يعرب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء أحدث مظاهر العنف السياسي في ليبيا، في أعقاب اغتيال سيف الإسلام القذافي. إذ أفادت التقارير أنه قُتل في مدينة الزنتان (غرب ليبيا) في 3 فبراير/شباط الجاري، في ظروف غامضة. ويعد هذا القتل خارج نطاق القانون فرصة مهدرة لمحاسبة عادلة عن انتهاكات الماضي، يستحقها الشعب الليبي. إذ لا سبيل لمنع تكرار الانتهاكات سوى بضمان السلام المجتمعي والمصالحة. وفي الوقت نفسه، يؤكد مركز القاهرة على قيمة الحق في الحياة، الذي لا يجوز حرمان أي شخص منه تعسفيًا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بغض النظر عن مشاركته في أي جرائم، أو موقعه السياسي، أو دوره العام.
كانت وسائل الإعلام قد أفادت أن أربعة مسلحين مقنعين اقتحموا منزل سيف الإسلام القذافي، وأطلقوا عليه النار حتى أردوه قتيلًا؛ ولم تعلن أي جهة مسئوليتها عن الحادث، بينما أعلن مكتب النائب العام فتح تحقيق جنائي حول الواقعة، بمجرد تلقيه بلاغ رسمي بوقوعها. إذ باشر المحققون الإجراءات الواجبة، من جمع للمعلومات ومعاينات ميدانية، واستدعاء للشهود، امتثالًا لتوصيات النائب العام. وفي يوم الثلاثاء 3 فبراير/شباط، فحص المحققون الجثمان برفقة أطباء شرعيين متخصصين في الأسلحة النارية والبصمات والسموم، وأكدوا وفاة سيف الإسلام القذافي جراء طلقات نارية. بينما أكد مكتب النائب العام أن التحقيقات لا تزال جارية.
وفيما يرحب مركز القاهرة بإعلان فتح التحقيق، فإنه يكرر أن مصداقية هذا التحقيق ستعتمد بدرجة كبيرة على استقلاليته وشفافيته وخلوه من تدخل الجماعات المسلحة أو السلطات السياسية.
سيف الإسلام القذافي، هو نجل الديكتاتور الليبي المخلوع معمر القذافي (1976 – 2011)، والذي طالما قدم نفسه كمثقف ومصلح حضاري، منفتح على الدوائر الدبلوماسية والاقتصادية الغربية، بما في ذلك مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا. غير أن هذه الصورة انهارت تمامًا مع انطلاق ثورة 2011، حين دعا علنًا إلى «سحق شياطين التمرد بالدم». وبعد 2011، اعتقلته مجموعة مسلحة، وحكمت عليه محكمة في طرابلس بالإعدام غيابيًا عام 2015 لارتكابه جرائم حرب. لكن في يونيو/حزيران 2017، أعلنت كتيبة أبو بكر الصديق الإفراج عنه بموجب «عفو» صادر عن سلطات شرق ليبيا. فيما جددت المحكمة الجنائية الدولية تأكيدها أن ليبيا ما تزال ملزمة باعتقاله وتسليمه بموجب مذكرة التوقيف السارية، والصادرة عن المحكمة، ومقرها لاهاي، لارتكابه جرائم ضد الإنسانية خلال حملة القمع أعقاب 2011. وقد سعى للعودة إلى الساحة السياسية وسط عملية انتخابية تعثرت مرارًا.
يأتي مقتل سيف الإسلام القذافي خارج نطاق القانون ضمن نمط أوسع من العنف سائد الآن في ليبيا، حيث يحل العنف محل العدالة والمساءلة. ففي مايو/أيار 2025، أعرب مركز القاهرة ومنظمات المنصة الليبية لحقوق الإنسان عن قلقهم البالغ إزاء مقتل قائد جهاز دعم الاستقرار عبد الغني الككلي («غنيوة») خارج نطاق القانون، أثناء احتجازه لدى مجموعة اللواء 444 قتال المسلحة، المرتبطة بوزارة الدفاع، والتي يقودها رئيس الحكومة الحالي عبد الحميد الدبيبة. وقد أشعل مقتله مواجهات دامية في طرابلس وأظهر مدى خطورة ممارسات الجماعات المسلحة بمعزل عن القانون. وحتى الآن، لم يعلن مكتب النائب العام نتائج التحقيقات، إن وُجدت.
كما أظهرت حوادث سابقة أن جرائم القتل السياسي يمكن أن تتسبب في اضطرابات مدنية وانفلات أمني واسع، خاصة عندما لا يُحاسب أحد. ويرى مركز القاهرة أن ثمة نمطًا قائمًا من هذه الجرائم، يستند إلى تأثير وتدخل الجماعات المسلحة في منظومة العدالة في ليبيا، إذ أدى الانقسام السياسي إلى تعدد الأنظمة القانونية، على نحو يقوّض المساءلة ويهدد سيادة القانون. ونتيجة لذلك، يعمل القضاة والمدّعون العموم في بيئة تتسم بانعدام الأمن، والفوضى، والتدخل السياسي.
ويؤكد مركز القاهرة أنه لا يوجد أي طريق مختصر –سواء كان سياسيًا أو عسكريًا– يمكن أن يُغني عن الحاجة إلى سيادة القانون والمساءلة الحقيقية في ليبيا عن جميع الجرائم والانتهاكات، سواء المرتكبة في الماضي من قبل النظام السابق أو المرتكبة مؤخرًا من قبل النظام القائم. وأن أي مساءلة لا بد أن تتم من خلال أجهزة قضائية مستقلة ونزيهة تحترم حقوق الإنسان والحق في الحياة.
وبناء عليه، يدعو مركز القاهرة:
- مكتب النائب العام إلى ضمان استقلالية وشمول وشفافية التحقيق في مقتل سيف الإسلام القذافي، بما في ذلك حماية الشهود، وحفظ الأدلة الجنائية، وتقديم شرح علني لمسار التحقيق والإجراءات المتخذة لمنع التدخلات، وضمان محاكمة جميع المشتبه بهم أمام محاكم مختصة، سواء كانوا منتمين إلى جهة ما أو غير منتمين.
- السلطات في طرابلس وجميع القوى الفعلية المعنية إلى اتخاذ تدابير ملموسة لمنع أعمال الانتقام والعنف، وإعلان رفض علني لا لبس فيه لكل أشكال العنف السياسي.
- جميع الفاعلين السياسيين الليبيين إلى تسوية النزاعات بوسائل سلمية عبر المؤسسات والسبل القانونية، والاعتراف بأن الاغتيالات السياسية تعمّق الانقسام.
- الأمم المتحدة والدول المعنية إلى دعم مسارات المساءلة الموثوقة في ليبيا، وتعزيز الدعم الدولي لحفظ الأدلة، ودعم جهود المساءلة المرتكزة على حقوق الضحايا.
Share this Post

