في ليبيا، تتعرض كوادر السلطة القضائية بشكل مستمر للاغتيال، والخطف، والاحتجاز التعسفي، والهجمات المسلحة، إذ شكلت هذه الممارسات السياق الذي تعمل في ظله السلطة القضائية منذ 2012 وحتى الآن. هذه الجرائم تبقى غالبًا بمعزل عن التحقيق أو المحاسبة على نحو يرسّخ الإفلات من العقاب ويغذي حالة عدم الاستقرار في ليبيا، في ظل مشهد قانوني متآكل ومتشرذم على نحو خطير.
من هذا السياق جاءت نقطة الانطلاق لتقرير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: "القوة فوق القانون: الجماعات المسلحة وانهيار العدالة في ليبيا". والذي يوثق الاستحواذ التدريجي للجماعات المسلحة على مسار العدالة بكل مراحله؛ بدءً من القبض والتحقيق، وصولًا إلى الاحتجاز والمحاكمة وتنفيذ الأحكام. فعلى مدى أكثر من خمسة عشر عامًا، منذ الإطاحة بحكم القذافي الاستبدادي، تعمل السلطة القضائية في ليبيا في مناخ يتسم بانعدام الأمن، والانقسام، والتدخل المنهجي.
"لم يقتصر الأمر على إضعاف السلطة القضائية فحسب، بل إخضاعها بشكل منهجي ومستمر لسلطة مسلحة أو سياسية. فإذا لم يتحرر القضاء من هيمنة الجماعات المسلحة، لن تنجح أي مساعي للعدالة- وطنية أو دولية- من تحقيق نتائج مستدامة".
زياد عبد التواب، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
في تقريره، استند المركز إلى مجموعة من المقابلات مع قضاة، ومحامين، ووكلاء نيابة، وضحايا، وخبراء قانونيين، فضلاً عن تحليل نصوص لأحكام قضائية ووثائق رسمية. وقد خلص إلى أن الجماعات المسلحة تشرف في كثير من الأحيان على عمليات القبض، وتتحكم في مرافق الاحتجاز، وجمع الأدلة. ونادرًا ما يتمكن وكلاء النيابة من الوصول للمحتجزين أو التحقق من الاعترافات المنتزعة منهم تحت الإكراه والتعذيب. هذا بالإضافة إلى استهداف واقتحام مقار المحاكم، وإجبار القضاة على التنحي عن مباشرة القضايا الحساسة، وتعطيل جلسات المحاكمة تحت تهديد السلاح. ففي يوليو 2025، حاصر مسلحون ملثمون محكمة أبو سليم للأحوال الشخصية في طرابلس، وفتحوا النار على رواد المبنى، وأجبروا القضاة على وقف الجلسات. ولا يُعد هذا الحادث استثنائيًا، بل يندرج ضمن نمط متكرر من الهجمات الممتدة لأكثر من عقد في مختلف أنحاء البلاد.
هذه الهجمات والانتهاكات المستمرة بحق السلطة القضائية تأتي في سياق دولة منقسمة بين سلطتين متنافستين. ففي الشرق، يهيمن خليفة حفتر عسكريًا واقتصاديًا على برقة وفزان. وفي الغرب، تحظى حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باعتراف سياسي، لكنها تفتقر إلى احتكار استخدام القوة. الأمر الذي يؤدي إلى استمرار التشرذم والانقسام، واندلاع مواجهات متقطعة بين الشرق والغرب، وتشكيل مؤسسات موازية.
أما الجماعات المسلحة فقد أندمج العديد منها داخل هياكل الدولة (السلطة) شرقًا وغربًا، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي. فارتبط بعضها بوزارات الدفاع والداخلية والعدل، وتم تكليفها بمهام إنفاذ القانون، مثل القبض والاحتجاز ونقل السجناء. وفي المقابل استغلت هذه الجماعات السلطات الممنوحة لها في ممارسة الإكراه وبناء شبكات النفوذ السياسي، دون رقابة قانونية. وفي ظل هذا النظام المنقسم، أضحت سلطة القضاء مرهونة إلى حد كبير بحجم نفوذ الجماعة المسلحة المسيطرة في نطاق عملها.
التقرير يسلط الضوء أيضًا على أثر هذا الانقسام السياسي في تشكيل أنظمة متداخلة ومتنافسة؛ لا تعتد بالأحكام القضائية الصادرة وفق إجراءات قانونية، بل تتحدد فيها الأحكام وفق توازن القوى بين الفاعلين المسلحين ورعاتهم السياسيين ومموليهم. ومدى افتقار المحاكم والنيابات، رغم تكليفها بإنفاذ القانون، إلى السيطرة على الآليات الأساسية لتحقيق العدالة، مثل احتجاز المتهمين، وتنفيذ أوامر القبض، وحماية العاملين في القضاء.
التقرير يتطرق أيضًا إلى دور السياسات الدولية في تعزيز هذا الواقع المقلق؛ إذ أدى التعاون مع السلطات الليبية في ملفات الهجرة والأمن إلى تمكين الجماعات المسلحة دون ضمان خضوعها للمساءلة أمام المؤسسات القضائية. فعلى سبيل المثال أدى إفراج إيطاليا عن أسامة المصري النجيم، الرئيس السابق للشرطة القضائية والمطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، وإعادته إلى ليبيا، إلى تقويض آليات العدالة الدولية ومصداقية القضاء الليبي. وفي المقابل، يُوكد تسليم ألمانيا في ديسمبر 2025 لخالد محمد علي الهشري، أحد قيادات قوة الردع المسلحة، إلى المحكمة الجنائية الدولية أن تنفيذ العدالة ممكن إذا توافرت الإرادة السياسية.
وفي مواجهة هذه التحديات الهيكلية، قدم تقرير المركز توصياته للسلطات الليبية بضرورة تفكيك أنظمة الاحتجاز الموازية التي تديرها الجماعات المسلحة، وإعادة هيكلة الشرطة القضائية وتوفير الموارد الكافية لها، وإعطاء الأولوية لملاحقة الجرائم المرتكبة بحق العاملين في السلطة القضائية. كما دعا الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى ربط التعاون مع المؤسسات الأمنية الليبية باتخاذ خطوات ملموسة وقابلة للتحقق للحد من دور الجماعات المسلحة في إنفاذ القانون.
وقد أكدت التطورات الأخيرة إلحاح هذه الدعوات؛ فبعد اغتيال عبد الغني الككلي (غنيوة)، قائد جهاز دعم الاستقرار، في مايو 2025، عُثر على أكثر من 80 جثة في مواقع احتجاز يديرها الجهاز في طرابلس. وفي تعليقه قال المفوض السامي للأمم المتحدة فولكر تورك: "تتحقق أسوأ مخاوفنا؛ إذ عُثر على عشرات الجثث في هذه المواقع، إلى جانب أدوات يُشتبه في استخدامها في التعذيب وسوء المعاملة، وأدلة محتملة على عمليات قتل خارج نطاق القانون". منذ ذلك الحين، شكلت حكومة الوحدة الوطنية لجان تحقيق واتخذت خطوات أولية لبسط السيطرة على مرافق الاحتجاز التي تديرها الجماعات المسلحة. كما أعلنت قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية حتى عام 2027. ورغم الإقرار بضرورة وأهمية هذه الخطوات، يحذر المركز من أنها تظل غير كافية دون تحول هيكلي شامل؛ إذ لا يمكن للمواجهة الانتقائية مع الجماعات المسلحة أن تحل محل المساءلة القضائية المنهجية.
فمن دون جهود شاملة لإعادة ترسيخ سلطة المحاكم والنيابات على مسار العدالة، ستُهدر الفرصة الراهنة، وستظل محاولات تعزيز سيادة القانون هشة وغير مكتملة، كما كانت على مدى نحو 15 عامًا.
«القوة فوق القانون»
الجماعات المسلحة وانهيار القضاء في ليبيا
ملخص تنفيذي
«إذا أراد وكيل النيابة احتجازك بينما الردع لا تريد ذلك، فلن يتم احتجازك. وإذا أرادت الردع احتجازك، فسيتم احتجازك. لا توجد سلطة فوق الردع.»
م. أ. س ، ضحية احتجاز تعسفي من قبل قوة الردع.
يبرهن هذا التقرير على تغلغل الجماعات المسلحة وتدخلها في منظومة العدالة في ليبيا، في وقتٍ أفرز فيه التشظي السياسي نظمًا قانونية متعددة قوضت استقلال القضاء. فباتت الجهات القضائية الفاعلة تعمل في بيئة تفتقر للأمن، وتتسم بالفوضى المؤسسية والتدخل السياسي.
يضع التقرير تصورًا مفاهيميًا لهيمنة الجماعات المسلحة والتشظي السياسي وتفكك الوحدة الإقليمية بوصفها ديناميكيات متضافرة يعزز بعضها بعضًا. إذ تسبب غياب الوحدة الإقليمية في تعدد مراكز السلطة التي تعتمد على جماعات مسلحة لإنفاذ قراراتها. وفي المقابل، عزز تمكين هذه المجموعات المسلحة وإفلاتها من العقاب من الانقسامات الإقليمية والسياسية، مما يحول دون بزوغ أسس قانونية ومؤسسية ورقابية موحدة. ومن ثم، فالتشظي وسطوة هذه الجماعات المسلحة ليست مجرد مشكلات مترابطة، وإنما يضمن كل منهما بقاء الأخر، في دورة متجددة وممتدة.
وفي خضم هذه المعضلة، يرزح القضاء تحت وطأة التبعية. فبينما يٌفترض أن تتولى المحاكم والنيابات رسميًا مهمة إنفاذ القانون، إلا أنها تفتقر للسيطرة الفعلية على المقومات اللازمة لإتمام هذه المهمة، والتي تنطوي على؛ تأمين المنشآت، احتجاز المشتبه فيهم، تنفيذ الأوامر القضائية، وحماية الكوادر العاملة في المنظومة القضائية. بل باتت السلطة القضائية رهينة لتوازنات القوى المحلية، وحدود السيطرة الجغرافية، وموافقة المجموعات المسلحة. ولا تقتصر مظاهر هذه التبعية على التدخل المباشر فحسب، بل تمتد لتشمل اختلالات مؤسسية؛ كاضطراب الاختصاص القضائي والعصف بالمعايير القانونية.
وفي هذا السياق، يوضح التقرير كيف يتم تجاهل السلطة القانونية تحت وطأة القوة القسرية للجماعات المسلحة من جهة، وحالة الانقسام السياسي من جهة أخرى، مما يعيد صياغة مسار العدالة بدءً من القبض وصولاً إلى تنفيذ الأحكام. وذلك بالاستناد إلى مقابلات مع فاعلين في الجهات القضائية وضحايا، وتحليل الأحكام والقرارات التنفيذية وغيرها من الوثائق.
الجماعات المسلحة في ليبيا
منذ أكثر من عقد، انقسمت ليبيا بين مركزين متنافسين للسلطة. ففي الشرق، يبسط خليفة حفتر، الضابط السابق في جيش القذافي، هيمنة عسكرية واقتصادية. بعدما شكّل نظامًا قسريًا مركزيًا في أنحاء برقة (الشرق) وفزان (الجنوب). أما في الغرب، فقد حظيت حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة ويرأسها حاليًا عبد الحميد الدبيبة، بشرعية سياسية دون احتكارها لأدوات العنف، مما أدى إلى استمرار حالة الانقسام، واشتباكات مسلحة من حين لآخر، وبقاء المؤسسات الموازية. ولم يحقق أي طرف سيطرة كاملة على الأرض أو اعترافًا دوليًا شاملًا.
أما المشهد الأمني في ليبيا فيتسم بوجود عشرات المجموعات المسلحة ذات الأصول والوظائف والوضعيات القانونية المتنوعة. تشّكل بعضها خلال انتفاضة 2011 ضد نظام القذافي كتشكيلات ثورية أو دفاع محلي، بينما تشكلت وتعززت مجموعات أخرى خلال المرحلة الانتقالية اللاحقة استجابًة للانفلات الأمني المستمر والانقسام السياسي. وبمرور الوقت، بسطت هذه المجموعات المسلحة سلطة الأمر الواقع، سواء كجهات فاعلة مندمجة رسميًا أو بشكل غير رسمي في مؤسسات الدولة. وارتبط العديد منها رسميًا بوزارات الدفاع أو الداخلية أو العدل، أو اندمجت فيها، وكُلفت بوظائف إنفاذ القانون الأساسية؛ بما في ذلك الاعتقال والاحتجاز وإدارة المنشآت وحماية المحاكم ونقل السجناء.
هذا التهجين اتضح بشكل خاص في مجال مراقبة الهجرة. إذ أضحى لجماعات مسلحة مثل قوة الردع الخاصة في طرابلس، وجهاز دعم الاستقرار، ومجموعات تابعة للجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا، أدوارًا مركزية في اعتقال المهاجرين، وإدارة مرافق الاحتجاز، وتنفيذ عمليات الاعتراض أو النقل، بالتعاون مع سلطات الدولة والشركاء الدوليين. هذه الأدوار، التي غالبًا ما توضع في إطار تدابير أمنية أو إدارة للحدود، عززت القوة القسرية للجماعات المسلحة، لا سيما أنها تحدث في ظل رقابة قضائية محدودة.
إن التعاون والتداخل المعقد بين الجماعات المسلحة وأجهزة الدولة يجعل من الصعب فصل تدخلات القطاع الأمني عن السلطة القضائية، كما يقوض الجهود الرامية لاستعادة السيطرة الفعلية للقضاء على منظومة العدالة بأكملها.
تدخل الجماعات المسلحة في النظام القضائي
يواجه الفاعلين في النظام القضائي الليبي تهديدات، وعمليات اختطاف، واعتداءات جسدية، وهجمات قاتلة. وحتى في الحالات التي تظل فيها الدوافع غير مثبتة، تترك هذه الحوادث أثرًا ترهيبيًّا عميقًا. وبحسب وكلاء نيابة وقضاة، في الشرق والغرب، تؤثر المخاطر التي قد يتعرضون لها على استقلال الأحكام والممارسات القضائية. لذا يفكرون مليًّا قبل إصدار أوامر الإفراج، أو قبول القضايا الحساسة أو متابعتها، أو تحدي الجهات الفاعلة النافذة. فعلى سبيل المثال، انحرفت الشرطة القضائية، التي يُفترض أن تضمن سلامة الموظفين أو المحتجزين، عن مهمتها الأساسية وعملت كجماعة مسلحة شبه مستقلة.
تتحكم الجماعات المسلحة فعليًا في مسار العملية القضائية. فغالبًا ما يُحتجز المواطنون والمقيمون والمهاجرون دون اتباع الإجراءات القانونية، ويتم استجوابهم في مرافق تابعة للجماعات المسلحة أو مقار الأجهزة الأمنية، ولا يحالون للسلطة القضائية إلا عندما يكون ذلك ملائمًا سياسيًا. وفي بعض الحالات الموثقة، استندت أحكام المحاكم إلى مقاطع مسجلة لاستجوابات واعترافات أعدتها هذه الجماعات، رغم وضوح انتزاعها بالإكراه وخارج نطاق الرقابة القضائية. كما تتقوّض الإجراءات القانونية الواجبة بدرجة أكبر جراء الهجمات المسلحة على دور المحاكم، والتدخل في سير الجلسات، والتطبيق التعسفي للقرارات القضائية.
على الجانب الأخر، دأبت قيادات الجماعات المسلحة والشخصيات ذات النفوذ السياسي على التهرّب بشكل روتيني من مذكرات الاعتقال وتجاهل الأوامر القضائية، أو استصدار قرارات الإفراج عبر قنوات غير رسمية. فبينما لا يزال بعض المعتقلين محتجزين رغم صدور أحكام قضائية تقضي بإخلاء سبيلهم؛ يفلت آخرون من الاحتجاز تمامًا عبر ترتيبات تفاوضية أو بفضل الحماية التي توفرها لهم المجموعات المسلحة. ولعل القضايا البارزة، بما في ذلك تلك المتعلقة بجرائم الحرب المزعومة أو الإخفاء القسري أو الفساد، تسلط الضوء بشكل أكبر على مدى استناد النتائج القانونية إلى ما يملكه الشخص من نفوذ عسكري أو سياسي أو مادي.
أسفر هذا الواقع بشكل كبير عن إضعاف القضاء الليبي وأسهم في تجزئته. وبسبب الانقسام السياسي والجغرافي، تم الزج بالمؤسسات القضائية في الصراعات بين هياكل السلطة المتنافسة. فباتت المحاكم في كل منطقة مجبرة على اتباع خطوط السيطرة التي تفرضها الجماعات المسلحة المسيطرة على الأرض، والتي تعمل كقوة ضاربة خلف السلطات السياسية المتناحرة. ونتيجة لذلك، بات القانون والاختصاص القضائي والحوكمة القضائية في ليبيا تعكس، على نحو متزايد، الجغرافيا والقوة المسلحة بدلًا من أن تعبر عن نظام قانوني وطني موحد.
هذا التشظي يتجلى بوضوح أيضًا في النزاع الدستوري القائم في ليبيا. فبدلًا من اعتراف كافة الأطراف بسلطة دستورية موحدة، أدت كل محاولات تسوية هذه المسألة إلى مقاومة سياسية ومزيد من الانقسام. وبمرور الوقت، لم تعد الأسئلة الدستورية تُعالج عبر المحاكم، وإنما باتت جزءً من صراع سياسي أوسع. ومنذ 2022، أضحى هناك هيئتين متنافستين تدعي كل منهما الحق في إصدار الأحكام الدستورية النهائية.
التطورات الوطنية والدولية الراهنة
يأتي هذا التقرير في وقت انتقل فيه القضاء الليبي من كونه ضحية للصراع ليصبح ساحة مركزية للصراعات المستمرة بين القوى المتنافسة حول؛ شرعية استخدام القوة، والمساءلة القضائية، وسلطة الدولة. فقد أدى اغتيال عبد الغني الككلي (غنيوة)، رئيس جهاز دعم الاستقرار، في 12 مايو 2025، داخل مقر جماعة اللواء 444 المسلحة، إلى اندلاع اشتباكات مسلحة في مختلف أنحاء طرابلس. وكشف هذا الحادث عن مدى استمرار تركز القوة القسرية في ليبيا في أيدي مجموعات مسلحة مندمجة داخل هياكل الدولة الصورية. والأهم أن تداعيات عملية القتل هذه وضعت القضاء نفسه في قلب الاستجابة السياسية؛ وهو ما يعد انعكاسًا صارخًا لكيفية اصطدام واقع سطوة الجماعات المسلحة بالعملية القضائية.
وفي الأيام التي تلت الواقعة، أكد النائب العام ورئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة علنًا الدور الدستوري للقضاء وضرورة استعادة سلطة الدولة على «الجماعات غير النظامية». غير أن هذا الخطاب لا ينسجم مع ممارسات الحوكمة التي لا تزال تعتمد على مجموعات مسلحة مختارة لتوفير الأمن وإنفاذ القانون. ويحذر مركز القاهرة من أن محاولات تفكيك الجماعات المسلحة أو مواجهتها خارج إطار قانوني واضح تخاطر بإعادة إنتاج أنماط المحاسبة الانتقائية ذاتها، وعنف الانتقام، والإفلات من العقاب؛ وهي العوامل التي طالما أفرغت نظام العدالة في ليبيا من مضمونه.
هذه التوترات المحلية تتفاقم أيضًا بفعل البيئة الدولية المحيطة بليبيا، والتي تطالب بالمحاسبة من جهة، بينما تعزز الديناميكيات التي تقوض السلطة القضائية من جهة أخرى. فمن ناحية، ازدادت الضغوط القضائية الدولية بشكل ملحوظ. إذ أعادت المحكمة الجنائية الدولية تفعيل ملف ليبيا عبر مذكرات اعتقال مرتبطة بجرائم ارتُكبت في مرافق احتجاز تديرها جماعات مسلحة، بما في ذلك قضية «خالد محمد علي الهيشري»، أحد كبار المسئولين عن سجن معيتيقة، حيث تعرض المحتجزون لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (بما في ذلك التعذيب، والمعاملة القاسية، والعنف الجنسي، والقتل). وتشير وثائق المحكمة الجنائية الدولية إلى أن السلطات الألمانية اعتقلت الهيشري في 16 يوليو 2025 بناءً على مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة في وقت سابق من الشهر نفسه؛ في إشارة جيدة لتنامي جهود المحاسبة عبر آليات دولية، في قضايا مرتبطة بمرافق الاحتجاز التابعة للجماعات المسلحة.
بينما على الجانب الأخر، أدت سياسات التعاون الدولي، لا سيما المتعلقة بمراقبة الهجرة، في كثير من الأحيان إلى تمكين جماعات مسلحة وجهات فاعلة أمنية تعمل خارج نطاق الرقابة القضائية الفعلية. فقد عززت ترتيبات التعاون الأوروبي مع السلطات الليبية في غرب ليبيا وشرقها على حد سواء من قوة المجموعات المسلحة المتورطة في الاعتقال والاحتجاز ومراقبة الحدود دون توفير ضمانات خضوعها للمؤسسات القضائية. ولعل قضية القائد السابق للشرطة القضائية «أسامة المصري نجيم» تعكس هذا التضارب؛ إذ أُطلِق سراحه في إيطاليا رغم كونه مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية وأُعيد إلى ليبيا بدلًا من نقله إلى لاهاي، على نحو يقوض بشكل مباشر آليات العدالة الدولية ومصداقية القضاء الليبي معًا.
هذه الديناميكيات مجتمعة تعزز الحجة المركزية لهذا التقرير؛ فبينما يعد القضاء ركيزة أساسية لاستقرار ليبيا وترسيخ سيادة القانون، يبقى مقيدًا بنيويًا بممارسات القطاع الأمني والسياسات الدولية التي لا تزال تُرجح القوة القسرية للجماعات المسلحة على حساب مسار العدالة؛ بدءً من القبض والاحتجاز وصولًا إلى جمع الأدلة والمحاكمة وتنفيذ الأحكام.
التوصيات الرئيسية
لمعالجة العوامل الهيكلية التي تعزز التدخل في سلطة القضاء، والموثقة في هذا التقرير، لا بد من إجراءات حاسمة.
أولاً، ينبغي على السلطات الليبية وأصحاب المصلحة الدوليين التعامل والاعتماد فقط على القوى الأمنية التي تلتزم بالقوانين وتخضع للمدنيين المنتخبين بشكل شرعي؛ والكف عن اللجوء إلى جهات فاعلة مسلحة مختارة كجهات إنفاذ مؤقتة لسلطة الدولة. وبغض النظر عن انتمائها الحالي أو اصطفافها السياسي المتصور، يجب التعامل مع جميع المجموعات المسلحة على قدم المساواة ككيانات تتطلب إعادة هيكلة من خلال نزع السلاح والتسريح والتدقيق، على أن يتبع ذلك تشكيل بنية أمنية موحدة تُدار مركزيًّا وتخضع لتفويضات قانونية واضحة ورقابة قضائية.
ثانيًا، يجب على السلطات حماية مسار العدالة فورًا عبر إعادة هيكلة الشرطة القضائية وتزويدها بالموارد الكافية، وضمان أن تقع عمليات الاعتقال والاحتجاز وتأمين المحاكم ونقل السجناء حصريًا تحت مسئولية مؤسسات خاضعة للمساءلة ومحمية من تدخل الجماعات المسلحة.
ثالثًا، يجب على النائب العام إعطاء الأولوية للتحقيقات في الاعتداءات بحق الكوادر القضائية والتدخل في الإجراءات القضائية، وأن يستبعد بشكل منهجي الأدلة المُنتزعة بالإكراه والتعذيب أو خارج نطاق إشراف النيابة العامة.
وأخيرًا، يجب على الجهات الفاعلة الدولية — لا سيما الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والدول التي تقدم دعمًا أمنيًا أو متعلقًا بالهجرة — ربط كافة أوجه التعاون بخطوات يمكن التحقق منها للحد من تورط الجماعات المسلحة في إنفاذ القانون والاحتجاز، وضمان ألا يؤدي أي دعم إلى تعزيز قوة الجهات المسلحة الفاعلة المتورطة في انتهاكات بحق القضاء.
المنهجية
يستند هذا التقرير إلى مجموعة من المقابلات التي أجريت بين أبريل وديسمبر 2025، فضلاً عن العديد من التحليلات القانونية والسياسية، والوثائق مفتوحة المصدر. وذلك بهدف تقييم تأثير الجماعات المسلحة، والانقسام السياسي، والتدخل المؤسسي على مسار نظام العدالة في ليبيا؛ بدءً من القبض والتحقيق، وصولًا إلى المحاكمة وتنفيذ الأحكام.
وفي هذا الإطار، أجرى مركز القاهرة 10 مقابلات معمقة مع أصحاب المصلحة في السلك القضائي وفاعلين منخرطين بشكل وثيق في منظومة العدالة أو مراقبين لها، بمن في ذلك:
قضاة، وقضاة سابقون، ووكلاء نيابة؛
محامون يزاولون عملهم أمام المحاكم الجنائية أو العسكرية؛
خبراء قانونيون وأساتذة جامعات؛
صحفيون، وباحثون، ونشطاء مجتمع مدني معنيون بالعدالة والمحاسبة؛
ضحايا، لديهم تجربة مباشرة في مرافق الاحتجاز التي تديرها الجماعات المسلحة أو الإجراءات القضائية التي تتولاها.
أجريت المقابلات عن بُعد باللغة العربية أو الإنجليزية. وأُحيط كافة المشاركين علمًا بالغرض من البحث وشاركوا طواعية. وأوليت عناية خاصة لتجنب تعريضهم لمخاطر انتقام المجموعات المسلحة، أو العواقب السلبية على وظائفهم، أو الضغوط السياسية. وطلب معظم المشاركين عدم الكشف عن هويتهم لأسباب أمنية. لذا حُذفت كافة المعلومات التي قد تدل على هوياتهم، إلا ّإذا تم التصريح من قِبَلهم بغير ذلك بشكل واضح.
كما أستند التقرير في معلوماته إلى:
التشريعات الليبية وغيرها من الوثائق الرسمية، مثل القرارات الصادرة عن السلطات في الشرق والغرب؛
الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء في شرق ليبيا وغربها، بما في ذلك المنازعات الانتخابية والأحكام الجنائية؛
تقارير منظمات المجتمع المدني الليبية، ومجموعات ونقابات المحامين؛
تقارير المنظمات الدولية؛ هيومن رايتس ووتش، والعفو الدولية، واللجنة الدولية للحقوقيين، والمفكرة القانونية؛
تقارير الأمم المتحدة والبيانات العامة الصادرة عن هيئاتها؛
قواعد البيانات المتاحة حول الهجمات والاشتباكات والحوادث الأمنية التي تمس المؤسسات القضائية.
كما اعتمد التقرير في (الملاحق 1، 2) الخاصة بيانات الجماعات المسلحة ووقائع الاعتداء على الكوادر القضائية، على مصادر متعددة مع التحقق منها كلما أمكن ذلك.
ونظرًا لبيئة ليبيا المتشرذمة وغير المستقرة أمنيًّا، تعذر على مركز القاهرة إجراء عملية تحقق ميدانية. لذا لا يمكن الفصل بشكل قاطع في بعض الأحداث المذكورة، لا سيما عمليات الاختطاف أو التعذيب، أو الدوافع الكامنة وراء الهجمات على الجهات القضائية الفاعلة؛ وخاصة في ظل غياب تحقيقات شفافة من جانب السلطات الليبية. وفي هذه الحالات، يميز التقرير بوضوح بين الحقائق الموثقة، وشهادات المشاركين في المقابلات، وبين تحليلات مركز القاهرة. علمًا بأن المؤسسات القضائية في ليبيا لا تنشر الأحكام أو مذكرات الاعتقال أو القرارات التأديبية بانتظام. ونتيجة لذلك، استندت العديد من النتائج والتحليلات إلى المقابلات والتقارير الثانوية المؤكدة كبديل عن السجلات الرسمية الكاملة. وفي الحالات التي تباينت فيها الروايات، أثبت المركز هذا التفاوت في التقرير، وتجنب تقديم استنتاجات غير مؤكدة.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة، إلى أن مركز القاهرة قد بعث رسالة إلى السلطات الليبية في 9 فبراير 2026 لاطلاعها على نتائج هذا التقرير وطلب التعليق على ما ورد فيه من وقائع. لكنه لم يتلق أي رد حتى توقيت النشر.
وبسبب تباين طبيعة التشكيلات المسلحة في ليبيا واختلاف أوضاعها القانونية بشكل ملحوظ، فضلاً عن اختلاف حجم ومستوى تنظيمها، وعددها، ومدى ارتباطها (بشكل رسمي أو غير رسمي) بوزارات الدفاع أو الداخلية أو العدل؛ أو تضمنها كوادر أمنية محترفة انشقت عن قيادة الدولة؛ تجنب هذا التقرير استخدام مصطلح (ميليشيات) لوصف هذه الكيانات المسلحة، لأنه يفتقر إلى تعريف دقيق ومتسق يمكن تطبيقه على كل الجهات المسلحة الفاعلة التي يتناولها التقرير. مفضلاً استخدام مصطلح (جماعات أو مجموعات مسلحة)، مع التنويه أن الأولى (جماعات) غالبًا ما تشير إلى مجموعات مسلحة ذات قيادة، وهيكل، وتنظيم، وسيطرة ونفوذ على مناطق/قطاعات محددة.
السياق العام
بعد مرور أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي،
بعد انهيار نظام القذافي الاستبدادي عام 2011 تنامت التوقعات بأن ليبيا قادرة على إعادة بناء مؤسساتها على أسس قانونية جديدة. وسارع المجلس الوطني الانتقالي إلى اعتماد إعلان دستوري يؤكد استقلال القضاء، ويحظر المحاكم الاستثنائية، ويكفل حق التقاضي.
وفي غضون عام من الإعلان الدستوري، تدخلت شخصيات سياسية رفيعة المستوى مباشرة في الشئون القضائية: ففي عام 2012، ظهر مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي، علنًا إلى جانب المحققين في قضية اغتيال عبد الفتاح يونس، ووجه اتهامات بحق أفراد لم يتم استدعاؤهم أو التحقيق معهم.
في عام 2014 تفاقم عدم الاستقرار المؤسسي بسبب النزاع الدستوري إثر حكم الدائرة الدستورية في المحكمة العليا في طرابلس ببطلان الإطار القانوني الذي استندت إليه انتخابات مجلس النواب. فدخلت ليبيا مرحلة جديدة من التشظي، وادعت السلطات المتنافسة في الشرق والغرب حيازتها للشرعية الدستورية، مدعومة بتحالفات مسلحة متنافسة وتحالفات دولية متباينة.
هذه الأزمة الدستورية لا تفسر وحدها الفوضى التي أعقبت ذلك، ففي العام نفسه تصاعد عدم الاستقرار الأمني والسياسي. وشهدت ليبيا هجمات إرهابية شنّتها كيانات تابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية». وأطلق خليفة حفتر «عملية الكرامة» في 16 مايو 2014، آملًا في انتزاع السلطة من النخبة السياسية بالقوة. وقد أعادت مناورته تشكيل التوزيع الإقليمي والمؤسسي بين الشرق والغرب.
يعكس صعود المجموعات المسلحة في ليبيا المسار المؤسسي المضطرب للبلاد منذ عام 2011. فالعديد من المجموعات التي تشكلت خلال النزاع الذي شهده ذلك العام ترسخت في مناطقها المحلية. وبدلاً من حلّها تدريجيًّا بعد الحرب، تم استيعابها غالبًا، ورقيًّا على الأقل، ضمن هيئات الدولة الرسمية، عبر دمج صوريٍّ في الوزارات الحكومية. إلا أن هذا لم يحل القضايا الأعمق المتعلقة بالسيطرة والمحاسبة. إذ واصلت معظم هذه المجموعات العمل باستقلالية، وأنشأت مراكز احتجاز خاصة بها، واتخذت قرارات خارج سلاسل القيادة الرسمية، مستفيدة في الوقت نفسه من شرعية الغطاء الحكومي، فضلاً عن التمويل الحكومي في كثير من الأحيان. وقد أفرز ذلك خليطًا مربكًا؛ حيث تعمل هذه الجهات الفاعلة المسلحة كجماعات مسلحة مستقلة وجهات إنفاذ قانون بحكم الأمر الواقع في آن واحد. وقد سهّل هذا الخلط في الأدوار تجاوزها للإجراءات القانونية وتدخلها في الشئون القضائية. ونتيجة لذلك، أصبح التمييز بين قوة الدولة والقوى غير الحكومية غير واضح.
وبالنظر إلى هذا التشظي وتشتت المصالح السياسية والعسكرية والمالية، تعرض القضاء لضغوط من كافة الجوانب. ففي الشرق، أحكم آل حفتر سيطرتهم العسكرية وسعوا جاهدين لنيل الاعتراف الدولي. أما في الغرب، فقد حظي عبد الحميد الدبيبة، رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، بالاعتراف الدولي بينما يسعى لتحقيق الهيمنة العسكرية. وقد أثبت كلاهما عدم قدرته على تحقيق سيطرة إقليمية كاملة أو التمتع باعتراف دولي شامل.
وفي هذا السياق، تفتت الإطار المؤسسي في ليبيا على طول خطوط الانقسام الجغرافي. فبينما تطبق المحاكم في الشرق التشريعات الصادرة عن مجلس النواب، تعمل نظيرتها في الغرب بموجب قوانين اعتمدتها هيئات مرتبطة بالمؤتمر الوطني العام(السلطة التشريعية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها ما بعد عام 2011).
أولاً: مناخ الخوف الناجم عن سطوة الجماعات المسلحة
منذ سقوط القذافي، يعمل النظام القضائي الليبي في بيئة من انعدام الأمن المزمن والترهيب.
يتعرض القضاة ووكلاء النيابة والمحامون وموظفو المحاكم بصورة منهجية للقتل، والإخفاء القسري، ومحاولات الاغتيال، والاعتقالات التعسفية، فضلاً عن الاقتحامات المسلحة للمحاكم في مختلف أنحاء البلاد، مما أثر سلبًا على النظام القضائي في شرق ليبيا وغربها وجنوبها على حد سواء. هذه الهجمات مستمرة منذ أكثر من عقد، وتورطت فيها مجموعات واسعة من الجناة، بما في ذلك المجموعات المسلحة المتحالفة مع السلطات السياسية، والشبكات الإجرامية، والجماعات المتطرفة، والأفراد الذين يعملون تحت حماية — أو تسامح — التشكيلات المسلحة.
منذ عام 2012، قُتل ما لا يقل عن 6 من العاملين في السلك القضائي، واختُطف 4 أو احتُجزوا تعسفيًّا، ونجا 4 آخرون من محاولات اغتيال أو هجمات مسلحة. هذه الأرقام، التي تستند إلى وثائق وبيانات مفتوحة المصدر وليست على سبيل الحصر، تسلط الضوء على منهجية العنف بحق الجهات القضائية واتساع نطاقه في جميع أنحاء البلاد.
إن غياب آليات الحماية الفعالة والمحاسبة الموثوقة أسفر عن تحويل المؤسسة القضائية إلى أحد أكثر المؤسسات هشاشة في ليبيا بعد عام 2011.
يمتد الأثر التراكمي لهذا العنف إلى ما هو أبعد من الضحايا الأفراد، إذ أعاد صياغة سبل ممارسة العدالة. فأضحى القضاة ووكلاء النيابة أسرى الرقابة الذاتية، يؤجلون الأحكام الحساسة، وينسحبون من القضايا التي تتورط فيها جماعات مسلحة أو شخصيات ذات صلات سياسية.
وفقًا لمحامية أجرى معها مركز القاهرة مقابلة في بنغازي، غالبًا ما يتنحى القضاة عن القضايا الحساسة أو المحفوفة بالمخاطر، لا سيما تلك المتعلقة بالنزاعات على الأراضي، أو الفساد، أو الجهات الفاعلة القوية محليًا. قائلة: «أحيانًا لا يتعلق الأمر بالقانون.. بل بقضية نزاع على أرض أو أشخاص لا يمكن المساس بهم.»
بالإضافة إلى ذلك، أصبح إغلاق المحاكم وتعليق الجلسات وسحب الشكاوى بالإكراه، سمات متكررة في المشهد القضائي في ليبيا، مما يسمح فعليًّا للجهات الفاعلة المسلحة بإرساء حدود العمل القانوني. كما أدى مناخ الخوف هذا إلى تقويض الاستقلال المؤسسي. فقد أثبتت الجماعات المسلحة بشكل متكرر قدرتها على التدخل المباشر في العمليات القضائية — وذلك عبر اختطاف القضاة، أو محاصرة المحاكم، أو تحرير المحتجزين قسرًا، أو منع الجلسات تحت تهديد السلاح. هذه الأفعال تحمل رسالة واضحة بأن السلطة القضائية خاضعة للقوة المسلحة القسرية. والنتيجة هي العصف بسيادة القانون، وتسيير عمل الهياكل القانونية الرسمية القائمة تحت إكراه دائم.
وبدوره، يصبح ضعف السلطة القضائية وعجزها عن تأكيد وظيفتها كضامن للحقوق والحريات محركًا لمزيد من العنف. وغالبًا ما تتصاعد النزاعات المتعلقة بالاعتقالات أو الاحتجاز أو القرارات القضائية إلى مواجهات مسلحة بين الجماعات المتنافسة. وفي ظل غياب حكم قضائي موثوق، تُحل المظالم بالقوة والانتقام أو بالتفاوض على وقف إطلاق النار. هذه الديناميكية تكرس دورات العنف بدافع الثأر وتترك المدنيين والمؤسسات العامة والبنية التحتية عرضة لعدم الاستقرار المتكرر.
على سبيل المثال، أدى اعتقال جهاز الردع (قوة الردع الخاصة) لمحمود حمزة؛ آمر اللواء 444، في مطار معيتيقة في أغسطس 2023 إلى اشتباكات عنيفة بين المجموعتين قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح حمزة لاحقًا.
توضح دورة العنف المتكررة هذه مدى الانهيار الأوسع للمساءلة القضائية؛ فعندما تتولى المجموعات المسلحة اعتقال واحتجاز وإطلاق سراح الأفراد دون إجراءات قانونية، يصبح كل فعل من أفعال العدالة شرارة محتملة لصراع متجدد. وتصبح العدالة مرهونةً بالحماية المسلحة أو الانتماء السياسي أو الصمت.
ثانيًا: التدخل في مراحل التحقيق والادعاء وما قبل المحاكمة
تبدأ أولى نقاط التداخل بين المجموعات المسلحة وعمل القضاء قبل بدء المحاكمة. إذ تستحوذ المجموعات المسلحة على التحقيقات وجمع الأدلة والاحتجاز في مرحلة ما قبل المحاكمة. إنها تصوغ مسار العدالة من البداية.
ويُعد هذا الاستحواذ المبكر حاسمًا لأنه يحيد دور الادعاء العام قبل أن يتمكن من اتخاذ أي إجراء. فبموجب القانون الليبي، يُعد أعضاء النيابة العامة حراس العدالة الجنائية: فهم من يصدرون قرارات الاعتقال، ويباشرون التحقيقات ويشرفون عليها، ويراقبون قانونية الاحتجاز. ولهم الفصل في تحديد ما إذا كانت القضية ستمضي للمحاكمة. بينما يتم تهميش هذه الركيزة الجوهرية في بنية القضاء الليبي عندما تباشر المجموعات المسلحة الاعتقال والاستجواب بمنأى عن إشراف النيابة العامة، وما يتبع ذلك من سلسلة من الانتهاكات المنعزلة. إذ تتولى المجموعات المسلحة إدارة العملية بالكامل بما في ذلك تحديد الوقائع والأدلة، وفي كثير من الأحيان نتيجة القضية، قبل حتى أن تتدخل السلطات القضائية.
هذه الملاحظة أشارت لها المحكمة الجنائية الدولية في تقريرها السابع والعشرين بشأن ليبيا، مسلطة الضوء عن عجز مكتب المدعي العام: «أعربت منظمات المجتمع المدني عن مخاوف قوية بشأن قدرة السلطات والقضاء في ليبيا على المضي قدمًا في التحقيقات والملاحقات القضائية في قضايا معينة.»
الاستحواذ على القضايا من البداية
منذ 2011، أصبحت الاعتقالات والاحتجازات التعسفية واسعة النطاق ومنهجية. وقد وثقت العديد من المنظمات الحقوقية بشكل متكرر تورط الجماعات المسلحة، سواء المتحالفة مع الدولة أو المستقلة، في احتجاز الأفراد دون أوامر قضائية أو مراجعة قانونية جادة، وحبسهم لفترات طويلة دون توجيه تهم وبمعزل عن أي عملية قضائية فعّالة.
وكثيرًا ما تستخدم الجماعات المسلحة الاحتجاز كأداة للسيطرة والترهيب، إذ تدير أطر أمنية موازية تحل فعليًّا محل المؤسسات الرسمية. وقد سبق ودقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ناقوس الخطر بشأن عمليات الاختطاف والإخفاء القسري التي ترتكبها الجماعات المسلحة في مدن متعددة، مشيرةً إلى احتجاز الأفراد في مواقع سرية غالبًا، وحرمانهم من الوصول لآليات العدالة الرسمية، وهو ما يمكن أن يصل حد جريمة الإخفاء القسري بموجب القانون الدولي.
وفي مقابلة مع محامية من بنغازي شرحت لمركز القاهرة كيف تعمل الجماعات المسلحة بشكل منفصل ضمن إطار قانوني موازٍ ومعزول، مع قدر ضئيل أو منعدم من المساءلة المؤسسية.
توضح هذه الحالة ما هو أكثر من مجرد احتجاز تعسفي. إذ تنتهك المجموعة المسلحة القواعد الإجرائية وتصادر صلاحيات النيابة العامة. إذ لم يتم فتح تحقيق تحت سلطة النيابة العامة، ولا يوجد أي مسار قانوني للمراجعة القضائية. ويعكس عدم يقين المحامية بشأن مخاطبة النيابة أو المجموعة المسلحة انهيارًا أعمق. ففي الواقع، لم تعد النيابة العامة تمثل نقطة الدخول المؤسسية إلى نظام العدالة. وقد أكد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ذلك، وأشار في تقريره إلى «بعض الممارسات الإجرامية وبعض مجموعات الجناة التي تبقى بمعزل عن الملاحقة القضائية للسلطات الليبية المختصة.»
حالة أخرى تولت فيها المجموعات المسلحة زمام عملية جمع الأدلة والتحقيقات هي واقعة مقتل قائد جهاز دعم الاستقرار عبد الغني الككلي (غنيوة).
وبحسب روايتهم، استُخرِجت رفات متفحمة وأدلة مادية تم ربطها بفتاة مفقودة، لكن لم تتم الإشارة إلى مذكرة تفتيش أو أمر قضائي أو إشراف من النيابة. وهكذا، أرسى استجواب أدارته جماعة مسلحة، أُجري خارج نظام العدالة الرسمي، القواعد الأساسية لتحقيقات جنائية معقدة. الأمر الذي لا يثير مخاوف جدية بشأن مقبولية الأدلة وقانونية الاحتجاز فحسب، بل يوضح أيضًا كيف يمكن للجماعات المسلحة استباق العمليات القضائية الرسمية عبر صياغة روايات عامة، والتحكم في تدفق الأدلة، وإسناد التهمة صراحةً أو ضمنًا.
وفي مثال آخر، في ديسمبر 2025، أعلن «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» عن تفكيك ما وصفه بشبكة إجرامية تتكون بشكل أساسي من مقيمين أجانب، بزعم استغلالهم لأجواء السهرات الليلية وانخراطهم في أنشطة منظمة تهدف للربح، قيل إنها تهدد التماسك الاجتماعي وتستهدف الشباب.
الحبس الاحتياطي وتقويض عمل النيابة العامة
في هذه القضايا جميعًا، يتقلص دور وكلاء النيابة إلى مجرد المصادقة الرسمية على إجراءات لم ينخرطوا فيها أو يشرفوا عليها. فعندما يُنقل ملف القضية للنيابة، تكون الاعتقالات والاستجوابات والتغطية الإعلامية قد وجهت القضية بالفعل نحو مسار محدد (وفق اختيار المجموعات المسلحة). وفي ظل غياب شرطة قضائية فعّالة وممتثلة، يتعرقل عمل النيابة ضمن نطاق رسمته الجهات الفاعلة المسلحة التي تسيطر على الحجز والأدلة والوصول للمحتجزين. وهكذا تصبح النيابة العامة جهة «رد فعل» لا جهة توجيه، لها طبيعة إدارية لا قضائية. ولا تتوقف تدخلات المجموعات المسلحة عند الاعتقال، بل تمتد إلى مرافق الاحتجاز، حيث تملي الجماعات المسلحة مصير المشتبه بهم قبل فترة طويلة من مثولهم أمام القاضي. وفي الواقع، يُعد الحبس الاحتياطي هو القاعدة بالنسبة للمتهم العادي، وغالبًا ما يطول أمده دون تمكين المحتجز من الوصول إلى تمثيل قانوني.
لقد سبق وأدان أحد أرفع الشخصيات القضائية في ليبيا السيطرة الفعلية للجماعات المسلحة على مرافق الاحتجاز. إذ ذكر النائب العام الصديق الصور؛ أن الأجهزة المكلفة بجمع الأدلة أصبحت «غير فعالة، أو عاجزة، أو تخشى بشدة من التصرف» عندما تتعلق القضايا بأفراد نافذين أو جهات فاعلة مرتبطة بمجموعات مسلحة أو سلطات موازية.
في يوليو 2025، أكدت واقعة وفاة الناشط عبد المنعم المريمي أثناء احتجازه لدى جهاز الأمن الداخلي أن تدخل المجموعات المسلحة لا ينتهي بالاعتقال. فبعد اختطافه في 30 يونيو 2025 كما يُزعم في صرمان (شرق طرابلس)، ظهر مجددًا رهن الاحتجاز لدى جهاز الأمن الداخلي في طرابلس. وبعد فترة وجيزة، أُعلنت وفاته رسميًّا إثر سقوطه داخل مبنى النيابة. وبالنظر إلى نشاطه السياسي السابق وانتقاده لحكومة الدبيبة، يُنظر إلى القضية على نطاق واسع بوصفها مثال على إسكات سياسي، أتاحه تشابك أمني قضائي معقد. ونشر النائب العام لقطات صامتة للواقعة من كاميرات المراقبة بعد فترة وجيزة.
تعكس هذه الواقعة كيف تسيطر الجماعات المسلحة على تسليم المشتبه بهم إلى النظام القضائي، وتملي شروط تقديم الأدلة، وتهمين أحيانًا حتى على مرحلة ما بعد الاحتجاز. ويتحول دور الفاعلين القضائيين إلى مراجعين إداريين، يؤكدون ما سبق وقررته الجماعات المسلحة. ولا تنتهك هذه الممارسات ضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة فحسب، بل تعيد صياغة نظام العدالة كبنية مختلطة تعلو فيه القوة على القانون، وتصبح الشرعية القانونية مجرد ممارسة شكلية لاحقة.
وبالمثل، تعكس قضية «جماعة تنوير» هذا النسق. فبين نوفمبر 2021 ومارس 2022، اعتقل جهاز الأمن الداخلي سبعة أعضاء شباب فيها واستجوابهم، وتصويرهم في مقاطع فيديو يُرجح أنهم أجبروا على تصويرها يدلون فيها بـ «اعترافات»، يصفوا فيها أنفسهم بأنهم ملحدون وعلمانيون ونسويون ومروجون لأفكار منحرفة. ثم بُثت مقاطع الفيديو تلك عبر القنوات الرسمية لجهاز الأمن الداخلي وتم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، مع ذكر أسماء نشطاء آخرين ومنظمات أخرى.
وبناءً على ملف القضية الذي أعده جهاز الأمن الداخلي، أدانت محكمة استئناف طرابلس لاحقًا المتهمين السبعة بموجب القانون رقم 20 لسنة 2016 المعدل للمادة 291 من قانون العقوبات، معتبرة أن منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي وتصريحاتهم المسجلة تشكل جريمة استخدام المنصات الإلكترونية لـ «التعبير عن آراء تُعد مسيئة للإسلام». واعتبرت المحكمة في قرارها، الذي راجعه مركز القاهرة، أن هذه الآراء تمثّل ازدراء للأديان وانحراف عن المفاهيم الإسلامية، وقضت بسجنهم لمدد تتراوح بين سنة وعشر سنوات في سجن معيتيقة الذي يديره جهاز الردع.
وفي 19 أبريل 2024، توفي الناشط السياسي سراج فخر الدين دغمان في ظروف غامضة أثناء احتجازه في مرفق احتجاز غير رسمي، داخل مقر القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية في الرجمة، جنوب شرق بنغازي. إذ تم إبلاغ عائلته بوفاته في صباح ذلك اليوم، واستلموا جثمانه للدفن في وقت لاحق من اليوم نفسه.
وقبل احتجازه، شغل دغمان منصب مدير فرع بنغازي لمركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية. وكان محتجزًا تعسفيًّا منذ 1 أكتوبر 2023 في منشأة يٌقال إنها تابعة لجهاز الأمن الداخلي، بعد اعتقاله مع أربعة نشطاء آخرين هم؛ فتحي البعجة، وطارق البشاري، وناصر الدعيسي، وسالم العريبي. ووفقًا لما ورد، لم يمثل أي من المحتجزين أمام المحكمة، ولم يُمنحوا حق الاستعانة بمحام، ولم يُسمح لهم بزيارات عائلية. وقيل إن اعتقالهم كان مرتبطًا بنقاشات جرت في سبتمبر 2023 بشأن الوضع السياسي في ليبيا والانتخابات المرتقبة. وأُطلق سراح النشطاء الأربعة في أغسطس 2025 دون محاكمة.
ثالثا: تطويع المحاكمات
بمجرد دخول قاعة المحكمة، يتحول تدخل الجماعات المسلحة من السيطرة على الأدلة إلى ممارسة ضغوط مباشرة على القضاة عبر العنف والترهيب والتلاعب بالإجراءات؛ وهو ما يؤدي إلى تغيير مسار المحاكمة ذاتها.
الإكراه المباشر داخل المحاكم
في مناخ من الرعب والعنف، بات القضاة والعاملين في السلك القضائي في ليبيا أهدافًا للمجموعات المسلحة بشكل متزايد، ليس فقط بسبب أحكام معينة أو قرارات مثيرة للجدل، بل لمجرد كونهم يمثلون المؤسسة القضائية ذاتها. وبالإضافة إلى التهديدات المباشرة، تعيد المجموعات المسلحة صياغة الإجراءات القضائية عبر تعطيل الجلسات، أو نقلها إلى أماكن تخضع لسيطرتها، أو تقييد علانية الجلسات وقدرة الجمهور على حضورها.
ففي مثال صارخ، اقتحمت مجموعة مسلحة محكمة في بنغازي في 13 ديسمبر 2018 أثناء ساعات العمل، وتعمدت ترهيب القضاة لإجبارهم على إطلاق سراح سجناء.
واقعة مشابهة في الشهر نفسه كانت في محكمة العزيزية، حيث اقتحمت مجموعة مسلحة تابعة للدولة مبنى المحكمة، وهددت القضاة والموظفين، وأجبرتهم على إطلاق سراح محتجزين.
وفي 15 يوليو 2025، كانت دائرة الأحوال الشخصية أبو سليم التابعة لمحكمة باب بن غشير الجزئية في طرابلس، هدفًا لهجوم مسلح عنيف. ووفقًا لتقارير إعلامية أكدتها الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية، وصلت مجموعة من المسلحين في ثلاث مركبات مدرعة وأطلقوا النار على مبنى المحكمة، مما ألحق أضرارًا بالمبنى، وتسبب في تعطيل الإجراءات القضائية، وترهيب القضاة والموظفين والزوار.
وبحسب شهادة حصل عليها (مركز القاهرة) من أحد موظفي المحكمة المتواجد وقت الهجوم، طوقت ثلاث سيارات تقل مسلحين المبنى الواقع في منطقة مكتظة بالسكان. واقتحم فرد واحد على الأقل قاعة المحكمة، واعتدى على أحد أفراد الشرطة القضائية، وأطلق الرصاص الحي داخل المبنى. ثم اقتحم مكتب القاضي بحثًا عن رئيس المحكمة، وتعمد تخريب ممتلكات المكتب والمحكمة عندما لم يجده.
وتُظهر حالات إضافية وثقها (مركز القاهرة) كيف يتم تفريغ الضمانات الإجرائية من مضمونها حتى عند انعقاد الجلسات رسميًّا.
هذا الانقلاب على الإجراءات المعيارية وضع القضاء في موقع التبعية التنفيذية لمطالب الجماعات المسلحة.
كما قد يتخذ التدخل شكلاً أخر ينطوي على وقف النشاط القضائي بالكامل. ففي 12 ديسمبر 2016، دخلت قوات البحث الجنائي، وهي مجموعة مسلحة تابعة لوزارة الداخلية، مجمع محاكم طرابلس بالأسلحة، وتعمدت ترهيب القضاة والمحامين والمتقاضين، وأجبرت الجميع على إخلاء المبنى، وتعليق كافة الإجراءات.
هذه الوقائع تعكس كيف تعامل الأجهزة الأمنية التابعة للدولة المؤسسات القضائية كمساحات تابعة يمكن إخلاؤها أو تعليق العمل فيها أو تجاوزها حسب الرغبة. وبدلاً من حماية المحاكم، تصبح هذه القوات المرتبطة بالسلطة التنفيذية هي نفسها أدوات إكراه للقضاء، مما يؤدي إلى تعطيل العدالة بشكل كامل.
دراسة حالة: قضية «جماعة تنوير»
تكشف تجربة (م. أ. س.)،
ألقى جهاز الأمن الداخلي القبض على (م. أ. س.) في مطار معيتيقة، بعد مصادرة جواز سفره وهواتفه. ومنذ اللحظات الأولى، تولى جهاز الأمن الداخلي إدارة مكان الاستجواب ومضمونه. ولكن قبل أن يبدأ الاستجواب، تناهى إلى سمعه حوار دار بين ضابط من الجهاز وعضو النيابة للتفاوض بشأن مضمون قضيته ومدى إلحاحها.
نقله جهاز الأمن الداخلي إلى مكتب النيابة داخل مبنى المحكمة، بدلاً من الشرطة القضائية. وأثناء الاستجواب، اقتحم ضابط من الأمن الداخلي الغرفة، واستنكر حضور محامي للتحقيق، وظل بالغرفة بينما كان وكيل النيابة يباشر الاستجواب، في إشارة مفادها أن سلطة وكيل النيابة مرهونة بموافقة الجماعة المسلحة (الجهاز الأمن الداخلي)، وأن الجهات الأمنية تتولى صياغة الإطار القانوني للقضية من البداية.
تم تحديد التهم بناءً على تصنيف جهاز الأمن الداخلي. ومن ثم، اتهام (م. أ. س.) أنه ينتمي لـ «منظمة محظورة»، وهو المصطلح الذي تعاملت معه قوة الردع التي تشرف على السجن باعتباره مرادفًا للانتماء لتنظيم الدولة الإسلامية، رغم أن القضية تتعلق بالعمل مع جماعة «تنوير». وفي سجن معيتيقة التابع لقوة الردع، لم يتم تسجيله في سجلات المحتجزين بالسجن، فاختفت هويته القانونية داخل سجن موازٍ تديره جماعة مسلحة. حتى الشرطة القضائية لم تتمكن من الوصول إلى ملف قضيته. أما الزيارات فكانت تتم وفق تقدير موظفي الاحتجاز في قوة الردع، لا بموجب التصاريح الرسمية. وقد وصف (م. أ. س.) الأمر قائلاً: «لم تكن الزيارات منتظمة. كان كل شيء يعتمد على الحالة المزاجية لضباط الاحتجاز.»
منعته قوة الردع مرارًا من حضور جلسات المحكمة. فعلى مدى فترة المحاكمة، حُرم من حضور خمس جلسات. وبحسب (م. أ. س.) كان يرى عناصر قوة الردع وضباط الاحتجاز وهم يعدلون قوائم المحتجزين المقرر مثولهم أمام المحكمة في الصباح التالي: «كنت أراهم يشطبون الأسماء ليلاً في مكتب شئون المحتجزين. ويقولون هذا سنرسله، وهذا لن نرسله.»
وبعدما قدم محاميه شكوى رسمية، أمر القاضي بنقله إلى مرفق احتجاز أخر لحين تٌستكمل جلسات محاكمته. لكن قوة الردع قاومت تنفيذ طلب القاضي وحاولت عقد الجلسات داخل مقرها الخاص. وفي نهاية المطاف، لم يحضر (م. أ. س.) إلا عددًا قليلاً من الجلسات بالمحكمة، وتم استبعاده من جلسة النطق بالحكم. ولم يعلم بالحكم الصادر بحقه إلا بعد عدة أشهر.
ورغم صدور أكثر من قرار عفو عام عن المجلس الأعلى للقضاء، لكن تم استبعاد اسمه من جميعهم؛ لأن قوة الردع كانت قد سجلته بوصفه منتميًا لمنظمة محظورة. ولم يتم إدراج اسمه إلا بعدما قدم محاميه طلبات متعددة وشكاوى رسمية. لكن رفضت قوة الردع تنفيذ قرار العفو، حتى بعد تلقي تعليمات مباشرة من مكتب النائب العام بالإفراج عنه. وقد لخص (م. أ. س.) الموقف: «الردع ترفض إطلاق سراح المحتجزين. حتى أوامر مكتب النائب العام يتم رفضها.»
في نهاية المطاف، دفعت الضغوط الدبلوماسية والشكاوى القانونية المتواصلة النائب العام إلى إيفاد مسئول رسمي شخصيا إلى مقر قوة الردع لتنفيذ الإفراج عنه. ولم يتم إخطار (م. أ. س.) بالحكم النهائي بإطلاق سراحه في المحكمة، بل داخل جناح الاستجواب التابع لقوة الردع بعد أن انتظر معصوب العينين لعدة ساعات. يقول (م. أ. س.): «أخبرتني قوات الردع أن النائب العام أمر بإطلاق سراحي». وعندما أصر على استلام وثائق إخلاء سبيله، حذره المسئولون في الردع من الإفصاح عن واقعة احتجازه: «قالوا لي لا تذكر أنك كنت محتجزًا، لأن شيئًا لن يظهر في سجلك الجنائي.»
تظهر هذه القضية مدى الانهيار البنيوي للسلطة القضائية أمام قوة الجماعات المسلحة. فمن الاعتقال إلى الإفراج، تم تحديد كل مرحلة من مراحل العملية لا بموجب القانون، بل بقرارات ومصالح المجموعات المسلحة. وبدت المحاكم والنيابة والشرطة القضائية في موقع ثانوي، منقطعة الصلة بآلية عمل نظام الاحتجاز، أو كما وصفها (م. أ. س.): «إذا أراد وكيل النيابة احتجازك بينما الردع لا تريد ذلك، فلن يتم احتجازك. وإذا أرادت الردع احتجازك، فسيتم احتجازك. لا توجد سلطة فوق الردع.»
رابعًا: فشل جهود المحاسبة
المحاسبة المحلية وصراعات السلطة
منذ عام 2011، أكدت السلطات الليبية المتعاقبة مرارًا نيتها استعادة سيادة القانون وإخضاع الجهات الفاعلة المسلحة لسيطرة الدولة. ومع ذلك، ظلّت المحاسبة على انتهاكات المجموعات المسلحة والأجهزة الأمنية، انتقائية وغير منهجية، غالبًا ما تحدث فقط في خضم صراعات السلطة بدلاً من المسارات القضائية.
وعوضًا عن اتخاذ إجراءات متسقة في مواجهة الاحتجاز غير القانوني والتعذيب والإخفاء القسري وإساءة استخدام الأموال العامة، اعتمدت حكومة الوحدة الوطنية، التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها، بشكل متزايد على المواجهات الانتقائية والتدابير الأمنية — وهي مقاربات قد تؤدي إلى تغيرات مؤقتة في السيطرة الميدانية، لكنها لا ترقى إلى مستوى المحاسبة المستدامة.
ينعكس هذا النمط في استراتيجية حكومة الوحدة الوطنية الأخيرة لتعزيز سلطتها عبر المواجهة المسلحة. ومن أبرزها، انخراط مجموعة اللواء 444 المسلحة، التابعة لوزارة الدفاع، في حملة عسكرية ضد جهاز دعم الاستقرار عقب اغتيال قائده عبد الغني الككلي (غنيوة)، الذي قُتل في 12 مايو 2025 في منشأة تابعة للواء 444، مما تسبب في اندلاع اشتباكات عنيفة في مختلف أنحاء طرابلس، صوّرتها الحكومة كجهد لتفكيك المجموعات المسلحة العاملة خارج إطار السلطة القانونية. ومع ذلك، عرّضت الحملة المدنيين للإصابات والقتل، وفاقمت تكريس أنماط الإكراه خارج نطاق القانون بدلاً من تعزيز المحاسبة القضائية.
ورغم هذه المواجهات، لم تنجح حكومة الوحدة الوطنية في إخضاع كافة المجموعات المسلحة لسلطتها. إذ تواصل قوة الردع عملها وكأنها ـسلطة موازية في غرب ليبيا، وتحافظ على سيطرتها على البنية التحتية الرئيسية ومنشأة الاحتجاز الخاصة بها في مطار العاصمة. هذا الواقع يؤكد الفجوة بين خطاب الدولة حول كبح جماح القوات الأمنية وبين الحدود الفعلية لتنفيذ ذلك.
ويظهر التناقض ذاته في التمويل العام للمجموعات المسلحة في ليبيا. فالعديد من الجهات الفاعلة المسلحة المتهمة بانتهاكات جسيمة لا تزال تتسلم رواتب ومركبات ومقار ودعمًا وتمويلاً من الخزانة العامة، بينما ترفض في الوقت نفسه الامتثال للأوامر القضائية، أو التعليمات التنفيذية، أو المعايير القانونية الأساسية.
إن استمرار تمويل الدولة لهذه المجموعات المسلحة دون امتثال قابل للتنفيذ من جانببها يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية بشأن إساءة استخدام الموارد العامة. فإذا كانت مجموعة مسلحة تتقاضى أموالاً عامة دون تقديم خدمات عامة في المقابل — وفي الوقت ذاته تتحدى التوجيهات الحكومية — فيمكن تأطير ذلك بشكل معقول كشكل من أشكال إساءة استخدام الموارد العامة والعرقلة المؤسسية. ومع ذلك، وبموجب الفقه القانوني والإجراءات الجنائية الليبية، لا يشرع القضاء بفتح مثل هذه القضايا من تلقاء نفسه؛ فالنيابة العامة هي حارس بوابة الإجراءات الجنائية، والمحاكم ملزمة بالفصل فقط في المسائل المعروضة عليها.
ويتسق هذا الهيكل مع إطار العدالة الجنائية في ليبيا، والذي للنائب العام فيه دورًا حاسمًا في فتح التحقيقات، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالجرائم المالية، أو إساءة استخدام الأموال العامة، أو الفساد. ويوفر القانون الليبي أسسًا متعددة ذات صلة في هذا الصدد، من خلال تشريعات مكافحة الفساد، وأحكام قانون العقوبات المتعلقة باختلاس الأموال العامة وعرقلة المؤسسات، وآليات التدقيق المالية والرقابة الإدارية.
ولا يعني هذا أن القضاء عاجز. فإذا باشرت النيابة العامة تحقيقات في إساءة استخدام الأموال العامة أو الإثراء غير المشروع من قبل الجهات الفاعلة المسلحة، يجوز للمحاكم الليبية تطبيق عقوبات جسيمة، بما في ذلك تجميد الأصول والمصادرة حيثما كان ذلك قانونًيا. ومع ذلك، ورغم وجود هذه الأدوات، لم يتم تطبيق أي نمط مستدام من العقوبات القانونية أو المالية أو المؤسسية على المجموعات المسلحة التي تتحدى سلطة الدولة؛ مما يعزز واقع أن السلطة التنفيذية اعتمدت على الإكراه بينما تقتصر الاستجابة القضائية على كونه رد فعل في أغلب الأحيان.
باختصار، تظل المحاسبة مقيدة باختلال التوازن المؤسسي؛ إذ تفرض الجهات الفاعلة المسلحة الأمر الواقع على الأرض، بينما ترتهن الآليات القضائية بمبادرة النيابة العامة وتنفيذ الأحكام.
المحاسبة الدولية المقيدة
قدمت مسارات المحاسبة الدولية، لا سيما من خلال المحكمة الجنائية الدولية، طريقًا بديلًا في حال إخفاق المسارات الوطنية. ومع ذلك، يجسد الوضع في ليبيا القيود الهيكلية المفروضة على العدالة الدولية؛ إذ تعتمد المذكرات والإجراءات الدولية على التنفيذ المحلي، والسيطرة على أماكن الاحتجاز، والإرادة السياسية، وكلها عناصر مجزأة في المشهد الأمني الليبي.
وتعد قضية سيف الإسلام القذافي المستمرة منذ فترة طويلة نموذجًا لذلك. فمنذ عام 2011، ظل سيف الإسلام القذافي محتجزًا لدى جماعة مسلحة في الزنتان، بعيدًا عن متناول المحكمة الجنائية الدولية، رغم وجود مذكرة اعتقال صادرة بحقه. وفي يونيو 2017، أعلنت كتيبة أبو بكر الصديق المسلحة إطلاق سراحه بموجب «عفو» يقال إن السلطات في الشرق أصدرته. بينما كرر المدعي العام للجنائية الدولية أن ليبيا تظل ملزمة باعتقاله وتسليمه. وقد أظهر هذا التسلسل — الاحتجاز لدى جماعة مسلحة، ورفض النقل، والإفراج أحادي الجانب— كيف يمكن للجهات الفاعلة المسلحة عرقلة التعاون وتحييد الإجراءات الدولية لسنوات.
وبالمثل ظهرت هشاشة التعاون مع الآليات الدولية بشكل أكبر في يونيو 2012، عندما تم احتجاز أربعة من موظفي المحكمة الجنائية الدولية من قبل مجموعة مسلحة في الزنتان أثناء زيارة رسمية كانت تهدف إلى لقاء أحد المحتجزين. تم احتجازهم حتى 2 يوليو 2012. وأدى هذا الحادث إلى تعطيل عمل المحكمة في لحظة حرجة، وأكد عجز السلطات الليبية على ضمان الوصول الآمن للمحققين الدوليين.
فشل مماثل في إنفاذ التزامات التعاون تجلى في قضية محمود الورفلي، أحد قادة فصائل الصاعقة التابعة للقوات المسلحة العربية الليبية. فقد أصدرت الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحقه في عامي 2017 و2018 بتهمة ارتكاب عمليات إعدام بإجراءات موجزة، ومع ذلك لم يتم تنفيذ الاعتقال. وتشير التقارير إلى أنه ظل نشطًا في شرق ليبيا حتى مقتله في مارس 2021، وبعد ذلك أوقفت الجنائية الدولية الإجراءات بسبب وفاته.
وفي الآونة الأخيرة، في 4 أكتوبر 2024، كشفت المحكمة الجنائية الدولية عن 6 مذكرات اعتقال ضد مشتبه بهم مرتبطين بمجموعة «الكانيات» المسلحة، على خلفية جرائم ارتُكبت في ترهونة بين عامي 2013 و2020؛ على نحو يعكس استمرار الآليات الدولية في توثيق القضايا ومتابعتها. ومع ذلك، تسلط هذه المذكرات الضوء أيضًا على الصعوبة المتكررة؛ إذ غالبًا ما تظل أوامر الاعتقال الدولية معطلة التنفيذ طالما تسيطر جهات فاعلة محلية بالقوة.
وتوضح قضية أسامة المصري (المعروف بأسامة نجيم) في يناير 2025 حدود الإنفاذ الدولي حتى خارج ليبيا. فعلى الرغم من صدور مذكرة اعتقال من الجنائية الدولية ضده بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، واعتقاله لفترة وجيزة في تورينو بإيطاليا، لكن تم إطلاق سراحه وعاد إلى ليبيا في غضون 48 ساعة بعد اعتبار الاعتقال غير قانوني من الناحية الإجرائية. وفي 5 نوفمبر 2025، أعلن النائب العام الليبي أن نجيم قد اعتُقل في طرابلس ووضع رهن الحبس الاحتياطي بتهمة ارتكاب جرائم تعذيب بحق محتجزين في سجن معيتيقة. ومع ذلك، فإن غياب الإجراءات القضائية اللاحقة، إلى جانب التنافس المستمر بين الجهات الفاعلة المسلحة التي تسيطر على مرافق الاحتجاز، يثير الشكوك حول ما إذا كان هذا الاعتقال يعكس تحولًا مبدئيًا نحو المحاسبة أم مجرد تغير في موازين القوى المحلية.
وعلى النقيض، يؤكد تسليم خالد محمد علي الهيشري، أحد أبرز المسئولين عن سجن معيتيقة، للمحاكمة الدولية، أن التعاون الدولي يظل ممكنًا عندما تتوافر الإرادة السياسية. إذ نقلته السلطات الألمانية إلى لاهاي في 1 ديسمبر 2025 استجابة لقرارات الجنائية الدولية ومذكرة الاعتقال الصادرة بحقه على خلفية ارتباطه بجرائم مرتكبة داخل مرافق الاحتجاز في ليبيا. هذه القضية تثبت أن الإخفاق في إنفاذ القانون ليس حتميًا، لكنه انتقائيًا.
شكل إعلان حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا في مايو 2025 بموجب المادة 12(3)، قبولها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية حتى نهاية عام 2027، تقدمًا قانونيًا رسميًا. ومع ذلك، وبدون تعاون عملي في عمليات الاعتقال والنقل والسيطرة على مرافق الاحتجاز، لا يمكن لمثل هذه الإعلانات أن تحقق نتائج ملموسة. علمًا بأن الانقسام السياسي في ليبيا ينعكس أيضًا في التحديات القانونية لهذه الخطوة. إذ أفادت التقارير أن الدائرة الإدارية الأولى بمحكمة استئناف بنغازي علقت تنفيذ قرار حكومة الوحدة الوطنية بقبول الاختصاص الأجنبي في المسائل الجنائية. هذا الصراع المؤسسي يؤكد حقيقة وجود سلطات قانونية متعددة عبر الأراضي الليبية؛ مما يحد من إمكانية تنفيذ الالتزامات الدولية عمليًا.
وفي نهاية المطاف، فإن الإخفاق المتكرر في تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية يؤكد رسالة مركزية للجهات الفاعلة المسلحة مفادها؛ أن الملاحقة الدولية قابلة للتفاوض، وأن القوة يمكن أن تتجاوز الالتزامات القانونية. وينعكس هذا سلبًا على أنظمة العدالة المحلية من خلال تثبيط القضاة ووكلاء النيابة عن المخاطرة في قضايا بالغة الأهمية، فضلاً عن التلويح بأن المحاسبة تعتمد على الحسابات السياسية والأمنية المتغيرة أكثر من اعتمادها على القانون.
خامسًا: أثر الانقسام السياسي على القضاء
يأتي انقسام القضاء الليبي كنتيجة لنظام سياسي وإقليمي تتجزأ فيه السلطة وتتقاسمها جهات فاعلة مسلحة متحالفة مع سلطات متنافسة. ومع إحكام المجموعات المسلحة قبضتها على الأرض لتشكل الركيزة القسرية لمشاريع سياسية متناحرة، أُعيد تشكيل المؤسسات القضائية وفقًا لخطوط التصدع ذاتها. فبات القانون، ونطاق الاختصاص، والإدارة القضائية انعكاسًا للجغرافيا وسطوة القوة، بدلاً من أن تكون جزءً من نظام قانوني وطني موحد.
سلطات دستورية مزدوجة ومتنافسة
امتد الانقسام المؤسسي ليطال أعلى مستويات الرقابة الدستورية. فحتى عام 2014، كانت ليبيا تملك مؤسسة واحدة معترفًا بها للمراجعة الدستورية، وهي الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس. وقد تشكلت هذه الدائرة داخل المحكمة العليا بموجب قانون نظام القضاء في ثمانينيات القرن الماضي، واكتسبت أهمية جديدة بعد عام 2011 بصفتها الجهة المنوط بها تفسير الإعلان الدستوري ومراجعة دستورية التشريعات.
غير أن هذا البنية انهارت عقب الحكم التاريخي الذي أصدرته الدائرة في 6 نوفمبر 2014، والذي قضى ببطلان الإطار القانوني الذي استندت إليه انتخابات مجلس النواب. أثار القرار أزمة شرعية فورية وعمق الانقسام السياسي بين سلطات الشرق والغرب. وفي أكتوبر 2016، اعتمدت الجمعية العمومية للمحكمة العليا القرار رقم 7 لسنة 2016، الذي قضى بتجميد عمل الدائرة وإرجاء كافة القضايا الدستورية لأجل غير مسمى. ورغم أن نص القرار لم يفصح عن دوافعه، إلا أن فقهاء القانون الليبيين وتقارير الأمم المتحدة اعتبروا هذا التجميد بمثابة رد فعل على التداعيات السياسية لحكم 2014، ومحاولة لحماية المحكمة من المواجهة المفتوحة مع السلطات المتنافسة.
أدى هذا التجميد إلى فراغ في الرقابة الدستورية دام ست سنوات، صدرت خلالها التشريعات دون مراجعة، وباتت الشرعية الدستورية مسألة سياسية بدلاً من كونها مسألة قضائية. ولمعالجة هذا الفراغ، أعادت الجمعية العمومية للمحكمة العليا تفعيل الدائرة في 18 أغسطس 2022، وهي الخطوة التي رحبت بها الأمم المتحدة كآلية لفض النزاعات المتعلقة بالشرعية المؤسسية.
وفي يونيو 2023، قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بعدم دستورية القانون 5 لسنة 2023 الصادر عن مجلس النواب.
من جانبها، رفضت سلطات طرابلس هذا القرار. وفي مايو 2025، علق المجلس الرئاسي العمل بالقانون 5 لسنة 2023 الصادر عن مجلس النواب، محتجًا بأن مجلس النواب يفتقر إلى الأهلية الدستورية لتشكيل محكمة عليا جديدة.
وفي 22 ديسمبر 2025، حكمت المحكمة الدستورية العليا في بنغازي بدستورية القانونين 22 و32 لسنة 2023، وهما الإطار التشريعي ذاته الذي أنشأها ومنحها الصلاحيات؛ مؤكدةً بذلك اختصاصها الدستوري.
وجاء رد المحكمة العليا بطرابلس في 31 ديسمبر 2025 عبر جمعيتها العمومية. إذ أعادت التأكيد على أن الرقابة الدستورية تقع حصرًا ضمن اختصاص دائرتها الدستورية.
بالنسبة للقضاة، تخلق هذه الازدواجية حالة من عدم الاستقرار المنهجي. فالأحكام المعلن عدم دستوريتها في طرابلس قد يستمر تطبيقها في الشرق. والمراسيم الرئاسية المعمول بها في طرابلس قد يتم تجاهلها في بنغازي. ومن ثم، تتغير المعايير الدستورية اعتمادًا على الجهة الفاعلة السياسية التي تسيطر على المنطقة.
لقد تحولت الشرعية الدستورية، التي كانت في يوم من الأيام أسمى معيار للاستقرار، إلى أداة سياسية، تستخدم لترسيخ سلطات الحكم المتنافسة بدلاً من كبح جماحها.
تسيس القيادة القضائية
طال الانقسام أيضًا المؤسسات المعنية بإدارة شئون القضاء ذاته. فمنذ عام 2011، توالت التدخلات التشريعية لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، الذي خضع لإعادة تشكيل تشريعية متعددة، متأرجحًا بين التمثيل المنتخب والتعيين السياسي.
وقع التحول الأكثر تأثيرًا بصدور القانون 11 لسنة 2021 عن مجلس النواب. والذي قضى بتنحية رئيس المحكمة العليا عن رئاسة المجلس ونقل القيادة إلى رئيس إدارة التفتيش القضائي، مع تولي النائب العام لمنصب نائب الرئيس.
واجتمع المجلس الجديد في اليوم التالي لصدور القانون، في 14 ديسمبر 2021، بالتزامن مع فترة اتسمت بتحديات انتخابية ونزاعات محتدمة حول الترشيحات. وفسر المحللون القانونيون سرعة هذا الإصلاح وتوقيته باعتباره محاولة لتشكيل المجلس بطريقة تتيح التأثير على تعامل القضاء مع الطعون الانتخابية.
وفي يوليو 2023، قضت الدائرة الدستورية بعدم دستورية المادة الأولى من القانون 11 لسنة 2021.
وكما هو الحال في الرقابة الدستورية، كانت النتيجة ازدواجية السلطة وتضارب ادعاءات الشرعية. فبينما يستمر قضاة الغرب في الاعتراف بهيكل المجلس المستند إلى اجتهادات المحكمة العليا، تعتمد المؤسسات في الشرق على الهيكل الذي صممه مجلس النواب. وبالنسبة للقضاة، يعني هذا أن القرارات التي تؤثر على مساراتهم المهنية، من نقل وندب وترقية وإجراءات تأديبية، قد تكون محلاً للطعن لاحقاً بحجة عدم شرعية المجلس الذي أصدرها.
هذا التنافس المؤسسي يحول الحوكمة القضائية إلى ميدان سياسي. إذ يتعين على القضاة التعامل مع تسلسلات هرمية متنافسة وسلطات متضاربة، مع خطر إبطال أي قرار مهني أو استخدامه ضدهم اعتمادًا على السلطة التي ستكون لها الغلبة.
الخاتمة
يواصل نظام العدالة في ليبيا عمله ضمن بيئة تتجاوز فيها الجهات الفاعلة القسرية (بما في ذلك الجماعات المسلحة)، والمؤسسات المنقسمة، والخصومات السياسية، السلطة القانونية على نحو مستمر. ورغم بقاء أبواب المحاكم مفتوحة، واستمرار متابعة القضايا، ومواظبة الكوادر القضائية على أداء مهامها، إلا أن الركائز الضرورية لنظام عدالة مستقل وموحد تعاني من خلل بنيوي. إذ تتحكم الجماعات المسلحة في مسار القضايا، وتؤثر في عملية جمع الأدلة، وتعرقل تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية، في حين تقوّض الأوامر التشريعية الموازية والتدخلات المؤسسية مبدأ الاتساق والاستقرار القانوني.
والمحصلة التراكمية لكل ذلك هي منظومة عدالة تتحدَّد نتائجها في كثير من الأحيان وفق توزيع القوة القسرية والسياسية بدلًا من القانون، وتتبدّل فيها حدود السلطة القضائية تبعًا للصراعات الأوسع في البلاد.
إن فهم هذه الديناميكيات يعد أمرًا جوهريًّا لتقييم القيود الحالية التي تكبل نظام العدالة، واستشراف الظروف الكفيلة بإنجاز إصلاح ملموس في نهاية المطاف.
التوصيات
إلى السلطات الليبية:
ضمان امتثال قوات الأمن للقوانين وللمدنيين المنتخبين شرعيًّا.
محاسبة الأجهزة الأمنية، أو المجموعات المسلحة المُصطفّة مع أطراف سياسية، أو مع السلطات التنفيذية على تدخلها في الإجراءات القضائية.
ضمان حماية البنية التحتية للمحاكم وملفات القضايا وعمليات نقل المحتجزين من التدخل الخارجي، بما في ذلك إعادة هيكلة الشرطة القضائية وتزويدها بالموارد اللازمة.
ضمان اعتماد كافة القوانين التي تمس القضاء، بما في ذلك التعديلات المتعلقة بالمجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية، بشفافية ومن خلال إجراءات تحترم استقلال القضاء.
إلى المجلس الأعلى للقضاء:
الالتزام بالشفافية في إجراءات تعيين القضاة وأعضاء النيابة وترقيتهم وتأديبهم، بما في ذلك التوضيح العلني للمعايير والآليات المتبعة.
مقاومة الضغوط السياسية أو الفئوية في اختيار الأعضاء وإدارة المسارات المهنية القضائية.
تسهيل إجراء مشاورات منتظمة مع القضاة ووكلاء النيابة في كافة الأقاليم للحفاظ على التماسك المؤسسي رغم الانقسام السياسي.
إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة:
الامتناع عن سن تشريعات تعيد هيكلة المؤسسات القضائية دون التشاور مع الهيئات القضائية والتوصل إلى توافق شامل من كافة الأطراف في مختلف الأقاليم.
إلغاء أو تعديل أي قوانين تمس القضاء اعتُمدت عبر إجراءات غير نظامية أو تقوض استقلال القضاء.
ضمان توفير أي تشريعات انتخابية مستقبلية لإجراءات واضحة وموحدة للمراجعة القضائية، وتجنب تشكيل هيئات قضائية موازية أو متنافسة.
إلى النائب العام:
التحقيق في كافة الاعتداءات على الكوادر القضائية أو المحاكم، بغض النظر عن صفة المسئولين عنها أو انتماءاتهم.
استبعاد أي اعترافات تم الحصول عليها تحت الإكراه أو بمعزل عن إشراف النيابة العامة والإجراءات القانونية.
إنفاذ المتطلبات القانونية المتعلقة بظروف الاحتجاز، والحدود الزمنية، والإبلاغ الإلزامي من جانب مرافق الاحتجاز.
توجيهات واضحة للأجهزة الأمنية والمحاكم بشروط عقد الجلسات عن بُعد وعمليات نقل المحتجزين.
التحقيق مع الأفراد والكيانات، بما في ذلك المجموعات المسلحة، وملاحقتهم قضائيًّا بسبب إساءة استخدام الأموال العامة — لا سيما في حالات تحويل الموارد العامة، أو الاستيلاء عليها من خلال الابتزاز، أو حيازتها بالمخالفة للقانون.
إلى الهيئات المهنية ومنظمات المجتمع المدني الليبية:
توثيق الاعتداءات بحق الجهات الفاعلة القضائية، وحالات الاحتجاز غير القانوني، والتدخل في المحاكمات.
تقديم الدعم القانوني للضحايا، وعائلات المحتجزين، والكوادر القضائية التي تواجه تهديدات.
التواصل مع الآليات الدولية لضمان تقديم تقارير متسقة بشأن الانتهاكات التي تمس قطاع العدالة.
إلى المحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة:
إعطاء الأولوية للتحقيق في الاعتداءات على المؤسسات القضائية وضمان التواصل المنهجي مع منظمات المجتمع المدني الليبية التي توثق هذه الانتهاكات.
طلب التعاون من الدول التي تأوي أفرادًا صدرت بحقهم مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، وتقديم تقارير علنية بشأن الامتثال أو العرقلة.
توسيع نطاق مراقبة وقائع التدخل في شئون القضاء، بما في ذلك أنماط الاحتجاز غير القانوني، والاعترافات القسرية، ومرافق الاحتجاز التي تديرها المجموعات المسلحة.
إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والوكالات الأممية ذات الصلة:
تضمين حماية المؤسسات القضائية وكوادرها في كافة الجهود السياسية والتقنية للأمم المتحدة في ليبيا.
تكثيف المراقبة وإصدار التقارير حول الاعتداءات على المحاكم والكوادر القضائية وعرقلة تنفيذ الأحكام.
تقديم المساعدة التقنية للشرطة القضائية، والنيابة العامة، والمحاكم فيما يتعلق بالتعامل مع الأدلة، وأنظمة السجلات، والبروتوكولات الأمنية.
إلى الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية:
ربط التعاون في مجالي الأمن والهجرة بخطوات ملموسة للحد من تدخل المجموعات المسلحة في الإجراءات القضائية وممارسات الاحتجاز.
ضمان ألا تؤدي أي برامج أو معدات أو شراكات ممولة من الاتحاد الأوروبي إلى تمكين مجموعات مسلحة متورطة في انتهاكات تعرقل مسار العدالة.
دعم مبادرات الإصلاح القضائي، بما في ذلك الاتساق التشريعي، وإدارة المحاكم، وحماية الكوادر القضائية.
إلى الدول التي تقدم دعمًا عسكريًّا أو أمنيًّا أو سياسيًّا للجهات الفاعلة الليبية:
الامتناع عن أي انخراط من شأنه تعزيز المجموعات المسلحة المتورطة في الاعتداءات على الجهات الفاعلة القضائية أو التدخل في الإجراءات القضائية.
ربط المساعدات الأمنية بالتزامات يمكن التحقق منها لدعم استقلال القضاء والامتثال لضوابط الاحتجاز القانوني.
تبادل المعلومات مع آليات الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية بشأن الأفراد أو المجموعات المسئولة عن الانتهاكات الجسيمة.
إلى الجهات المانحة الدولية ووكالات التعاون الدولي:
دمج استقلال القضاء وحماية مؤسسات العدالة في كافة برامج سيادة القانون والحوكمة.
دعم المبادرات الرامية إلى ضمان اتساق الأطر القانونية المجزأة وتعزيز إدارة المحاكم في كافة الأقاليم الليبية.
تمويل جهود توثيق المجتمع المدني، بما في ذلك برامج حماية المحامين والقضاة والمدافعين عن حقوق الإنسان.
الملاحق
الملحق (1): الجماعات المسلحة المذكورة في هذا التقرير
رغم شيوع وصفها بـ (الميليشيات)، إلا أن هذا المصطلح يفتقر إلى تعريف دقيق ومتسق يمكن تطبيقه على الجهات المسلحة الفاعلة التي يتناولها هذا التقرير. فخلال الفترة التي يغطيها البحث، تباينت طبيعة التشكيلات المسلحة في ليبيا وأوضاعها القانونية تباينًا ملحوظًا. إذ تشكل بعضها كمجموعات مدنية للدفاع عن النفس عام 2011، بينما ارتبط البعض الآخر – أو كان مرتبطًا في وقت ما – بانتماء رسمي لوزارات الدفاع أو الداخلية أو العدل؛ في حين يتألف بعضها من كوادر أمنية محترفة انشقت عن قيادة الدولة.
علاوةً على ذلك، تظل الحدود الفاصلة بين التنظيمات المدنية والعسكرية غير واضحة. ويستخدم مصطلح (ميليشيا) في السياق الليبي للإشارة إلى طيف متنوع وغالبًا غير مُنظّم، من الجهات الفاعلة المسلحة التي لا تتسق ولاءاتها أو هياكلها أو أهدافها، كما أنها لا تحظى باعتماد رسمي من سلطة مركزية.
ولأغراض هذا التقرير، سنعتمد توصيفًا واقعيًا وقابلاً للتحقق، وذلك باستخدام مصطلح (جماعات/مجموعات مسلحة) بشكل أساسي.
الملحق (3) رسالة إلى البعثة الدائمة لدولة ليبيا لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف
سعادة السفير فوق العادة والمندوب الدائم المفوض في جنيف
بعثة ليبيا الدائمة لدى الأمم المتحدة
شارع دي ريشيمون 25، 1202 جنيف، سويسرا
سعادة السفير،
تجدون أدناه خطابًا رسميًا من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، موجهًا إلى رئيس المجلس الرئاسي الليبي السيد محمد المنفي، بشأن تقرير المركز المرتقب حول منظومة العدالة في ليبيا (2011-2025)، وذلك في إطار المشاركة البناءة وإعمالاً لحق الرد. نرجو من السفارة إحالة هذا الخطاب إلى صاحب الشأن، مع التفضل بالتحقق من اطلاع ممثلي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عليه، في ضوء تداخل اختصاص المؤسسات في الأمور المثارة في هذا التقرير.
ويظل مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان مستعدًا لتقديم أي إيضاحات إضافية.
نشكر حسن اهتمامكم وتعاونكم.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
زياد عبد التواب
المدير التنفيذي،
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
صاحب السعادة،
بداية، أرجو قبول تحياتي نيابة عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وهو منظمة إقليمية مستقلة لحقوق الإنسان تأسست عام 1994. يتمتع المركز بصفة استشارية خاصة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة.
نحن بصدد وضع اللمسات الأخيرة على تقريرنا حول حول منظومة العدالة في ليبيا (2011-2025)، الذي يحلل كيف أخل الانقسام السياسي، وتدخل الجماعات المسلحة، والتلاعب المؤسسي، باستقلال القضاء وسلامة العاملين في سلك العدالة. ويستند إلى مقابلات مع قضاة ووكلاء نيابة ومحامين أُجريت في 2025.
كشفت نتائجنا عن منظومة عدالة تعمل تحت الحصار؛ إذ يمارس القضاة ووكلاء النيابة مهامهم في مناخ دائم من الخوف، معرضين فيه للاغتيال والاختطاف والهجمات المسلحة، مثل الاعتداء على محكمة أبو سليم للأحوال الشخصية في 15 يوليو 2025. ولا تزال الجماعات المسلحة تسيطر على مرافق الاحتجاز وتعرقل بانتظام تنفيذ الأحكام القضائية، في حين أدت التغييرات التشريعية والحوافز القائمة على الرواتب إلى تقويض استقلال المجلس الأعلى للقضاء.
وعلاوة على المخاطر اليومية التي يواجهها العاملون في سلك القضاء، يٌبرز التقرير اختلالات بنيوية أكثر عمقًا جعلت من العدالة ميدانًا للصراع السياسي. من بين هذه الاختلالات «تشتيت» القضايا والملفات الحساسة سياسيًا بين مناطق ودرجات تقاضٍ مختلفة؛ بغرض استغلال موازين القوى المحلية، وهو ما يمزق وحدة القضاء الوطني ويقوض في المحصلة حق المواطنين المتساوي في الوصول للعدالة. هذه الاختلالات تعكس كيف أضحت سيادة القانون في ليبيا مجرد امتداد للسياسة لكن بأساليب مغايرة، بينما أروقة المحاكم ساحة حرب بديلة بين مراكز القوى المتنازعة.
لكننا في السياق نفسه، نقدر ونرحب بالمبادرات الأخيرة الهادفة لترسيخ الإشراف المؤسسي، ومنها؛ القرار رقم 399/2025 بتشكيل لجنة مشتركة تحت إشراف مكتب النائب العام لتولي إدارة سجني معيتيقة وعين زارة؛ وتجديد قبول ليبيا لولاية المحكمة الجنائية الدولية حتى عام 2027؛ والتصريحات العلنية للنائب العام التي حذر فيها أعضاء النيابة من التواطؤ مع الجهات المسلحة، وأعلن عن أدوات رقمية لتتبع أوامر القبض وتنفيذ الأحكام. إذ تبرهن هذه الإجراءات على جهد من جانب الدولة لإعادة فرض السلطة القانونية رغم الانقسام.
ومن أجل ضمان تمثيل دقيق لمنظور الحكومة في تقريرنا، نقدر موافاتنا بملاحظاتكم المكتوبة بشأن ما يلي:
- حماية الفاعلين القضائيين وأمن المحاكم؛ ما هي الآليات القائمة لمنع والاستجابة للهجمات أو التهديدات بحق أعضاء القضاء والمهن القانونية، بما في ذلك واقعة محكمة أبو سليم في يوليو 2025؟
- الإشراف على مراكز الاعتقال؛ كيف يتم تنفيذ القرار رقم 399 لعام 2025 لضمان فرض رقابة قضائية مدنية موحدة على سجني معيتيقة وعين زارة، وسجلات النزلاء فيهما؟
- استقلال القضاء ونزاهة الانتخابات؛ ما هي الضمانات القائمة لمنع تسييس القضاء في النزاعات الانتخابية، ومعالجة ظاهرة «تشتيت» القضايا ذات الحساسية السياسية عبر الدوائر القضائية؟
- الحوكمة القضائية؛ عقب القانون رقم 11 لسنة 2021 والأحكام اللاحقة، ما هي الخطوات التي تتخذها الوزارة للحفاظ على وحدة واستقلال المجلس الأعلى للقضاء؟
- النزاهة والموارد؛ كيف تضمن الوزارة إدارة المزايا المالية والعينية الممنوحة للعاملين في سلك القضاء بشفافية وبعيدًا عن الانحياز السياسي؟
- التعاون الدولي؛ بالنظر إلى تجديد التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية حتى عام 2027، كيف يتم تفعيل حفظ الأدلة والتكامل بين مكاتب الادعاء الوطنية والآليات الدولية؟
نعتزم نشر تقريرنا في 28 فبراير الجاري، وسنكون ممتنين لو تلقينا ردكم المكتوب في موعد أقصاه 21 فبراير 2026.
خالص التقدير لاهتمامكم وتعاونكم.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،
زياد عبد التواب
المدير التنفيذي،
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
الحواشي
لمزيد من المعلومات حول الجماعات المسلحة في ليبيا، راجع الملحق رقم 1 في هذا التقرير. ↩
في أغسطس 2022، أعلنت السلطات في الشرق عن تشكيل محكمة دستورية منفصلة في بنغازي، وفي المقابل تمسكت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس باختصاصاتها، مما أسفر عن وجود هيئتين متنافستين تدعيان الحق في إصدار الأحكام الدستورية النهائية. ↩
نسخة من الرسالة المرسلة للسلطات الليبية في الملحق رقم (3) لهذا التقرير. ↩
تم القبض على القذافي وقُتل بالقرب من مدينة سرت في 20 أكتوبر 2011. ↩
المجلس الوطني الانتقالي هو هيئة الحكم المؤقتة التي شكلتها القوى المناهضة للقذافي في فبراير 2011 بمدينة بنغازي، لتمثيل ليبيا خلال الحرب الأهلية والإشراف على المرحلة الانتقالية في البلاد. وقد أصدر المجلس الإعلان الدستوري في 3 أغسطس 2011. وجاء في مادته (32) أن: «السُّلطـة القضائيـة مُستقلة، وتتولاها المحاكـم على اختـلاف أنواعها ودرجاتهـا، وتصدر أحكامها وفقًا للقانون، والقُضاة مُستقلون لا سُلطان عليهم في قضائهم لغير القانون والضمير. ويُحظر إنشاء محاكم استثنائية.» وفي المادة (33): «التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مُواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المُتقاضين، وسُرعة الفصل في القضايا. ويُحظر النص في القوانين على تحصين أي قرار إداري من رقابة القضاء.» راجع نص الإعلان الدستوري، مجمع قانون ليبيا، 3 أغسطس 2011: https://bit.ly/4u8Be30 ↩
يتولى المجلس الأعلى للقضاء مسئولية إدارة شئون القضاء، والمسار الوظيفي للقضاة، والإجراءات التأديبية، وغير ذلك. راجع القانون رقم (4) لسنة 2011 بتعديل القانون رقم (6) لسنة 2006 بشأن نظام القضاء، ليبيا - قواعد البيانات القانونية لمركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن: https://bit.ly/4srToeA ↩
الجماهيرية الليبية (1977-2011) هو الاسم الرسمي لليبيا تحت حكم معمر القذافي، وهي مشتقة من المصطلح العربي «جماهيرية» أي دولة الجماهير، وهو مصطلح تم صكه لوصف ما يُزعم أنها «ديمقراطية مباشرة» بلا أحزاب سياسية. وقد جاءت عقب الجمهورية العربية الليبية (1969-1977). وفيها كانت السلطة تمارس نظريًا من خلال اللجان والمؤتمرات الشعبية المحلية، لكن عمليًا النظام سلطوي يرتكز على هيمنة القذافي شخصيًا. وقد انهارت الجماهيرية في أعقاب الحرب الأهلية الليبية عام 2011 وتدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). ↩
كانت اللجان الثورية هيئات سياسية شبه عسكرية شكلها القذافي عام 1977 لتوجيه المؤتمرات الشعبية وتنفيذ مبادئ نظريته بشأن العالمية الثالثة. وبما أنها كانت مسئولة مباشرة أمام القذافي، فقد عملت خارج الهياكل القانونية والحكومية، جامعةً بين وظائف الدعاية والمراقبة والإكراه. وبحلول أوائل الثمانينيات، تولت صلاحيات شرطية وقضائية، وشكلت «محاكم ثورية» تجاوزت القانون العادي وفرضت أحكامًا بالإعدام على المعارضين. ورغم أنها كانت في الظاهر من أدوات المشاركة الجماهيرية، لكنها تطورت لتصبح الأداة الأساسية للرقابة الأيديولوجية وأمن النظام داخل الجماهيرية. راجع ديرك فانديفال، «الثورة الليبية من منظور الفترة 1969-2000»، ليبيا منذ عام 1969: إعادة النظر في ثورة القذافي، دار نشر بالجريف ماكميلان، الولايات المتحدة، 2008: https://doi.org/10.1007/978-0-230-61386-7_2 ↩
كان عبد الفتاح يونس ضابطًا عسكريًا وسياسيًا ليبيًا، شغل منصب وزير الداخلية في ليبيا عهد القذافي حتى استقالته في 22 فبراير 2011، حين انشق وانضم إلى الثوار. راجع: مروان تشاني، «لمحة عن مراحل تطور القضاء الليبي: دعوة لإنشاء جمعية للقضاة الليبيين تحصيناً لاستقلالية القضاء في نظام ما بعد الثورة»، المفكرة القانونية، 29 فبراير 2012: https://bit.ly/40af9mU ↩
المرجع السابق. ↩
المرجع السابق. ↩
حتى 2014، كانت لليبيا مؤسسة واحدة معترف بها للمراجعة الدستورية، هي الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس والتي اكتسبت أهمية خاصة بعد 2011 بصفتها الجهة المنوط بها تفسير الإعلان الدستوري ومراجعة دستورية التشريعات. غير أن هذا البنية انهارت عقب الحكم التاريخي الذي أصدرته الدائرة في 6 نوفمبر 2014، والذي قضى ببطلان الإطار القانوني الذي استندت إليه انتخابات مجلس النواب. مما أثار أزمة شرعية فورية وعمق الانقسام السياسي بين سلطات الشرق والغرب. للمزيد راجع الجزء المعنون بـ «سلطات دستورية مزدوجة ومتنافسة» في هذا التقرير. ↩
خليفة حفتر (مواليد 1943) قائد عسكري وسياسي ليبي برز كمعارض رئيسي لمعمر القذافي. فبعد مشاركته في انقلاب 1969 الذي أوصل القذافي للسلطة، انشق حفتر عن النظام فتم نفيه في الثمانينيات بدعم من الولايات المتحدة. عاد إلى ليبيا خلال انتفاضة عام 2011، وأصبح قوةً مهيمنةً في النزاع الذي أعقب سقوط القذافي بصفته قائدًا لما يُعرف بـ «الجيش الوطني الليبي»، الذي يسيطر على شرق ليبيا وكان طرفًا أساسيًّا في الحرب الأهلية المستمرة في البلاد. وينخرط أبناؤه بشدة في الشئون العامة والعسكرية والاقتصادية. ↩
للمزيد حول الجماعات المسلحة في ليبيا راجع الملحق رقم (1) في هذا التقرير. ↩
راجع: عزة كامل المقهور، «نظرة قانونية في حكم المحكمة العليا الليبية»، المجلس الأطلسي، نوفمبر 2014
وأيضًا: سليمان إبراهيم، «بين القانون والسياسة: المراجعة القضائية للتعديلات الدستورية في ليبيا»، كونستيتوشن نت، 28 نوفمبر 2014
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/a-legal-look-into-the-libyan-supreme-court-ruling/
http://constitutionnet.org/news/caught-between-law-and-politics-judicial-review-constitutional-amendments-libya ↩في الشرق، نجح آل حفتر، الأب والأبناء، في فرض نظامٍ عسكري قائم على المحسوبية والتوريث مع منافسة ضئيلة أو معدومةٍ في برقة وفزان. وقد تم الترويج لتركيز وسائل الإكراه هذا بوصفه الحل لإنهاء حكم الجماعات المسلحة. ويتناقض هذا الوضع مع الانقسام السياسي والعسكري في الغرب، حيث تندلع اشتباكات خاطفة بين الحين والآخر، لكنها لا تدوم بسبب التهديد المستمر الذي يشكله هجوم قوات الشرق. ولا تزال حكومة الوحدة الوطنية في السلطة، رغم أنه كان مفترض انتهاء ولايتها وفقًا لقرارات الحوار الليبي بإجراء انتخابات 24 ديسمبر 2021 لكنها لم تتم بعد. ↩
للمزيد راجع الجزء المعنون بـ: «خامسًا: أثر الانقسام السياسي على القضاء» في هذا التقرير. ↩
للمزيد حول وقائع استهداف الكوادر القضائية، راجع الملحق رقم (2) من هذا التقرير. ↩
مقابلة أجراها مركز القاهرة مع محامي ليبي، عبر تقنية الفيديو المشفّر، في 7 يوليو 2025. ↩
العربي الجديد، «العدالة المغيبة 2/4: حضرت الميليشيات وغابت دولة القانون في ليبيا»، 11 أغسطس 2022: https://bit.ly/47nReEp ↩
مقابلة أجراها مركز القاهرة، مع محامية ليبية، عبر تقنية الفيديو المشفّر، في 7 يوليو 2025. ↩
مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة (ACLED)، مراسلات، «المنافسة السياسية والاقتتال الداخلي بين المجموعات المسلحة في طرابلس يمتد إلى ما وراء العاصمة الليبية»، 10 يوليو 2025: https://acleddata.com/report/political-competition-and-infighting-among-tripolis-armed-groups-reach-beyond-libyas-capital راجع أيضًا التحديث التالي: https://acleddata.com/update-log/data-update-correction-government-actors-published-acleds-libya-dataset ↩
إرم نيوز، «خلّف قتلى.. اشتباك مسلح بين عائلتين يؤجج صراع الميليشيات في ليبيا» ، 25 يوليو 2025: https://www.eremnews.com/news/arab-world/z5so4xu ↩
التقرير الـ 27 للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، المقدم إلى مجلس بالأمم المتحدة عَمْلًا بالقرار 1970 (2011)، الفقرة 15. ↩
هيومن رايتس ووتش، «انتظارٌ أبدي: الاحتجاز التعسفي طويل الأجل والتعذيب في غرب ليبيا»، 2 ديسمبر 2015: https://www.hrw.org/ar/report/2015/12/03/283978 ↩
المفوضية السامية لحقوق الإنسان، «إساءة المعاملة خلف القضبان: الاحتجاز التعسفي وغير القانوني في ليبيا»، أبريل 2018: https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Countries/LY/AbuseBehindBarsArbitraryUnlawful_AR.pdf ↩
مقابلة لمركز القاهرة مع محامية ليبية، عبر تقنية الفيديو المشفر، في 7 يوليو 2025. ↩
مجموعة مسلحة تتخذ من الشرق مقرًا لها، وتعرف بتبعيتها للجيش الوطني الليبي. للمزيد حول الجماعات المسلحة في ليبيا، راجع الملحق رقم (1). ↩
المحكمة الجنائية الدولية، التقرير الـ 27 لمدعي المحكمة إلى مجلس الأمن بالأمم المتحدة وفقًا للقرار 1970 (2011)، مايو 2024، الفقرة 95. ↩
قُتل عبد الغني الككلي (غنيوة)، رئيس جهاز دعم الاستقرار، في 12 مايو 2025 في ظروف غامضة داخل منشأة تابعة للواء 444 بوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية. أدى اغتياله إلى اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة بين القوات الموالية للحكومة والوحدات التابعة لجهاز دعم الاستقرار في مختلف أنحاء طرابلس، خاصة بحي أبو سليم المكتظ بالسكان حيث مقر الجهاز، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وإصابات عديدة وأضرار جسيمة في المنازل والبنية التحتية. للمزيد راجع: مركز القاهرة، «بعد مقتل غنيوة: السلطات الليبية مطالبة بحماية المدنيين من الاشتباكات المسلحة ومعالجة أزمة إفلات الجماعات المسلحة من العقاب»، 15 مايو 2025: https://cihrs.org/libya-assassination-of-ssa-leader-ghneiwa-sparks-deadly-clashes-authorities-must-protect-civilians-and-end-armed-group-impunity-crisis/ ↩
منشور على الصفحة الرسمية للواء 444 على موقع فيس بوك، في 19 مايو 2025: https://www.facebook.com/Unit444ly/posts/pfbid0vZcZU8kq5VvAqjLB8MdnmvTt9LyRxsJ8z1L4j8UQbBpnYJfppsAe1upEzNWWsyPLl ↩
الصفحة الرسمية لجهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق على موقع فيس بوك، مقطع فيديو في 13 ديسمبر 2025: http://www.facebook.com/reel/789904030750042 ↩
قناة المسار، حفل اجتماع أعضاء النيابة العامة الجدد مع النائب العام، بث مباشر، 23 أبريل 2025: https://www.youtube.com/watch?v=gkclusqy5Tk ↩
المحكمة الجنائية الدولية، التقرير الـ 27، مرجع سابق- الفقرة 39 ↩
مكتب النائب العام، «وفاة عبد المنعم المريمي - لقطات كاميرات المراقبة في جهاز الأمن الداخلي»، 6 يوليو 2025: https://www.facebook.com/attorneygeneral.ly/videos/1083849760350676 ↩
مركز القاهرة، «الخطاب الأمني والديني أدوات السلطة لتبرير القمع في ليبيا»، ورقة بحثية، 25 يونيو 2024: https://cihrs.org/libya-research-briefing-on-the-use-of-security-and-religious-discourse-to-justify-repression/ ↩
محكمة استئناف طرابلس، أوراق القضية رقم 1001/2022، المؤرخة في7 ديسمبر 2022. ↩
للمزيد راجع الجزء المعنون بـ (دراسة حالة: قضية جماعة «تنوير») في هذا التقرير. ↩
مركز القاهرة، «الخطاب الأمني والديني أدوات السلطة لتبرير القمع في ليبيا»، مرجع سابق. ↩
مركز القاهرة، «الانتهاكات في ليبيا والاستعراض الدوري الشامل: فشل تام في تنفيذ التوصيات منذ 2015»، 2 أبريل 2020: https://cihrs.org/libya-a-complete-failure-to-implement-upr-recommendations-since-2015/ ↩
المرجع السابق. ↩
الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية، «بيان صحفي بشأن الهجوم المسلح على مقر دائرة الأحوال الشخصية في أبو سليم التابعة لمحكمة باب بن غشير الجزئية»، 15 يوليو 2025: https://www.facebook.com/share/p/18W6Fn92oW/?mibextid=wwXIfr ↩
جهاز الأمن العام يتبع وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا. ويخضع لقيادة عبد الله الطرابلسي، المعروف بلقب (الفراولة)، وهو شقيق القيادي الأمني البارز عماد الطرابلسي الذي كان يتولى وزارة الداخلية في ذلك الوقت. للمزيد راجع؛ وكالة نوفا للأنباء: «ليبيا: إطلاق نار في محكمة طرابلس بعد صدور حكم على أحد عناصر الأمن العام»، 15 يوليو 2025: https://bit.ly/46GFvRf ↩
مركز القاهرة، «ليبيا: الهجوم المسلح على محكمة في طرابلس يبرز الحاجة الملحّة لاستعادة سيادة القانون»، 18 يوليو 2025: https://cihrs.org/libya-armed-attack-on-tripoli-court-underscores-urgency-of-restoring-rule-of-law/ ↩
مركز القاهرة، «الخطاب الأمني والديني أدوات السلطة لتبرير القمع في ليبيا» - مرجع سابق. ↩
مقابلة لمركز القاهرة، مع (م. أ. س) عضو جماعة تنوير، عبر تقنية الفيديو المشفر، في 5 ديسمبر 2025 ↩
مركز كلينكن ديل، «مراقبة الشرطة: المشاق التي يواجها الاتحاد الأوروبي لتعزيز قطاع الأمن الليبي»، موجز سياسات، نوفمبر 2022: https://www.clingendael.org/sites/default/files/2022-12/Policy_brief_The_EU_struggle_to_strengthen_the_Libyan_security_sector.pdf ↩
الجارديان، «إطلاق سراح سيف الإسلام نجل القذافي على يد ميليشيا»، 11 يونيو 2017: https://www.theguardian.com/world/2017/jun/11/gaddafi-son-saif-al-islam-freed-by-libyan-militia ↩
المحكمة الجنائية الدولية، «الإفراج عن موظفي المحكمة الجنائية الدولية الأربعة في ليبيا»، بيان صحفي في 2 يوليو 2012: https://www.icc-cpi.int/news/four-icc-staff-members-released-libya?lang=Arabic ↩
المحكمة الجنائية الدولية، «قضية الورفلي: المدعي العام ضد محمود مصطفى بوسيف الورفلي»، رقم القضية: ICC-01/11-01/17، أمر القبض الأول في 15 أغسطس 2017: https://www.icc-cpi.int/libya/al-werfalli وأمر القبض الثاني في 4 يوليو 2018: https://www.icc-cpi.int/sites/default/files/CourtRecords/CR2018_03552.PDF ↩
المحكمة الجنائية الدولية، «الوضع في ليبيا: الدائرة التمهيدية الأولى بالمحكمة الجنائية الدولية تكشف عن 6 مذكرات توقيف»، بيان صحفي في 4 أكتوبر 2024، وأيضًا: المفوضية السامية لحقوق الإنسان، «ترهونة - المقابر الجماعية والانتهاكات والتجاوزات ذات الصلة بحقوق الإنسان في ليبيا»، تقرير في 30 أغسطس 2024 https://www.icc-cpi.int/news/libya-situation-icc-pre-trial-chamber-i-unseals-six-arrest-warrants?lang=Arabic
https://www.ohchr.org/ar/documents/country-reports/tarhuna-mass-graves-and-related-human-rights-violations-and-abuses-libya ↩المحكمة الجنائية الدولية، «سؤال وجواب، المدعي العام ضد خالد محمد علي الهيشري»، تم التحديث في ديسمبر 2025: https://www.icc-cpi.int/sites/default/files/2025-12/2025-12-02-qa-el-hishri-eng.pdf ↩
أ.د. الكوني علي أعبودة، «ميزان الدستور: تعطيل الدائرة الدستورية والحق في الوصول إلى العدالة»، عدالة للجميع، 22 مايو2023: https://www.adalaforall.org/ar/mawazin-mag/the-scale-of-the-constitution-obstructing-the-constitutional-circuit-and-the-right-to-access-justice وأيضا: الأمين العام للأمم المتحدة، تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ( (S/2022/632 30 أغسطس 2022: https://docs.un.org/ar/S/2022/632 ↩
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إحاطة مقدمة لمجلس الأمن من وكيلة الأمين العام روزماري ديكارلو، 30 أغسطس 2022: https://press.un.org/en/2022/db220830.doc.htm ↩
عمر حمادي، «المعضلة الدستورية في ليبيا: الآفاق المستقبلية لمشروع الدستور»، مؤسسة فريدريش إيبرت، 2024: https://library.fes.de/pdf-files/bueros/libyen/21965.pdf ↩
المحكمة العليا الليبية، الطعن الدستوري رقم 5/69 (2023)؛ راجع: ليبيا أوبزرفر، «المحكمة العليا تقضي بعدم دستورية قانون إنشاء محكمة دستورية في بنغازي»، يونيو 2023: https://libyaobserver.ly/news/supreme-court-libya-law-establishing-constitutional-court-benghazi-illegal ↩
هيومن رايتس ووتش، «ظُلم مُتأصّل: ضرورة الإصلاح الشامل للعدالة في ليبيا»، 2 يونيو 2025: https://www.hrw.org/ar/report/2025/06/02/391402 ↩
قرار المحكمة الدستورية العليا (بنغازي) رقم 27 لسنة 2025، الصفحة الرسمية للمحكمة على موقع فيس بوك. ↩
كونستيتيوشن نت، «المجلس الرئاسي الليبي يلغي قانون إنشاء المحكمة الدستورية»، 2 مايو 2025: https://constitutionnet.org/news/libyas-presidential-council-annuls-law-establishing-constitutional-court ↩
منشور على الصفحة الرسمية للمحكمة الدستورية العليا على موقع فيس بوك، بتاريخ 22 ديسمبر 2025: https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid02w4gTYFyou2wtQVVxgHEKhcthYzQcjWXz1291otw9g1FcWCzFjuehw37vGiE5KLXMl&id=100094321417896 ↩
منشور على الصفحة الرسمية للمحكمة الدستورية العليا على موقع فيس بوك، بتاريخ 31 ديسمبر 2025: https://www.facebook.com/SupremeCourtOfLibya/posts/pfbid02fYTm5fhZM4FQuyswLui9Cg8J7eaT2UJ69khQEp5aqDkag932fj4jKDRc4sdhkMmLl ↩
المجلس الأعلى للقضاء هو الهيئة الدستورية والقانونية المنوط بها إدارة شئون القضاء بوصفه سلطة مستقلة، ومنفصلة قانونًا عن السلطتين التنفيذية والتشريعية. ويكمن دوره في ضمان استقلال القضاء، وتنظيم المسارات الوظيفية القضائية، والإشراف على الإدارة الداخلية للمحاكم والنيابات. راجع القانون 6 لسنة 2006 بشأن نظام القضاء: https://bit.ly/47n3Hbo ↩
مجلس النواب الليبي، القانون رقم 11 لسنة 2021 لتعديل قانون نظام القضاء. ↩
اللجنة الدولية للحقوقيين، «ليبيا: إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء تهدد سيادة القانون»، 21 ديسمبر 2021: https://www.icj.org/wp-content/uploads/2021/12/ARA_Libya-SJC-PR.pdf ↩
اللجنة الدولية للحقوقيين، المرجع السابق. ↩
المحكمة العليا الليبية، الطعن الدستوري رقم 5/69 لسنة 2023. ↩
المفكرة القانونية، «مجلس القضاء الليبي بين مطرقة التعديلات التشريعية وسندان الطعون الدستورية»، 21 يناير 2024: https://bit.ly/4l4HG70 ↩
Share this Post

