني نفسه. لهذا السبب لدينا مؤشرات، كيف هذا التدين السوري؟ وهل التفاعل بين الإسلام الحركي للرئيس أحمد الشرع وبين الناس، سيعطي طاقة إيجابية كبيرة؟ على سبيل المثال، بعدما تم أخذ الأثاث من المؤسسات العامة من مدينة دمشق، نادى خطباء الجوامع -أو على الأقل لدينا إثبات بخمسة جوامع رئيسة –  بأن ذلك حرام، ويجب إرجاع ما أخذوه. ورأينا أمام جامع زيد بن ثابت، وهو في جانب بيت جدي، أخذ الأشخاص يعيدون البرادات وأطقم الجلوس وما إلى ذلك. إذا هناك مرونة في الإسلام الحركي ليتناسب مع سياق ما ويرفعه؛ بمعنى أن التناسب يرفع، وليس التنازل. إذا تحقق ذلك، فنحن سنكون متفائلين.

ومن المهم القول إن المؤشرات الكبرى اليوم التي نتابعها في سوريا، هي فعلًا مؤشرات مهمة، وسأضرب مثالا آخر على التلونات تحت هذه الإدارة؛ أكبر حركتين سياسيتين قادتا غرفة العمليات هما هيئة تحرير الشام، وأحرار الشام، والاثنتان سلفيتان، ولكن هيئة تحرير الشام اليوم، حسب أصدقاء يعرفون التفاصيل من الداخل، بدأت تتقبل هذه المرونة الشرعية التي يعبر عنها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في تصريحاته؛ وهو الشخص الثاني في السلطة الجديدة. وهنا نرى الفرق بين حركة يدها في السلطة مباشرة (هيئة تحرير الشام)، مقارنة مع أخرى (أحرار الشام) التي ترمي عليهم بعض الحجارة. ما معناه كيف الإسلام الحركي حين يصبح في السلطة، يصبح يفهم معنى السياق وأهميته أكثر من شخص جالس يُنظر عليه.

الخطاب الإسلامي: الرئيس أحمد الشرع نموذجًا

رغم أنني أراقب يوميًا، ساعة بساعة، ما يجري في سوريا ما بعد الأسد، خاصة فيما يتعلق بأداء القيادة السياسية والعسكرية والحكومة، أرى أن هناك أمورًا واضحة في أقوال وأفعال هذه القيادة، وأخرى غامضة وملتبسة. ولعل المقابلات التلفزيونية العديدة للرئيس أحمد الشرع قد أوضحت بعض الأمور، لكنها في الوقت ذاته تركت أمورًا أخرى مبهمة، بعضها بين السطور وبعضها غير مطروح للنقاش. أود تناول قراءتي لما هو محكي ولا محكي.

يتحدث أحمد الشرع عن رؤيته الشاملة للانتقال المدني السوري، وتوسيع دائرة التشاور تحت إطار الإعلان الدستوري من مؤتمر وطني سوري يمثل جميع مكونات الشعب السوري إلى مجلس الشعب المزمع إنشائه. وواضح هنا أنه يقصد المكونات الأيديولوجية والدينية والإثنية. يتحدث الشرع عن «سوريا الجديدة» التي لن تشكل أي تهديد لجيرانها، وأشار إلى أن جميع الخلافات مع الجيران أو القوى العظمى سيتم حلها عبر الضغط الدبلوماسي والعودة إلى المجتمع الدولي.

في مقابلته على تلفزيون بي.بي.سي. وحينما سُئل عن استخدامه للعنف في إدلب لبسط سيطرة هيئة تحرير الشام، لجأ إلى لغة قانونية، مبينًا أن العنف الذي مورس كان قانونيًا بسبب التعدي على المؤسسات العامة هناك. وعندما سئل عن الفرق بين ممارسات طالبان وممارسات هيئة تحرير الشام في إدلب وفي سوريا الجديدة لاحقًا، أجاب بأن هناك اختلافًا سوسيولوجيًا وثقافيًا بين البلدين، موضحًا أن أفغانستان تتألف من قبائل، فيما يغلب الطابع الحضري المديني على سوريا. وأثار انتباهي تواضع الشرع في هذه المقابلة؛ فقد أجاب أكثر من مرة بأنه لا يستطيع الإفتاء في أمور معينة، وأن رأيه الشخصي غير مهم، وأن القرار يعود للقانونيين والشعب والدستور. وفي الوقت ذاته، أبدى اعتزازًا بالنفس، قائلًا مرتين إن ما يهمه هو اقتناع السوريين به وتصديقه، بغض النظر عما إذا كان الآخرون خارج سوريا سيصدقونه.

أنا مهتم هنا بالتعليق على ما ظهر من أجندة اجتماعية مستقبلية لسوريا. ففي حديثه، لم يستخدم الشرع مفهومي «الشريعة» أو «الدولة الإسلامية» على الإطلاق. تعامل مع الصحفي بلغة أقرب إلى «العقل العمومي»، كما يسميها الفيلسوف الأمريكي جون رولز، أي لغة ومحاججة أخلاقية مشتركة بين جميع السوريين، وحتى يمكن للصحفي البريطاني فهمها. وعندما سُئل عما إذا كانت سوريا الجديدة ستحترم حقوق المرأة، تهرب من السؤال واستهجنه، مذكرًا الصحفي بأن الأولوية اليوم هي بناء سوريا لكل مكوناتها رجالًا ونساءً، وإعادة منح الجنسية للمحرومين منها لأسباب أمنية، بما يشمل العديد من العائلات السورية المقيمة في الخارج. رغم ذلك، أثار انتباهي خطابه التصالحي مع الغرب؛ فلم يتوجه للصحفي بانتقاد مباشر بشأن ازدواجية المعايير، مثل إرسال الأسلحة إلى دولة الإبادة الجماعية إسرائيل لقتل النساء والأطفال في غزة، بل اكتفى بإجراء مقارنات سورية–سورية.

عندما سئل الشرع عن القضايا الاجتماعية والرؤية السياسية، استخدم تعبيرات مثل «الدستور»، و«القانون»، و«العودة إلى الشعب»، و«الشعب يقرر»، وكلها تعبيرات تنتمي إلى ملف «الديمقراطية الليبرالية»، لكنه تجنب ذكر هذا المصطلح بشكل صريح. يبدو واضحًا أن الشرع ينتمي إلى مدرسة فكرية إسلامية لا تريد العودة إلى مشتركات كونية وإنما استخدام تعبيرات هي أقرب إلى الحقل التداولي العربي الإسلامي أو حسب تعبير فرانسوا بورغا، استخدام المفردات المعجمية الإسلامية (parler musulman).[7] وأنا أتفق مع بورغا بأنه يجب ألا نعترض على استخدام معجم محلي بدلًا من استخدام معجم كوني. فالمهم في هذا الموضوع هو المضمون وليس المفردة. وعندما سُئل الشرع ما إذا كان يؤيد دولة ديمقراطية سورية، رفض استخدام كلمة «ديمقراطية»، واستبدلها بمفهوم «دولة القانون والدستور والمساواة بين السوريين». وعندما طُرح عليه أسئلة بشأن قضايا مثل السماح ببيع الكحول أو لباس المرأة، هرب أو تهرب من الإجابة، مشيرًا إلى أن القرار متروك للقانونيين. كان من الأحرى أن يقول أن الحريات العامة مكفولة، وليس للدولة التدخل في تدين الناس، والباقي يحدده القانون.

الإيجابي في هذا الموضوع أن الرئيس الشرع يؤمن بشكل ما بالتمايز بين الديني والسياسي. وهو يستخدم مفهوم الدولة المدنية (رغم هلامية هذا المفهوم). فالسياسي يقرره القانون بينما الديني يقرره الداعية. فالشرع تجنب، بشكل واضح، استخدام مصطلحات ليبرالية كونية مثل ديمقراطية، مواطنة، حرية التعبير، حرية تشكيل التنظيمات السياسية، حرية فردية، علمانية. ربما يعود ذلك إلى نظره بأن هناك معايير مزدوجة لدى الليبراليين لاستخدام بعض هذه المفردات مثل «الديمقراطية» أو استخدام استبدادية سيئ الصيت لأخرى مثل «العلمانية». وبينما يظهر في خطاب الشرع رؤية واعدة لنظام حكم سياسي قانوني يمثل جميع السوريين؛ إلا أن هذا الخطاب يترك قضايا أخلقة الفضاء العمومي مبهمة.

لا يدرك الرئيس الشرع مدى أهمية هذه القضية بالنسبة لمجموعات كبيرة من السوريين الذين لا يثقون تاريخيًا بالإسلاميين بسبب مواقفهم الملتبسة تجاه الأخلاق العمومية، في أجواء من الاستقطابات الحادة بين الإسلاميين والعلمانيين التي أفشلت الربيع العربي. هذه الشكوك مشروعة، إذ يوجد خطاب حقيقي لدى بعض الإسلاميين المتزمتين الذين يتماهى عندهم الدعوي مع السياسي. هناك فرق كبير بين داعية يدعو إلى تحريم تناول الكحول وفرض الحجاب على المرأة، وبين سياسي يجب أن يراعي تعدد مفاهيم الخير لدى المواطنين ويترك هذا الموضوع للناس. كل ما يفضله الفرد في مأكله ومشربه وملبسه وأسلوب حياته هو جزء من تصوره الخاص للخير. لذا، أعتقد أن خطاب الشرع في هذا الجانب لم يكن حكيمًا، نظرًا لما تركه من غموض وعدم وضوح.

الفصل بين مفهوم العدل، الذي ينبغي أن يجمع السوريين كافة، وبين تصورات الخير المتعددة أمر بالغ الأهمية. كان من الأفضل أن يوضح الشرع رؤيته لمستقبل سوريا في هذا السياق، بدلًا من الاكتفاء بالقول أن الدستور والقانون هما من سيحسمان الأمر.هذا الغموض في الخطاب هو ما دفع بعض المشككين إلى اعتبار تصريح القيادة العسكرية في الشهر الأول من انتصار الثورة، بشأن عدم المساس بأي مدني في الفضاء العام بسبب لباسه أو تصرفاته (في إشارة إلى عدم التحرش بالمرأة غير المحجبة)، مجرد خطوة تكتيكية لا تعكس توجه القيادة الجديدة لسوريا. رغم بعض النقد الذي يمكن أن يوجه لخطاب الشرع؛ أرى أنه بسبب تواضعه وخبرته الغنية في «دويلة» إدلب، يبدو كشخص براغماتي يتغير ويعدل أفكاره تبعًا للسياق. فما أسوأ الشخص الذي يدعي أنه لا يتغير. بلغة علم الاجتماع، يمكن وصف الشرع بأنه شخص تبصري (reflexive)، وهذه صفة مهمة. نجد هذا النمط كثيرًا بين الحركات الإسلامية الجديدة التي تغيرت إيجابيًا بعد دخولها معترك السياسة.

ويظهر جليا أن هناك تأثير للنموذج التركي. إذ أجرى وفد من حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم زيارة إلى سوريا وافتتح مكتبًا في دمشق للمساعدة في استفادة النظام الجديد من التجربة التركية. ورغم النزعة الاستبدادية للرئيس أردوغان، فإن هذه التجربة توضح كيفية تحقيق التمايز بين الديني والسياسي، وضمان حيادية الدولة في الحد الأدنى تجاه تعدد وتعارض تصورات الخير في المجتمع.

تكمن المشكلة في استخدام المفردات المعجمية المحلية أو الإسلامية حصريًا، إذ أنها لا تخلق فضاءً فكريًا وسياسيًا مشتركًا مع الآخر الكوني. أحمد الشرع يدرك أن سوريا، التي تنهض من رمادها كطائر الفينيق، بحاجة ماسة إلى دور المجتمع الدولي في إعادة إعمارها. هو يطلب من العالم التضامن مع سوريا و«التضامن الإنساني» مفهوم كوني، لكنه يتجنب استخدام مصطلحات أخرى من المفردات المعجمية الكونية والمرتبطة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وما نضج في الإنسانية مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحريتي التعبير، والتنظيم. اختزال الخطاب الإنساني الكوني في المصلحة الاقتصادية أمر مؤسف.

خطاب الليبراليين الرمزيين

في كتابي الصادر مؤخرًا، «ضدّ الليبراليَّة الرّمزيّة: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري»،[8] أظهرتُ بوضوح في كتابات عديدين من باحثي العلوم الاجتماعية ومنتجي المعرفة الآخرين (صحفيين، أكاديميين، مؤثرين، إلخ)، كيف أسّسوا لمنظور سميتُه المنظور الليبرالي الرمزي. إذ شوّه هؤلاء الليبراليون مفهوم العدالة عبر تقليص أهمية العدالة الاجتماعية والمبالغة في التركيز على كونية حقوق الإنسان، بما يفضي إلى فرض تصوّر واحد لمفهوم «الخير»، والذي يُفترض أن يكون متعدّدًا. وبينما نجد الليبراليين الرمزيين في دول الشمال الكوني، فهم يتواجدون أيضًا في الجنوب الكوني؛ ما يعكس شكلًا من أشكال التقارب العالمي، خاصة في بيئات ما بعد الاستعمار.

أرغب في بحث كيفية نظر الليبراليين الرمزيين إلى النظام السوري ما بعد الأسد؛ إذ أن ذلك يكشف الكثير عن كيفية تصوير العلمانية باعتبارها مفهومًا مناقضًا للدين، وكذا الممارسة الخاطئة للليبرالية السياسية حسبما نظّر لها جون رولز. فاستنادًا إلى أبحاثي السابقة، يتضح أثر العلمانية المناضلة على الطريقة الفرنسية لدى بعض اليسار العربي العلماني،[9] وفي جهود الليبراليين الرمزيين لفرض تفسيراتهم غير المعقولة للعلمانية والمحافظة السائدة في مجتمعاتنا، خاصة عند وصولها إلى السلطة.

يمكن ملاحظة ثلاث سمات لهذه الليبرالية: أولًا، كما صاغ الفيلسوف السوري حسام الدين درويش بدقة،[10] لا يستطيع الليبراليون الرمزيون تصوّر ثورة محافظة. فإذا لم تكن تقدّمية، فلا بد من إدانتها. وبالتالي، إذا لم يُعجبوا بالنخبة المحافظة التي تقود المرحلة الانتقالية، فإنهم يدعون إلى نزع الشرعية عن الثورة، حتى ولو كان ذلك يعني التحالف مع القوة العسكرية للنظام القديم (كما في الحالة المصرية). بالنسبة لهم، بينما تستطيع جميع الأحزاب السياسية أن تغيّر برامجها، لا يستطيع الإسلاميون هذا: إذ يُنظر إليهم على أنهم سُنّة فاشيين،[11]  أو ببساطة جهاديين،[12] ولا يُفهمون إلا تلاميذ لمفكري أوائل القرن العشرين مثل سيد قطب وأبي الأعلى المودودي. وهم يفشلون في رؤية كيف أن حتى الجماعات السلفية–الجهادية خضعت لتحوّلات فكرية، كما يتّضح في كتابات المراجعة لأبي مصعب السوري، وأبي يزن الشامي، وأبي محمود الفلسطيني منذ أكثر من عقد، وكيف أثرت هذه التحولات في انتقال جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) إلى منظمة إسلامية أكثر اعتدالًا وبراغماتية. بالنسبة لهم، إمّا أن يُعاد إصلاح الإسلام ليصبح قوة ثورية، أو يُختزل في ديناميكية «سرقة الثورة». كما أنهم لا يُبدون اهتمامًا يُذكر بكيفية تفاوض الإسلام اليومي والمجتمع المدني للسوريين على حضورهم أمام القوى السياسية الانتقالية المحافظة جدّا. عكس هذا الغياب عن الانخراط حالة اغتراب هذه المجموعة عن المجتمع السوري، فبما أنهم يعيشون، في الغالب، خارج سوريا، فقد أغفلوا شهاداتٍ عديدة شاركها باحثون سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصفوا فيها كيف أن مشاعرهم بعد زيارة سورية باتت مختلفة تمامًا عمّا كانت عليه من قبل، خصوصًا عندما شاهدوا التفاؤل النسبي لدى الشعب السوري، رغم الفقر وظروف المعيشة القاسية في مرحلة ما بعد الأسد.

ثانيًا، النماذج الفلسفية لديهم ليست معنيّة بالإسهامات الآتية من العلوم الاجتماعية. على سبيل المثال، لا يزال بعضهم اختزاليًا في رؤيته ما حدث في السويداء باعتباره مجرد دينامية طائفية (سُنّة مقابل دروز). تتجاهل هذا الاختزالية أعمال باحثين سوريين بارزين في شئون البدو في المنطقة، مثل حيان دخان ودون شطي، اللذان شبّها ما حدث في السويداء بالديناميات في دارفور (رعاة مقابل مزارعين).[13] وحثّا على ضرورة وضع تاريخ التحريض الخارجي في الاعتبار، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الراهنة والانحباس الحراري، لفهم التوترات بين الجماعات. تفسير مثل هذه النزاعات أساسًا عبر عدسة طائفية–إثنية لا يزيدها إلا تفاقمًا؛ فالليبراليون الرمزيون غير مهتمين بعدم التوافق بين نماذجهم والوقائع المستجدة. على سبيل المثال، النظر إلى الاقتصاد السياسي للنظام السوري الحالي باعتباره مجرّد اقتصاد نيوليبرالي جاذب للاستثمارات الخليجية يحتاج أن يُستكمل بملاحظة نظام مُنهك يدعو لمساهمات تضامنية من المغتربين السوريين ورجال الأعمال المحليين. وأشير هنا إلى «صندوق التنمية السوري»، الذي أُنشئ في شهر آب 2025، وقد تمكن بالفعل من جمع 64 مليون دولار، أو حملة «الوفاء لإدلب» التي جمعت 205 مليون دولار في يوم واحد (26 أيلول 2025). كما أطلقت الحكومة السورية الجديدة مبادرة وطنية لمكافحة الفقر، فالاقتصاد السياسي الماركسي الكلاسيكي، رغم أهميته التحليلية، لا يستطيع استيعاب أهمية نموذج التهادي عند مارسيل موس في المجتمع. وحتى لو بقيت آفاق الحدّ من تجاوزات الاقتصاد ذي النزعة النيوليبرالية القائم على مبادرات المستثمرين غير واضحة، لا شيء يستبعد إمكانية نشوء اقتصاد اجتماعي وتعاوني ومتجذّر اجتماعيًا في سوريا مرافق للنزوع إلى النيوليبرالية.

ثالثًا، يعكس أسلوب الكتابة لدى الليبراليين الرمزيين درجة عالية من اليقين، مشبعة غالبًا بشحنة عاطفية ومرتبطة بمنطق سياسات الهوية في بناء الجماعة –جماعة داخلية تُعرّف نفسها عبر إقصاء الجماعة الخارجية. يسعى هذا اليقين الأيديولوجي إلى إلغاء الخصوم بدلًا من التحاور معهم. هذا كله ونحن في فترة انتقالية، ويرسل سلوك النظام السوري الجديد إشارات متباينة. بعضها إيجابي: تنظيف السجون، تقليص الفساد البيروقراطي، إنشاء صندوق التنمية السوري ولجنة للعدالة الانتقالية. وبعضها سلبي: مجازر ضد مناطق تسكنها أقليات (بعض الديناميات غذّتها قواعد غاضبة من الأسفل، وأخرى مرتبطة بسوء سلوك أجهزة أمن النظام الجديد)، غياب حوار وطني جاد، تأخير في إضفاء الشرعية على الأحزاب السياسية، وتنوع شكلي في الحكومة والمناصب الرئيسية. رغم هذا الالتباس؛ تفتقر تحليلات الليبراليين الرمزيين إلى الدقة والاحتشام في المفردات (مثل استخدام: ربما، على الأرجح، حتى الآن)، التي من شأنها السماح بتعديلاتٍ في التفسير بدلًا من التظاهر بأن التحليلات الأولية كانت نبوئية وبصيرة. ولهذا السبب، تُعد بيانات الرأي العام مثل «المؤشّر العربي» الذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضرورية. فالمسح الذي أُجري في سوريا، عبر 3,690 مقابلة للأبحاث ودراسة السياسات، يناقض، في الواقع، الكثير من تحليلات المراقبين الليبراليين الرمزيين للمشهد السوري اليوم. فالأغلبية (56%) واثقة بأن الحكومة تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 25% يقولون إنها تسير في الاتجاه الخاطئ؛ فيما يؤيد 61% إقامة نظام ديمقراطي. وفي حين يُظهر الاستطلاع أن التوترات الطائفية موجودة بشكل كاسح (85%)، إلا أن السوريين يريدون العيش معاً ككل مكونات الأمة (83%).

الخاتمة

على المدى المنظور، القضية الأساسية على المستوى السياسي–الاجتماعي هي كيف سيتعامل النظام الجديد مع الأخلاق العمومية، والحريات الفردية والتصور التعدّدي للخير. سلوك الليبراليين والمحافظين سيكون حاسمًا في تحديد ما إذا كان شكل النقاش في هذه القضايا حواريًا أو صراعيًا؛ فالخطر الحقيقي لا ينبع بالضرورة من الأيديولوجيا الإسلامية المحافظة، بل من الاستبداد. وبينما من الضروري تذكير الأنظمة السياسية بالتزامها بحماية حقوق المواطنين في مجتمع تعدّدي (سيما التوازن بين الحريات والمساواة) باعتبار ذلك كله تصوّرًا للعدالة؛ لا يمكن مواجهة الاستبداد بفرض تصوّر مهيمن للخير. بل يتطلب الأمر التفاوض حول كيفية التعبير عن تصوّرات الخير المتنوعة داخل نمط من العقل العمومي (النقاش التحاوري الذي يستخدم حججًا مفهومة للجميع مهما كان دينهم أو تدينهم) وجعلها تتعايش. وهنا تكون انتقاداتي الليبراليين الرمزيين أكثر حدّة، لأنني أتوقع منهم، بوصفهم باحثين اجتماعيين وفلاسفة وليبراليين، أن يجعلوا النقاش أكثر عقلانية، لا أن يغلقوه تمامًا.

في الختام، لماذا لدي حساسية من استخدام تعبير «الإسلام السياسي» شديد العمومية، لأنني أرى أنه يتم التعامل معه على أنه اتجاه محنط لا يتغير. في الواقع لا يمكن لنا رؤيته بشكل ثابت، خاصة منذ بداية الربيع العربي 2011، إذا قارنّا أداؤهم مع أداء القومية الحركية، اليسارية الحركية والاستبداد الحركي. بنت هذه الاتجاهات الأخيرة أنظمة استبدادية مزينة بأحزاب دنكوشوتية. ربما يكون الإسلام الحركي في أماكن معينة أحسن بكثير من غيره؛ مثلًا أفكر في حركة النهضة في تونس مقارنةً مع أحزاب رأيناها يسارية دافعت على الاستبداد المحلي و«براميلية» أي دافعت عن البراميل التي أسقطها نظام الأسد على الشعب السوري. دعونا نستخدم دائمًا المقياس والمسطرة نفسهما لتقييم كل الاتجاهات، ولا تعد دراستنا للحركات الإسلامية استثناءً.

[1] درويش، حسام الدين. 2021. في المفاهيم المعيارية الكثيفة: العلمانية، الإسلام (السياسي)، تجديد الخطاب الديني. الشبكة العربية للأبحاث والنشر
[2]  Roy, Olivier. 2016. Le Djihad et La Mort. Seuil
[3] بورغا، فرنسوا. 2018. فهم الإسلام السياسي. دار الساقي.
[4] Bayat, Asef. 2013. Post-Islamism: The Changing Faces of Political Islam. Oxford University Press.
[5] الحاج صالح، رشيد. 2023. «تأملات في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر: بحث في العلاقة بين الأخلاق والسياسة». تبينno. 46: 7–47..
[6] Bamyeh, Mohammed A. 2019. Lifeworlds of Islam: The Pragmatics of a Religion. In Lifeworlds of Islam. Oxford University Press.
[7] بورغا، فرنسوا. 2018. فهم الإسلام السياسي. دار الساقي.
[8] حنفي، ساري. 2025. ضدّ الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري. المركز العربي للأبحاث والسياسات.
[9] Hanafi, Sari. 2024. “The Transformation of the Discourse on Secularism/the Civil State in Arab Academic Writings Post Arab Spring.” Philosophy and Society 35 (3): 3.
[10] درويش، حسام الدين. 2023. في فلسفة الاعتراف وسياسات الهوية: نقد المقاربة الثقافوية للثقافة العربية الإسلامية. مؤمنون بلا حدود.
[11] عايق، موريس. 2025. «الحرب الأهلية السوريّة في طورها الثاني عن نهاية سوريا وخيارات مستقبل «الأغيار» خارجها». موقع الجمهورية، 22 أغسطس. https://shorturl.at/6RIPu.
[12] الحاج صالح، ياسين. 2025. «سورية بين ثلاث مدارس للحكم والسياسة الحاجة لمدرسة مغايرة تقوم على التعدّد وتداول السلطة». موقع الجمهورية، August 28. https://shorturl.at/FvgnY.
[13] Dukhan, Haian, and Dawn Chatty. 2025. “The Druze-Bedouin Clashes in Syria Were Not a Sectarian Conflict.” Al Jazeera, September 2. https://www.aljazeera.com/opinions/2025/9/2/the-druze-bedouin-clashes-in-syria-were-not-a-sectarian-conflict..

نشر بتاريخ : 05/02/2026

تم إعداد وتقديم هذه الورقة ضمن أوراق المنتدى الإقليمي لحركة حقوق الإنسان، الذي ينظمه مركز القاهرة، في دورته الـ 28، نوفمبر 2025

Share this Post

أي آراء يعرضها محتوى هذا المقال هي آراء تخص كاتبه، لا تعبر بالضرورة عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.

المنتدى الإقليمي الـ 28 لحركة حقوق الإنسان
نحو مسارات جديدة للإصلاح
باريس 22 – 23 نوفمبر 2025

Image

د. ساري حنفي

أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، ويشغل أيضًا منصب مدير مركز الدراسات العربية والشرق أوسطية ورئيس برنامج الدراسات الإسلامية. وقد شغل منصب رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع في الفترة 2018–2023.
اشترك بالنشرة البريدية