El Hishri case: Confirmation of Charges hearing opened on 19 May 2026 © ICC via Flickr

ليبيا: محاكمة خالد الهيشري أمام الجنائية الدولية خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة

في البرنامج الدولي لحماية حقوق الإنسان, دول عربية

في خطوة مهمة نحو المساءلة عن الجرائم الدولية الجسيمة المرتكبة في ليبيا، يَمثُل اليوم المسئول الأمني السابق بسجن معيتيقة خالد محمد علي الهيشري للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية، مُتهمًا بـ 17 جريمة تندرج ضمن الجرائم الإنسانية وجرائم الحرب.

في 16 يوليو 2025، ألقت السلطات الألمانية القبض على الهشري تنفيذًا لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في 10 يوليو 2025، تتهم الهيشري بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، خلال الفترة بين فبراير 2015 وبدايات 2020. وقد تم ترحيل الهشري إلى لاهاي في 1 ديسمبر 2025.

كان الهشري مسئولًا رفيع المستوى في جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة (المعروف أيضًا باسم الردع)، وهي جماعة مسلحة ترتبط رسميًا بالمجلس الرئاسي الليبي ، لكنها تعمل عمليًا باستقلالية كبيرة وتحظى بنفوذ واسع. وقد تولى الهيشري الإشراف على سجن معيتيقة في طرابلس، حيث تعرض المحتجزون لانتهاكات جسيمة، شملت الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، والعنف الجنسي، وغيرها من الانتهاكات.

ولأكثر من عقد، حُرم ضحايا الانتهاكات المرتكبة في سجن معيتيقة والناجون منها، وكذلك أسرهم، من العدالة وسبل الانتصاف الفعالة داخل ليبيا. ولعل هذه المحاكمة أمام الجنائية الدولية تبعث برسالة مهمة مفادها أن المساءلة عن الجرائم الجسيمة لا تزال ممكنة، رغم إخفاق السلطات الليبية المستمر في محاسبة المسئولين عن هذه الجرائم أو ضمان مسارات فعالة لتحقيق العدالة. كما يؤكد تنفيذ ألمانيا لمذكرة التوقيف الصادرة عن الجنائية الدولية أن تحقيق المساءلة ممكن إذا توافرت الإرادة السياسية. أن هذه الإجراءات تمثل فرصة مهمة لمواجهة ثقافة الإفلات من العقاب الراسخة، التي لا تزال تغذي العنف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مختلف أنحاء ليبيا.

تكشف قضية الهشري أيضًا عن العقبات البنيوية العميقة التي لا تزال تقوض منظومة العدالة في ليبيا. فما تزال الجماعات المسلحة تمارس نفوذًا واسعًا على مرافق الاحتجاز والإجراءات القضائية، بينما القضاة وأعضاء النيابة العامة والمحامون والشهود عرضة للتهديد والترهيب والعنف. كما أن استمرار تدخل الجهات المسلحة في عمليات القبض والاحتجاز والإجراءات القضائية وتنفيذ الأحكام يقوض بشدة سيادة القانون ويحد من وصول الضحايا إلى العدالة.

وفي هذا السياق، يبقى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية التزامًا قانونيًا مهمًا لجميع السلطات الليبية، لا سيما عقب إعلان ليبيا قبول اختصاص المحكمة بشأن الجرائم المرتكبة على الأراضي الليبية منذ 2011 وحتى نهاية 2027. ويقتضي هذا الالتزام تعاونًا كاملًا وفعالًا مع المحكمة، بما يشمل تنفيذ مذكرات التوقيف وتسليم جميع المطلوبين للمحكمة.

وبالمثل، يظل تعاون الدول الأطراف في نظام روما الأساسي عنصرًا أساسيًا لضمان المساءلة عن الجرائم الدولية. فقد سبق وعكست قضية أسامة المصري نجيم، رئيس جهاز الشرطة القضائية السابق في ليبيا، العواقب الخطيرة للإخفاق في الوفاء بمثل هذه الالتزامات. فرغم إصدار الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، من بينها القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي داخل منظومة السجون في ليبيا، أفرجت السلطات الإيطالية عنه وقررت إعادته إلى ليبيا بعد أيام قليلة من توقيفه، مما قوض فرص تحقيق العدالة والمساءلة للضحايا. ورغم أن السلطات الليبية أعلنت القبض عليه في طرابلس في 5 نوفمبر 2025، إلا أنها لم تسلمه حتى الآن إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ولا تزال سبع مذكرات توقيف إضافية صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مسئولين ليبيين تنتظر التنفيذ، بما في ذلك مذكرات توقيف صدرت في أكتوبر 2024 بحق مشتبه بهم مرتبطين بجماعة (الكانيات) المسلحة، على خلفية جرائم ارتُكبت في ترهونة بين 2013 و2020. وفي 3 فبراير 2026، قُتل السياسي الليبي سيف الإسلام القذافي الذي كان قد صدر بحقه أيضًا مذكرة توقيف من الجنائية الدولية، فحرم اغتياله الضحايا من الحقيقة والجبر. وكان سيف الإسلام قد تم احتجازه لدى جماعة مسلحة في الزنتان منذ 2011 وحتى الإفراج عنه في يونيو 2017، وأفلت من العدالة لمدة خمسة عشر عامًا. أما القائد العسكري محمود الورفلي، والخاضع بدوره لمذكرتي توقيف من المحكمة في 2017 و2018 على خلفية اتهامات بعمليات قتل خارج نطاق القانون، فقد ظل حتى مقتله في مارس 2021 ناشطًا في شرق ليبيا بمعزل عن أي محاسبة. مثل هذه القضايا تكشف كيف تعرقل الجهات المسلحة الإجراءات الدولية، ثم يضمن العنف والاغتيال لاحقًا ألا يواجه المسئولون عن الجرائم أي مساءلة.

المنظمات الموقعة على هذا البيان تدعو المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والدول الأطراف في نظام روما الأساسي، إلى مواصلة تقديم الدعم السياسي والعملي القوي للمحكمة الجنائية الدولية، وضمان توفير الموارد اللازمة للمحكمة، حتى تتمكن من الاضطلاع بولايتها بصورة مستقلة وفعالة. كما تؤكد أهمية حماية الضحايا والشهود ومنظمات المجتمع المدني الليبية العاملة على توثيق الانتهاكات والسعي لتحقيق المساءلة، وتقديم الدعم اللازم لهم.

كما تدعو إلى إصلاحات هيكلية حقيقية في قطاعي الاحتجاز والعدالة في ليبيا، بما يشمل ضمان خضوع جميع مرافق الاحتجاز لإشراف قضائي فعال وحمايتها من تدخل الجماعات المسلحة. إذ ينبغي ألا يسهم التعاون الدولي مع السلطات الليبية، بما في ذلك في مجالي الأمن وإدارة الهجرة، في تمكين الجهات المتورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو المتورطة في جرائم دولية.

ينبغي أن تكون محاكمة الهشري بداية لمسار أوسع وأكثر مصداقية للمساءلة، يهدف إلى كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة للضحايا والناجين، وضمان محاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم الدولية في ليبيا، بغض النظر عن رتبهم أو مواقعهم الوظيفية أو انتماءاتهم.

المنظمات الموقعة:

  • مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
  • منظمة رصد الجرائم في ليبيا
  • جمعية عدالة للجميع
  • ائتلاف المنصة الليبية لحقوق الإنسان
  • المنظمة الليبية للمساعدة القانونية
  • الجمعية المستقلة لحقوق الإنسان
  • المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب

Share this Post