بعد أربعة أشهر من سقوط نظام الأسد، تقف سوريا على أعتاب مرحلة جديدة محفوفة بالآمال والمخاطر. كان هذا محور نقاش ندوة صالون بن رشد الذي نظمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان هذا الشهر، تحت عنوان «سوريا بين شبح التفكك والتعافي وتحديات المشرق العربي المضطرب». في هذه الندوة استضاف الصالون الدكتور عبد الرحمن الحاج، الباحث في الحركات الإسلامية والمستشار السابق في الحكومة السورية المؤقتة ومدير مركز الذاكرة السورية، والأستاذ عروة عجوب؛ المحلل السياسي السوري وباحث الدكتوراه حول الخطاب الديني للجماعات الجهادية بجامعة مالمو السويدية. إذ قدم الضيفان قراءتهما لمستقبل سوريا الداخلي وتأثيره على خريطة التحالفات الإقليمية، فيما أدر الحوار الحقوقي التونسي مسعود الرمضاني.
افتتح الدكتور الحاج حديثه بنبرة متفائلة محفوفة بحذر، مؤكدًا أن هناك معطيات إيجابية إلى حد ما لا يمكن تجاوزها في سوريا اليوم، كما أن ثمة معطيات أساسية ثابتة، لا يمكن لأي سلطة تصل للحكم تجاوزها، تعزز فرص التغيير الإيجابي. ولعل أهم هذه المعطيات هي أن «سوريا دولة جمهورية، لا يمكن تحويل هذه الدولة الجمهورية إلى نموذج آخر، وهذا الواقع الجمهوري يفرض بالضرورة وجود مسار ديمقراطي، يقتضي وجود أحزاب، وقانون منظم للانتخابات وحريات مكفولة للتعبير والانتخاب إلى آخره. إذًا المسار موجود وإن كان شكله النهائي لا يزال قيد التشكل».
وأضاف الحاج، صحيح أن المعطيات الأولى مقلقة نوعًا ما، فالإعلان الدستوري يشير إلى سلطات مُركّزة بيد رئيس الدولة، لكن هذا الأمر –حسب الحاج– طبيعي نوعًا ما في المرحلة الانتقالية لدولة عاشت أحداث وصراعات دامية عسكرية وانتقلت لنظام جديد أيضًا عبر عمليات عسكرية. وتابع: «نحن اليوم لا نتحدث عن نظام سياسي، لكن نتحدث عن مرحلة انتقالية سوف تخلق نظامًا سياسيًا دائمًا، هذا النظام السياسي الدائم سوف يمر بالتأكيد عبر مسألة الأحزاب وعبر لجنة تأسيسية للتفاوض مع طوائف المجتمع السوري المتنوعة، حول القضايا ذات الحساسية وعلى رأسها موضوع الدين والدولة ودور كل طائفة في إدارة البلاد».
في المقابل، قدم الأستاذ عجوب رؤية أكثر حذرًا، معتبرًا أن المشهد لا يزال غامضًا وأن العديد من الاتفاقات، كاتفاق القيادة الجديدة مع قوات سوريا الديمقراطية، يحمل في طياته الكثير من نقاط الاستفهام. فبحسب عجوب، صحيح أنها كانت لحظة تاريخية بالفعل لكل السوريين حين جلس للمرة الأولى مظلوم عبدي مع أحمد الشرع يوقعون اتفاق، لكن «الشيطان يكمن في التفاصيل»، فالاتفاق غامض نوعًا ما، لا حديث عن نزع السلاح، لا نعرف ماذا عن الأجهزة الأمنية، وعن المؤسسات. هل سيتم دمج الأجهزة والمؤسسات في شمال شرق سوريا مع مثيلاتها في دمشق؟ علمًا بأنه حتى بعد الاتفاق استمر الطيران التركي بقصف مواقع قسد، واستمرت الاشتباكات بين الجيش الوطني وقسد. ويتابع؛ أتصور أن هناك جناح داخل قسد يؤيد الاتفاق، بينما جناح أخر، تحديدًا المجلس السوري الديمقراطي، يرفض أو ربما يتشكك في جدوى هذا الاتفاق، وخاصة بعد الإعلان الدستوري. وبالمثل أتصور أن السويداء تنتظر نتائج اتفاق قسد، وقسد تنتظر اتفاقًا مع السويداء، والسويداء تنتظر اتفاقًا مع درعا، الجميع مترقب نتائج توقيع مثل هذا الاتفاقات مع القيادة السورية الجديدة وعن أي نتائج ستسفر؟
تطرق عجوب أيضًا للبعد الإقليمي لهذا الاتفاق متسائلًا عن ردة الفعل الأمريكي على الاتفاق، هل سينسحب الجيش الأمريكي من سوريا؟ هل سيتغير موقف أمريكا إزاء سوريا؟ واختتم: «أعتقد من المبكر الحديث عن جدوى هذا الاتفاق، خاصة أن الأمر مرتبط بشكل كبير بالأمريكان من جهة، ومدى رغبة الشرع في توحيد البلاد من جهة أخرى».
أما بشأن تداعيات تطورات الوضع في سوريا على الصعيد الإقليمي، أكد الحاج أن سقوط نظام الأسد أحدث تغييرات استراتيجية كبرى، أهمها كسر «الهلال الإيراني» وإضعاف نفوذ طهران في المنطقة بشكل كبير، مما انعكس مباشرة على وضع حلفائها في لبنان والعراق. كما رأى أن تركيا، الشريك الرئيسي للمعارضة سابقًا، أمامها الآن فرصة تاريخية لتعزيز دورها كقوة إقليمية من خلال المساعدة في إعادة بناء الجيش السوري وتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
بينما ركز عجوب على فاعل أخر في المنطقة هو إسرائيل، وتداعيات الحكم الجديد في سوريا على سياساته. واعتبر عجوب أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي ادعت إسرائيل أنها تستهدف فقط محاصرة النفوذ التركي في سوريا، تهدف أيضًا إلى ضمان بقاء سوريا دولة غير قادرة على تهديد أمن إسرائيل مستقبلًا. ولعل هذا يفسر لماذا استهدفت الضربات الإسرائيلية، بمجرد دخول الشرع دمشق، ما يقارب 70 إلى 80% من السلاح المتطور السوري. هذه رسالة واضحة أننا ندرك أن الشرع تغيرت عقيدته، لكنه لا يسيطر على كل الفصائل المسلحة، ولن يستطيع بسط سيطرته على كل هذه المعدات العسكرية، وبالتالي كإجراء احتياطي على إسرائيل ضمان أن هذه الأسلحة لن تستخدم من قبل أي جماعه خارجة عن سيطرة الشرع. وأضاف: «الإسرائيليون يعتقدون الآن أن الفرصة سانحة إقليميًا لتحصيل أكبر المكاسب على الصعيد العسكري والأمني».
شاهدوا الندوة كاملة هنا:
للاستماع إلى بودكاست الندوة، هنا:
Share this Post

