في ختام الجلسة الـ 61 لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة؛ يحذر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان من أن بنية القانون الدولي مهددة بالانهيار بسبب المساءلة الانتقائية والعصف بالقانون الدولي. فطالما استمرت الدول الأعضاء في تحصين حلفائها من المساءلة وعرقلة تنفيذ الالتزامات الدولية الملزمة، ستواصل الأزمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التصاعد، مما يسفر عن عواقب كارثية تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.
انعقدت هذه الجلسة في سياق حالة من عدم الاستقرار الإقليمي العميق. فقد دفعت الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026 بمنطقة الشرق الأوسط إلى دورة جديدة ومدمرة من العنف، يتحمل المدنيون فيها العبء الأكبر. فضلاً عن تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وتوسع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وسوريا ولبنان، وتصاعد الضربات العسكرية الإيرانية في مختلف أنحاء المنطقة. ورغم الترابط الوثيق بين هذه الأوضاع، شهدت الجلسة نقاشًا عاجلاً لكل منهم بصورة منفصلة، في نهج مجزأ أضعف من فهم الديناميات الإقليمية الأوسع ولم ينجح في اتخاذ إجراءات كافية لحماية الضحايا وتعزيز سيادة القانون. كما اعتمد المجلس، دون تصويت، قرارًا قدمه مجلس التعاون الخليجي والأردن بشأن التصعيد العسكري الإقليمي الجاري، يدين الأعمال العسكرية الأخيرة المنسوبة إلى إيران باعتبارها "غير مبررة"، متغافلاً كون هذه الهجمات ليست أحداثًا معزولة، بل تطورات مترابطة تعود إلى نمط إقليمي راسخ وطويل الأمد من الإفلات من العقابعلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان.
وكان مركز القاهرة قد أعرب في كلمته أمام المجلس أن المعايير المزدوجة وغياب المساءلة كرسا دوامة العنف في أنحاء المنطقة. فمن طهران إلى دبي، ومن بيروت لغزة، الشعوب محاصرة في حرب متصاعدة لم تخترها، تقودها جهات تتجاهل بشكلٍ متكرر القانون الدولي. وطالب المركز المجتمع الدولي بتدخل حاسم وعاجل يحمي المدنيين ويكبح جماح التصعيد المطرد، والتعليق الفوري لنقل الأسلحة إلى كل الأطراف التي تنتهك القانون الدولي. كما أكد في بيان أخر على أهمية تنفيذ أوامر القبض الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مسئولين إسرائيليين ومسئولين في حركة حماس دون استثناء، مشيرًا إلى أن الانتهاكات في الأرض الفلسطينية المحتلة لم تعد تحتمل لغة دبلوماسية مخففة بعدما أكدت نتائج تحقيقات الأمم المتحدة وخبرائها تورط إسرائيل في ارتكاب جريمة إبادة جماعية، فضلاً عن التجويع المتعمد للشعب الفلسطيني.
وفي السياق نفسه، يرحب المركز باعتماد قرارات أممية تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لا سيما في ظل استمرار تصاعد العنف وتوسع الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. مجددًا تضامنه مع المجتمع المدني الفلسطيني المتمسك بالقانون الدولي في مواجهة ما ترتكبه إسرائيل من إبادة جماعية وفصل عنصري بحق الشعب الفلسطيني. لكنه يأسف في الوقت نفسه، لعدم تطرق نقاشات الجلسة لأزمة النزوح الحادة في لبنان، حيث تعرض ما لا يقل عن مليون شخص- أي ما يقارب خُمس سكان لبنان- للتهجير القسري بسبب الهجمات الإسرائيلية خلال أسبوعين فقط. المركز يجدد دعوته للأمم المتحدة لقيادة مبادرة شاملة للسلام والأمن لمنع مزيد من التصعيد، ومعالجة الأسباب الهيكلية لعدم الاستقرار في المنطقة، مع إعطاء الأولوية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأرض الفلسطينية والأراضي اللبنانية والسورية.
شهدت هذه الجلسة أيضًا تطورات مهمة بشأن سوريا. إذ صدر القرار بتجديد ولاية لجنة التحقيق بشأن سوريا لمدة عام واحد دون تصويت، وتوسيع ولايتها لتشمل دعم بناء القدرات التقنية إلى جانب دورها التحقيقي. الأمر الذي اعتبره مركز القاهرة خطوة مهمة نحو انتقال شامل وعادل ومستدام لجميع السوريين، مرحبًا بشكل خاص باعتراف القرار بدور المجتمع المدني في هذا الانتقال، مؤكدًا ضرورة أن تستند أي عملية تقييم مستقبلية لعمل اللجنة إلى معايير موضوعية قائمة على الأدلة ومرتبطة بتحسن ملموس في حالة حقوق الإنسان، وأن تتم بالتشاور مع منظمات المجتمع المدني السورية.
قدمت أيضًا لجنة التحقيق الأممية تقريرها بشأن أحداث السويداء، والذي كشف عن انتهاكات مروعة بحق المدنيين الدروز، بما في ذلك عمليات قتل خارج نطاق القانون أثناء مداهمات المنازل، والعنف الجنسي، والتعذيب، والتمثيل بالجثث، والتدمير المنهجي للمواقع الدينية والثقافية. ورغم مرور 8 أشهر على هذه الأحداث المروعة، ما زال الجناة من قوات الحكومة السورية والميليشيات القبلية بمعزل عن أي مساءلة.
كان مركز القاهرة قد نظم ندوة عامة على هامش فعاليات الجلسة شارك فيها مدافعون بارزون وممثلون عن المجتمع المدني السوري، حول فرص المحاسبة وإنصاف الضحايا في سوريا، إذ تطرق النقاش إلى تحديات استقلال القضاء السوري، وأسباب فشل هيئة العدالة الانتقالية، واستمرار أزمة ضحايا الإخفاء القسري. الندوة شارك فيها أعضاء من لجنة التحقيق الأممية بشأن سوريا إلى جانب رؤساء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة والآلية الدولية المستقلة للتحقيق بشأن ميانمار.
وإذ يأسف مركز القاهرة لعدم تطرق نقاشات هذه الجلسة للأوضاع الإنسانية المتأزمة في اليمن، لا سيما في ظل التطورات الأخيرة وتصاعد الخلاف بين السعودية والإمارات، ركز المركز خلال ندوة عامة نظمها في جنيف على هامش الجلسة، على أزمة مراكز الاحتجاز السرية، التي بدأت السلطات الاعتراف بوجودها مؤخرًا، وحجم الانتهاكات المفزعة المرتكبة داخلها بمعزل عن أي محاسبة، مستندًا في ذلك إلى تقريره الأخير حول سجن "قاعة وضاح" في عدن، والذي كشف عن نمط مرعب ومكرر من الخطف، والإخفاء، والتعذيب والاعترافات القسرية في أماكن احتجاز سرية حسب شهادات موجعة من عائلات المختطفين.
مجلس حقوق الإنسان #HRC61
— CIHRS (@CIHRS_Alerts) March 1, 2026
تقرير مشترك لمركز القاهرة ورابطة أمهات المختطفين يستعرض عن التعذيب، الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري في «قاعة #وضاح» في عدن ومراكز سرية أخرى.#لا_للإفلات_من_العقاب #نشتي_نعيش
رابط التقرير: https://t.co/IAMQke7OgS@abducteesmother @GulfCentre4HR… pic.twitter.com/tgbjUOyAJc
خلال هذه الجلسة أيضا، تم تجديد ولاية المقرر الخاص المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان لمدة ثلاث سنوات، وتمديد ولاية المقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، فضلاً عن اعتماد قرارٍ بشأن حرية الدين أو المعتقد. و ثّمن المركز الضوابط الجديدة لتعريف (الإرهاب) التي أشار لها المقرر الخاص المعني بمكافحة الإرهاب، مؤكدًا أن التعريفات الواسعة للإرهاب تقوض الأمن بدلًا من تعزيزه، ويتم توظيفها للانتقام من المدافعين عن حقوق الإنسان في مختلف بلدان المنطقة. كما شدد المركز في ندوة نظمها المقرر الخاص ومكتب المفوض السامي، أنه دون إلزام الدول ومحاسبة الجناة وتفكيك أدوات القمع لا منفعة من ضبط التعريفات، داعيًا الدول إلى اعتماد التعريف المنقح لـ (جرائم الإرهاب) الذي قدمه المقرر الخاص وضمان تطبيقه.
جدير بالذكر، أن هذه الجلسة تأتي في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة ما وصفه الأمين العام بأنه انهيار مالي وشيك. وحتى 24 مارس 2026، لم تسدد سوى 94 دولة عضو مساهماتها في الميزانية العادية لعام 2026، مما يترك الأمم المتحدة عاجزة عن أداء مهامها بفعالية، في وقت تتزايد فيه النفقات العسكرية عالميًا. وقد كان لأزمة التمويل آثار مباشرة على عمل المجلس. إذ أعرب مركز القاهرة، إلى جانب ائتلاف من منظمات المجتمع المدني في رسالة مشتركة عن قلقهم البالغ بشأن مقترحات تقليص تقارير الإجراءات الخاصة المقدمة إلى الجمعية العامة. مؤكدين أن أي تقليص في وتيرة التقارير من شأنه أن يضعف الرقابة، ويقلل الاهتمام السياسي بالقضايا الحقوقية الحرجة، ويقوض منظومة المساءلة. ويؤكد المركز مجددًا أن الاستثمار في حقوق الإنسان ليس التزامًا اختياريًا، بل شرطًا مسبقًا لتحقيق السلام.
Share this Post

