تصعيد عسكري مدمر يهدد الشرق الأوسط
المدنيون يدفعون ثمن صراع يتسع إقليميًا

في البرنامج الدولي لحماية حقوق الإنسان

يدفع الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير الماضي، وما يثيره من امتدادات إقليمية مستمرة، بالشرق الأوسط إلى دورة جديدة ومدمرة من العنف. وما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل وحاسم لحماية المدنيين ووقف مزيد من التصعيد، فأن العواقب ستكون كارثية على شعوب المنطقة وعلى السلم والاستقرار الدوليين.

وفي هذا الإطار، يدعو مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بشكل عاجل بقيادة مبادرة شاملة للسلام والأمن، لمنع المزيد من التصعيد ومعالجة الدوافع البنيوية لعدم الاستقرار في المنطقة. على أن تعطي هذه المبادرة الأولوية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية ووضع تدابير ملموسة لوقف أعمال العدوان العسكري المتكررة، والتصدي للنزعة التوسعية العسكرية الإقليمية لإيران بما في ذلك دعمها لجماعات مسلحة بالوكالة في لبنان وسوريا والعراق واليمن. وفي الوقت ذاته، يتعين على المجتمع الدولي تجديد التزامه بنزع السلاح النووي وضمان امتثال إسرائيل وإيران وجميع دول المنطقة الكامل والشفاف لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وعلى المدى القريب، يتعين على جميع الأطراف احترام القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك وقف أعمال العدوان العسكري، والامتناع عن شن هجمات عشوائية بحق المدنيين والبنية التحتية المدنية، والوفاء بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي.

ويشدد المركز على أن أي مسار مستدام نحو السلام يجب أن يضع الحوكمة الديمقراطية والحريات المدنية في صلب أولوياته، ويُعلي أصوات شعوب المنطقة وتطلعاتها على صراعات القوة العسكرية.

تتطور هذه الحرب في سياق من الإفلات المنهجي والمتجذر من العقاب. فبعد سنوات من الانتهاكات الجسيمة والمتكررة للقانون الدولي، لم تخضع إسرائيل والولايات المتحدة لأي مساءلة ذات معنى عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وفي الوقت نفسه، أدى سعي إيران إلى الهيمنة الإقليمية من خلال التدخل العسكري وشبكات الوكلاء إلى تقويض مساعي السلام والحوكمة الديمقراطية في مختلف أنحاء المنطقة. ففي سوريا، أسهم دعم إيران المستمر لنظام الأسد في تسهيل ارتكاب فظائع مروعة، وتهجير ملايين السوريين والفلسطينيين قسرًا. بينما تورطت بعض دول الخليج، التي تتعرض حاليًا لهجمات عشوائية من إيران، في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي، بما في ذلك في اليمن والسودان.

واليوم، تتحمل التجمعات السكانية المدنية في المنطقة مرة أخرى الكلفة الأكبر لهذا التصعيد. ففي لبنان، يزج حزب الله وإسرائيل بالمدنيين إلى قلب دائرة الخطر من خلال تحويل الدولة لساحة مواجهة بالوكالة بين تحالف الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران. وفي بلد دمرته بالفعل هجمات إسرائيلية سابقة، يهدد هذا التصعيد بإغراق لبنان في مزيد من عدم الاستقرار والعنف، وتقويض عملية سياسية هشة أصلًا تهدف إلى استعادة سلطة الدولة والسيطرة على الجماعات المسلحة.

وفي غزة، تواصل إسرائيل حملتها العسكرية المدمرة، التي اتسمت بانتهاكات متكررة لوقف إطلاق النار الهش وفرض قيود مشددة على المساعدات الإنسانية. وقبل المواجهة الحالية مع إيران، كانت الولايات المتحدة قد أعلنت مقترحات بإعادة «تشكيل» فلسطين، بما في ذلك خطط تهجير واسع النطاق للفلسطينيين إلى مخيمات، وإعادة توطين «طوعية» مزعومة في دول أخرى، وتحويل غزة لمنطقة عسكرية وتجارية. وفي أعقاب هذا التصعيد مع إيران، أغلقت إسرائيل جميع المعابر الحدودية إلى غزة، مما زاد من تقييد وصول الإمدادات الأساسية، وتسبب في عواقب إنسانية مدمرة نظرًا لاعتماد غزة شبه الكامل على المساعدات الخارجية.

في الوقت ذاته، تتزامن هذه الحرب مع تجدد القمع الداخلي في إيران. فمنذ يناير 2026، قمعت السلطات الإيرانية بعنف احتجاجات تطالب بالعدالة الاقتصادية والحريات السياسية. ووفقًا لعدد من المنظمات الحقوقية وللأمم المتحدة، تجاوز عدد القتلى جراء موجة القمع الأخيرة 3000 شخص. وقد أدى هذا الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، والذي تم تبريره بدعوى دعم الشعب الإيراني، إلى مضاعفة معاناة الإيرانيين بدلًا من تخفيفها. ووفقًا للهلال الأحمر الإيراني، قُتل ما لا يقل عن 555 شخصًا في الضربات الأخيرة، بمن فيهم ضحايا هجمات مزعومة على مدرسة للبنات ومستشفى.

إن مركز القاهرة يرفض بشكل قاطع أي تدخل عسكري أجنبي بهدف تغيير نظم الحكم. فالتصعيد العسكري لن يفضي أبدًا إلى الديمقراطية أو حقوق الإنسان. وفي المقابل، يؤكد المركز دعمه الثابت للتطلعات الديمقراطية للشعب الإيراني ولجميع شعوب المنطقة. ويشدد على أن حماية المدنيين يجب ألا تخضع لمنافسات جيوسياسية أو حسابات هيمنة. وأن إنهاء الإفلات من العقاب، واحترام القانون الدولي، ووضع حقوق وكرامة جميع شعوب المنطقة في صميم المبادرات، هي المسارات المستدامة الوحيدة نحو السلام والاستقرار.

Share this Post