هذا الوضع المأساوي ولد في فجر 23 يوليو 1952

In مقالات رأي by CIHRS

بهي الدين حسن

 

تعيش مصر في إطار نظام سياسي تسلطي منذ عدة عقود، جذور هذا النظام تعود إلي “ثورة” 23 يوليو1952، الذي قام خلالها مجموعة من ضباط الجيش بانقلاب علي النظام الملكي شبه الليبرالي الذي كان يحكم مصر منذ ثورة 1919، تحت شعارات وطنية ذات شعبية كبيرة تطالب بالاستقلال الكامل، وجلاء قوات الاحتلال البريطاني من قناة السويس واستعادة فلسطين التي أقامت عليها إسرائيل دولتها في مايو 1948. قام “الضباط الأحرار” بتشييد أركان نظام سياسي استبدادي يقوم علي حكم الفرد، أطاح بالدستور الليبرالي الذي اعتمد عام 1923، ورفضوا مشروع دستور 1954 الليبرالي الذي وضعته هيئة شكلها ضباط يوليو بأنفسهم، ثم وضعوا دستورًا في عام 1956 لإضفاء الشرعية علي النظام الجديد. ألغوا الأحزاب السياسية، وقيدوا النقابات المهنية، واستولوا تماماً علي النقابات العمالية، وكانوا قد قاموا بإعدام اثنين من القيادات العمالية في العام الأول للثورة. كما سيطروا علي وسائل الإعلام، إلي أن قاموا بتأميم الصحافة عام 1960. وحاصروا الجمعيات الأهلية، إلي أن أصدروا عام 1964 قانوناً يقنن خضوعها للسيطرة الحكومية، وخلال ذلك مارسوا ضغوطاً عنيفة علي النظام القضائي والقضاة -الذين يستلهمون تراثاً ليبرالياً ممتداً في الفكر القانوني المصري- تجلي ذلك بشكل خاص من خلال إجراء تعديلات تعسفية علي النظام القضائي، وإنشاء محاكم موازية استثنائية عسكرية وشبه عسكرية لمحاكمة خصومهم السياسيين، وبلغ الأمر ذروته بما عرف تاريخياً بـ«مذابح القضاة» في عامي 1954و 1968، حيث جري فصل عدد كبير من القضاة الذين رفضوا التدخل السياسي في شئون القضاء. الحرية الأكاديمية كانت أيضاً أحد أبرز ضحايا نظام يوليو، الذي قام بفصل عدد كبير من أساتذة الجامعة الذين اعتبرهم خصوماً فكريين له. وفرض رقابة بوليسية علي مضامين التعليم الجامعي.

الجماعات السياسية في أقصي اليمين (الإخوان المسلمون) وكذلك اليساريون وخاصة الشيوعيين منهم، كان لهم نصيب خاص من القمع، حيث جرت لهم حملات اعتقال جماعية، مكثوا بعدها سنوات طويلة في السجون العسكرية وغير العسكرية -دون محاكمة- وتعرضوا خلالها لأقسى ممارسات التعذيب -الذي لم يكن سائداً قبل يوليو 1952- ولقي عدد منهم مصرعه بسبب ذلك، بل جري اللجوء لحامض كيميائي لإذابة الجثث والتخلص منها. ولم يعرض أغلبيتهم الساحقة علي القضاء، ومن حوكم منهم، عوقب بعضهم بالإعدام بعد محاكمات مبتسرة لم تتوافر فيها أدني معايير العدالة.

كان للهزيمة العسكرية الكبيرة التي تعرضت لها مصر علي أيدي الجيش الإسرائيلي في يونيو 1967، أثر مدوٍ علي تماسك نظام أقام مشروعيته السياسية علي المواجهة مع الغرب وإسرائيل، وخاصة أن الجيش المهزوم كان ركيزة سلطته وجهاز قمعه هو مخابراته. فبدأت أعمال الاحتجاج تجد طريقها للشارع لأول مرة منذ عام 1954، بعد أن كانت متوارية خلف شخصيات رمزية في بعض الأعمال الأدبية.

 

الانفتاح السياسي ينفِّس الأزمة ولا يتجاوزها:

بوفاة جمال عبد الناصر الشخصية المركزية في نظام يوليو –قائد الثورة ورئيس الجمهورية- في سبتمبر 1970، بدأ نظام يوليو مرحلة أخري علي طريق الوهن، وخاصة مع اندلاع صراع “مراكز القوي” داخل نخبة الحكم بعد أشهر قلائل من غياب الديكتاتور القوي. رغم أن نظام السادات قاد البلاد في حرب أكتوبر 1973 لانتصار أعاد الاعتبار للمصريين أمام إسرائيل بعد هزيمة 67 المدوية، إلا أنه اتضح فيما بعد أن انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي -أي “إزالة آثار العدوان”، وفقا لمصطلحات الخطاب السياسي الناصري- لا يعني بشكل آلي إزالة آثار الصدمة السياسية الهائلة الناجمة عن الهزيمة. الأمر الذي دفع الحاكم الجديد “أنور السادات” إلي المبادرة بإتاحة هامش محدود للتعددية الحزبية، من خلال السماح بإنشاء ثلاثة أحزاب، أحدهما الحزب الحاكم، بينما اقتصر دور الحزبين الآخرين (يمين ويسار) علي دور “الوصيف”. ثم جري السماح بحزب رابع في وقت لاحق، وحصل الخامس علي الترخيص من خلال القضاء، وهو حزب الوفد الذي كان قائما قبل 1952.

بدأ كل حزب معارض بإصدار صحيفته الخاصة، وبدأت تنشط بعض النقابات وخاصة نقابة المحامين، التي صارت منبرا إضافيا للمعارضة، وتأسست منظمات مصرية لحقوق الإنسان، وجري وضع دستور جديد أقل تكريسا للاستبداد من دستور يوليو. وتراجعت كثيرا -كما وكيفا- ممارسة التعذيب ضد السياسيين المعارضين -حتى صارت أقرب لإساءة المعاملة منها للتعذيب- بعد أن كان تعذيبهم ممارسة منهجية روتينية في عهد عبد الناصر.

كان الهدف هو ترميم شرعية النظام السياسي التي انهارت في 67، ولكن الثغرات المحدودة التي جري فتحها اندفعت من خلالها عواصف كبت سياسي تراكم لأكثر من عقدين من الزمان، وزاد من عنفوان اندفاع العواصف، قوة جذب الفراغ الهائل المتولد عن تهاوي المشروعية السياسية لنظام يوليو علي أيدي الجيش الإسرائيلي خلال بضعة أيام.

ثم سرعان ما بدأ منطق العنف المسلح يجد طريقه ومكانه في ثنايا العاصفة، وذلك علي أيدي جماعات إسلامية.

دفع أنور السادات الثمن باغتياله في 6 أكتوبر 1981، حينما كان يحتفل بذكري انتصاره علي إسرائيل. حملت الرصاصات التي قتلته رسائل متنوعة، كان أكثرها دلالة، هو أن نصر 73 لا يعني محو الآثار السياسية لهزيمة 1967، وأن النظام الذي هُزم في 67، لا يمكنه استعادة مشروعيته السياسية بانتصار في معركة، أو بعملية ترقيع محدود لشرعيته المتهاوية. كان المطلوب تأسيس نظام جديد بمشروعية سياسية جديدة تماما. هذا ما لم يدركه السادات، وهذا ما قاومه بكل شراسة الرئيس حسني مبارك، الذي تولي الحكم بعد اغتياله.

لم تبدأ المقاومة الشرسة للتحول نحو نظام ديمقراطي بعهد الرئيس مبارك، بل بدأت قبيل أربع سنوات من اغتيال السادات، الذي بدأ يتراجع تدريجيا عن الانفتاح السياسي الذي بدأه، بشن هجوم تشريعي وأمني وإداري وإعلامي ضار علي القوي التي ساهم في إطلاق سراحها، فتوالت -منذ انتفاضة الطعام في يناير 1977- التشريعات الاستثنائية، وحملات القبض علي النشطاء السياسيين، ومصادرة “الأهالي” اليسارية أنشط صحف أحزاب المعارضة، وفصل النواب المعارضين من البرلمان، وتقديم الدعم المباشر للمجموعات الإسلامية النشيطة سياسيا لاستخدامها في مواجهة المعارضة ذات الوجه اليساري، بما في ذلك دعم أعمال الاعتداء البدني علي أنصار المعارضة اليسارية داخل الجامعات. ثم قام السادات بإجراء تعديل دستوري يقدم من ناحية تنازلا كبيرا للإسلاميين، -وذلك بمنح مبادئ الشريعة الإسلامية مكانة أعلي، لكي تصبح المصدر الرئيسي للتشريع، بدلا أن تكون أحد مصادره فقط- ومن ناحية أخري بإزالة العائق الدستوري أمام تولي رئاسة الدولة أكثر من فترتين. صفقة تبدو متكافئة، منح السادات مشروعية سياسية استراتيجية للمشروع الإسلامي، مقابل السماح له بتولي الحكم مدي الحياة. ولكن الإسلاميين فسخوا العقد بعد نحو عام، واغتالوا السادات، وتعززت فرص المشروع الاستراتيجي الإسلامي.

 

مبارك الناصري:

لم يبدأ الرئيس مبارك عهده بالقمع، بل في واقع الأمر، بدأه بسلسلة إجراءات أدت إلي تنفيس الاحتقان السياسي الذي كان قد تراكم في السنوات الأخيرة لعهد السادات. فأفرج عن مئات المعارضين الذين اعتقلهم السادات قبل شهر من اغتياله، ووسع من الهامش المتاح أمام أحزاب المعارضة وصحفها من خلال تخفيف الضغوط السياسية عليها، وخلال ذلك تأسست المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في عام 1985 -بعد أن ماتت أو توارت المنظمات الثلاث التي نشأت خلال حكم السادات- ثم توالي ميلاد منظمات أخري.

ونشطت من جديد النقابات المهنية، ولكن بدأ يتزايد نفوذ الإخوان المسلمين داخلها، حتي سيطروا علي أغلبها قبل نهاية الثمانينيات، بالتوازي مع نمو ظاهرة العنف الإرهابي الذي بدأ باغتيال السادات، ولكنه توسع في مواجهة المجتمع، وخاصة مع إزالة كل ضوابط المواجهة الأمنية مع الإرهاب، بما في ذلك السماح بعمليات الاغتيال، والتعذيب حتى الموت.

المناسبة الثانية التي شهدت انفتاحًا سياسيًا في عهد مبارك هي عامي 2004/2005، استجابة للضغوط الدولية المكثفة في ذلك الوقت من أجل الإصلاح السياسي. خلال ذلك جري السماح بحرية التظاهر عدة مرات، وتأسيس صحف سياسية مستقلة بالفعل. وتشكلت بالتوازي جماعات سياسية نشيطة لا تتمتع بترخيص قانوني، من أبرزها جماعة “كفاية”، كما جري تعديل دستوري سمح باستبدال نظام اختيار رئيس الجمهورية بالاستفتاء العام علي شخص واحد، بانتخابات بين عدة مرشحين. ولكن هذا التعديل كان شكليا نظرا للقيود العديدة المتضمنة فيه، والتي تؤدي إلي تحكم الحزب الحاكم في اختيار المنافسين لمرشحه للرئاسة، علي النحو المطبق في تونس منذ فترة طويلة.

باستثناء هاتين الفترتين، فإن حكم مبارك اتسم باللجوء لأساليب القمع علي نطاق واسع، وباستخدام أدوات الدستور والقانون والأمن والإعلام والمؤسسة الدينية الرسمية والمحاكم العسكرية والاستثنائية وغير الاستثنائية، مع فرض حالة الطوارئ طوال فترة الحكم (29 عاما)، والتوسع في استخدام التعذيب ضد السياسيين وغير السياسيين، والعنف الوحشي في قمع أعمال الاحتجاج الاجتماعي والسياسي، وتصعيد دور أجهزة الأمن الداخلي لتصير الركيزة الرئيسية في إدارة الشئون اليومية في البلاد، بعد أن كانت أجهزة المخابرات العسكرية هي أداة القمع الرئيسية في عهد عبد الناصر.

 

جذور الاستهتار بالحرية وحقوق الإنسان:

صعود الدور الاستثنائي لأجهزة الأمن في إدارة الحكم هو أحد أبرز نتائج ثورة يوليو، فقد صاحب تحول مصر من نظام ملكي إلي نظام جمهوري في أعقاب اندلاع هذه الثورة، تحول أكثر أهمية، وهو القضاء علي الاستقلالية النسبية التي كانت تتمتع بها السلطتين التشريعية والقضائية، لحساب هيمنة السلطة التنفيذية عليهما، والتحول إلي نمط حكم الفرد/الرئيس. إن رئيس الجمهورية في ظل نظام يوليو الجمهوري، كان وما زال يتمتع بسلطات أكثر “ملكية” من السلطات التي كان يتمتع بها الملك في العهد الملكي الذي “أسقطته” ثورة يوليو. ومن ثم قد لا يبدو مدهشا أن يسعي نجل رئيس الجمهورية لوراثة موقع أبيه. قد يكون ذلك متناقضا مع شكل النظام الجمهوري، ولكنه يبدو متسقا مع الجوهر الملكي للنظام الجمهوري المطبق في مصر. ويمكن القول إن النظم الملكية الموجودة في بعض الدول الأوروبية، هي أكثر “جمهورية” إذا ما قورنت بنظام يوليو القائم علي حكم الفرد/الملك غير المتوج.

لم تكتف ثورة يوليو بإلغاء الدستور الليبرالي الذي وضع عام 1923، بل كرست الدساتير المتوالية التي جري العمل بها حتى الآن هيمنة السلطة التنفيذية علي السلطتين التشريعية والقضائية، وتمتع رئيس الجمهورية بسلطات مطلقة، لا تخضع للمحاسبة من أية جهة. ولم يطرأ علي هذه الحقيقة المركزية أي تعديل جوهري، رغم تعدد دساتير يوليو وتعرض بعضها للتعديل عدة مرات.

لقد شكل هذا الخلل الهيكلي في بنيان نظام الحكم في أعقاب يوليو52، المصدر الرئيسي ليس فقط لشيوع وتسهيل الاعتداء علي حقوق الإنسان، بل أيضا لصعوبة محاسبة مرتكبي هذه الاعتداءات، نتيجة تهميش دور السلطتين التشريعية والقضائية. هذه الصعوبة صارت استحالة، فيما يتعلق بمحاسبة المسئولين عن أكبر كارثة سياسية وإنسانية وعسكرية أصابت البلاد في القرن العشرين، أي هزيمة يونيو 1967.المصدر الثاني لانتهاك حقوق الإنسان في مصر، هو سريان حالة الطوارئ لفترات طويلة متصلة خلال نظام يوليو، بينها الـ 29 عاما الأخيرة. ففي خلال الفترة من بداية القرن العشرين حتى قيام ثورة يوليو 1952، جري سريان حالة الطوارئ لمدة 17 عاما، منها 14 عاما بسبب الحربين العالميتين الأولي والثانية، بينما تواصلت حالة الطوارئ لمدة 53 عاما من 58 عاما هي عمر نظام يوليو!

يمنح قانون الطوارئ أجهزة الأمن سلطات استثنائية إضافية -فوق ما تحظي به في الظروف العادية – في القبض والاعتقال والتفتيش وتقييد الحريات العامة، خاصة حرية التعبير، بما في ذلك الحق في التجمع والاجتماع وقمعها، والإحالة لمحاكم استثنائية (محاكم الطوارئ). كما يحق للحاكم العسكري -أي رئيس الجمهورية أو من يفوضه- إحالة المدنيين إلي محاكم عسكرية. وهي محاكم استثنائية لا تستوفي الحد الأدنى من معايير العدالة، ويتولي مناصب القضاة فيها ضباط لا يتمتعون بأي استقلالية، بل يخضعون للتراتبية الهرمية في المؤسسة العسكرية.

لقد أدي التوظيف المتواصل لحالة الطوارئ في مصر إلي أن اعتبر خبراء الأمم المتحدة أن قانون الطوارئ صار بمثابة الدستور الثاني لمصر. خلال ذلك صعد دور أجهزة الأمن في النظام السياسي، علي حساب استقلال القضاء -بما في ذلك احترام وتنفيذ الأحكام القضائية- وإهدار مبادئ سيادة القانون. وعلي سبيل المثال تشير الرسائل المتبادلة بين المجلس القومي لحقوق الإنسان وكل من وزارة العدل ومكتب النائب العام ووزارة الداخلية، إلي أن الأخيرة صارت تتمتع بحق الفيتو علي قيام وزارة العدل ومكتب النائب العام بالتحقيق أو بتقديم معلومات عن تحقيقاتها في قضايا الاختفاء والاعتقال.

يقول د. محمد السيد سعيد في إحدى دراساته القيمة، إنه قد “صار لجهاز الشرطة مسئوليات ووظائف تتجاوز بكثير الوظيفة الأمنية في تعريفها التقليدي، ولقد ضاعفت هذه الوظائف والأدوار في شتي مجالات الحياة الاجتماعية (السياسية، الاقتصادية، والنقابية.. إلخ) من قوته، وقادته منطقياً إلى التغول علي المجتمع….إن هذا التطور قد منح لجهاز الشرطة سلطات وأدواراً غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث”.

المصدر الثالث: هو العلاقة المعكوسة بين الدستور والتشريع. فبينما ينظر الفقه القانوني للدستور باعتباره “أبو القوانين”، أي أن القوانين تستنبط من الدستور، ولا تحيد عنه، فإن نقيض ذلك يجري في مصر، خاصة فيما يتعلق بضمانات الحريات العامة وحقوق الإنسان، حيث تعلو سطوة القانون فوق المبدأ الدستوري!

لقد جاء دستور 1971 -الذي وضِعَ في بداية عهد الرئيس أنور السادات- الأفضل بين دساتير يوليو، خاصة في بابه الثالث المخصص للحقوق والحريات العامة. ولكن كثيرا من مواد هذا الباب التي تتضمن مبادئ طيبة تبيح التمتع بالحق، تنتهي عادة بالإحالة للقانون ذي الصلة، الذي يتكفل بإهدار أو تقييد ممارسة الحق المباح دستوريا. ولذا فإن أغلبية القوانين ذات الصلة بقضايا الحريات، تنتهك بدرجات متفاوتة روح النص الدستوري، فضلا عن معايير حقوق الإنسان، وحتى عندما يجري تعديلها، فإنها في أغلب الأحوال تصير أكثر تقييدًا مما كانت عليه.

المصدر الرابع لانتهاك حقوق الإنسان، هو الاعتداء المنهجي المنظم الذي تمارسه السلطة التنفيذية -ومازال مستمرا- علي استقلال السلطة القضائية، منذ الأيام الأولي لقيام ثورة يوليو. وذلك من خلال إنشاء نظم قضائية استثنائية موازية للقضاء الطبيعي، والسيطرة علي مكتب النائب العام، والتدخل الحكومي اليومي في شئون القضاء، بما في ذلك التسييس، وعدم احترام أحكام القضاء – وخاصة فيما يخالف رغبة السلطة التنفيذية- وذلك من خلال عدم تنفيذها، أو التحايل عليها بوسائل شبه قضائية، أو أمنية الأمر الذي أدى ويؤدي إلي ضعف المحاسبة القضائية لانتهاكات حقوق الإنسان، وبالتالي تشجيع غير مباشر علي انتهاكها دون خشية الرادع القضائي.

المصدر الخامس: تقزيم الدور الرقابي للبرلمان. فهو ممنوع عليه محاسبة رأس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية)، بل هو أداة لمنح تفويضات مطلقة إضافية له من حين لآخر ودون مراجعة لاحقة لكيف تصرف الرئيس في التفويض الممنوح. وهو لا يستطيع القيام بأي محاسبة جادة لمساعدي رئيس الجمهورية من وزراء أو رئيس لمجلس الوزراء. بينما يستطيع رئيس الجمهورية حل البرلمان. وتملك السلطة التنفيذية من الأدوات -القانونية وغير القانونية والإدارية والأمنية- ما يمكنها من التحكم في مسار عملية انتخاب أعضاء البرلمان، بحيث لا تقترب نسبة المعارضة داخله في أي انتخابات من نسبة الثلث المؤثر. أما علي صعيد عملية التشريع، فالبرلمان هو مجرد نافذة ملحقة بالسلطة التنفيذية، يجري من خلالها تمرير التشريعات للرأي العام، التي جري إعدادها سلفا في المطبخ الحكومي.

المصدر السادس: ضعف المجتمع المدني. وذلك بإقدام ثورة يوليو منذ شهورها الأولي علي تجريد المجتمع المصري من كل أسلحته، أي بحظر الأحزاب السياسية وتقييد النقابات المهنية والجمعيات الأهلية وحرية التعبير بشكل عام، والصحافة بشكل خاص، إلي أن جري تأميمها في عام 1960. ورغم التطور الذي بدأ في عهد السادات، فإنه مثلما أشرنا من قبل، هو تطور محدود، ويتعرض لاعتداءات دستورية وتشريعية وأمنية من وقت لآخر، بما لا يسمح بالنمو الصحي للمجتمع المدني وتحرير طاقاته.

المصدر السابع: تبني نظام يوليو عقيدة أمنية تقوم علي الشك والريبة في الآخر، ليس السياسي أو الأيديولوجي المختلف فحسب، بل الديني المسيحي واليهودي والبهائي والمسلم غير السني، والعرقي/النوبي، والمواطنين القاطنين علي الحدود، حتى لو كانوا عربًا مسلمين سنة، مثل مواطني سيناء. ويؤدي تبني هذه العقيدة الأمنية إلي إهدار بعض الحقوق الأساسية لقطاعات واسعة من المواطنين، بدرجات وأساليب مختلفة.

المصدر الثامن: هو هيمنة خطاب ديني يكرس تفسيرات للإسلام ذات طبيعة منافية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحض علي الطاعة المطلقة للحاكم. ويتبني هذا الخطاب المؤسسة الدينية الرسمية للدولة، أي الأزهر ودار الإفتاء. وتدعم الحكومة هذا الخطاب في مواجهة أي خطابات أو تفسيرات أخري، أو اجتهادات أكاديمية منفتحة علي مبادئ حقوق الإنسان. بل تعتبر بعض هذه التفسيرات مناقضة للإسلام، ويتعرض أصحابها لألوان متعددة من الاعتداء علي حقوقهم، وعلي حق المجتمع في الاطلاع علي الآراء المتعددة. كما يلقي هذا الخطاب دعما من جماعات الإسلام السلفي والسياسي.

 

الهدف تكريس نظام يوليو واستمراره:

تقوم سياسات الاعتداء علي حقوق الإنسان في مصر بتلبية وظائف الحفاظ علي استمرارية نظام يوليو، أي تكريس حكم الفرد، وهيمنة السلطة التنفيذية، وعدم السماح باستقلال السلطات التشريعية والقضائية، وإبقاء المجتمع المدني ضعيفا غير قادر علي تغيير هذه المعادلات أو التأثير الفعال فيها. مع استخدام أدوات التشريع والتعديل الدستوري لتجديد الشرعية القانونية الشكلية لهذه المعادلات المركزية في ظل ظروف متغيرة، ولتقييد حركة الخصوم والمعارضين الطامحين لتبديل أو تطوير هذه المعادلات، ولإبقاء النقد السياسي داخل البرلمان وخارجه تحت سقف لا يسمح بتحريض جماهير واسعة للانضمام. وعندما لا تفلح أدوات التشريع والإعلام، يترك الأمر لأجهزة الأمن لقمع تحركات الخصوم، وتقييد حريتهم خلف أسوار السجون، وتأديبهم بمختلف الوسائل، بما فيها التعذيب الذي لا يعرف سقفا. وقد يستخدم القضاء الطبيعي أو الاستثنائي لعقاب الخصوم، وذلك من خلال التحكم في مسار العملية القضائية من المنبع -إذا كان المسار عسكريا- أو بتلفيق القضايا، أو التدخل لانتداب قضاة “موثوقين”. وكما يقول د. مصطفي كامل السيد في إحدى دراساته القيمة، “تنوي السلطات احترام حقوق الإنسان بشرط واحد، هو ألا يهدد ذلك استقرار هذه السلطات ذاتها. ولا يعني ذلك بالضرورة الاستقرار السياسي، وإنما يعني استقرار السلطة في أيدي جماعة معينة من المواطنين هم هؤلاء الذين ارتبطت مصالحهم بطريقة أو بأخري بالحكم القائم المتمثل في الحزب الوطني الديمقراطي، ولذلك يتركون المواطنين يمارسون تلك الحقوق عندما لا ينطوي ذلك علي تهديد حقيقي لاستمرار هذه الجماعة في السلطة، وحتي تضمن هذه الجماعة استقرار السلطة في أيديها، فإنها تجدد العمل بقانون الطوارئ”.

هذا لا يعني أن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان يقتصرون علي الخصوم السياسيين الفعليين أو المفترضين، بل إن خريطة الضحايا تشمل المواطنين العاديين علي نطاق واسع. وعلي سبيل المثال فإن ممارسة التعذيب تطال أيضا الأشخاص المشتبه فيهم والمحتجزين أو المطلوبين لأسباب غير سياسية – وأحيانا أسرهم -، وذلك بهدف إجبارهم علي الاعتراف بمعلومات. وتكاد تجمع تقارير منظمات حقوق الإنسان علي أنه أحيانا ما يجري التعذيب دون وجود أي مبرر واضح، نتيجة للسطوة اللامحدودة التي تتمتع بها أجهزة أمن لا تخضع للمحاسبة، بل يصعد دورها السياسي، ويتسع نصيبها يوما بعد يوم في تكوين النخبة الحاكمة منذ يوليو 1952.

الخلاصة: إن الاعتداء علي حقوق الإنسان في ظل نظام يوليو (52 – 2010)، ليست ممارسات أفراد، بل نهجاً مؤسسياً يصعب تصور إمكانية تغييره دون الشروع بإصلاحات جوهرية عميقة في طبيعة النظام السياسي الذي أنتجته ثورة يوليو.

في هذا السياق كم يبدو مدهشًا أن يبادر البعض بالدعوة إلي تنظيم تأبين لخالد سعيد في ذكري ثورة يوليو! فهل يقصد المؤبنون/المحتفلون أن يقولوا إن خالد سعيد هو ضحية لنمط من التعذيب والوحشية المفرطة الذي ولد مع ثورة يوليو؟ أم تراهم يريدون أن يهينوا كل ضحايا التعذيب علي مدار 58 عاما، بالاحتفاء بالضحية والجلاد في نفس اليوم، وبذلك يقتلون خالد سعيد للمرة الثانية؟!

هذا المقال نشر بجريدة الدستور.