وهم السيادة في واقع الاستبداد

في مقالات رأي

مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

أحد أهم أسباب الأزمة السياسية العميقة في العالم العربي أن الخطاب السياسي جامد، جمود الأنظمة وتكلّسها، يردد اللغة الخشبيّة نفسها منذ عقود، لا هو قادر أن يتعلّم من خيباته وهزائمه الداخلية والخارجية، ولا هو منفتح لاستيعاب المتغيرات السياسية والأيديولوجية والثقافية في العالم، يواصل المعزوفة نفسها حول «الوطنية» و«الاستقلالية» و«السيادة» و«الخصوصية» منذ ستينيات القرن الماضي، غير عابئ بالتطورات الرهيبة التي هزّت عديد اليقينيات في العالم وقلبت المفاهيم رأس على عقب. والمفزع حقًّا أن الأمر لا يخصّ الأنظمة فقط، بل يشمل حتى عديد النخب، التي رغم دفاعها عن قيم إنسانية مشتركة، فإنها سرعان ما تلتقي مع السلطة في خطاب سيادوي خاوٍ ورتيب بمجرّد أن تطفو انتقادات خارجيّة، مهما يكن الطرف الناقد ومدى أهميته. وهذا الأمر يعود ربّما إلى رواسب تاريخية وسوسيولوجية وثقافية عدة، منها ضمور الحوار السياسي وعدم تأصله في واقع الاستبداد والتزمّت وأيضًا متلازمة الهوس الأيديولوجي الذي رافق أغلب التيارات السياسية منذ عقود، وكذلك الخشية من عواقب مخالفة الخطاب الشعبوي المهيمن.

لذلك فما أن تثير جهة خارجية ما، مهما كانت مصداقيتها، مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية وقضايا تخص مساجين الرأي والتعذيب وغيرها من الممارسات الاستبداديّة في بلداننا حتى تتحرك «النعرة الوطنية» وتتجنّد جلّ الأقلام من أطياف عديدة وتُحبّر البيانات وتتبارى الخطب، دفاعًا عن وطن أُختزل فعلًا في شخص «الزعيم الأوحد». وفي خضم هذا «التوافق»، تخرج عسس السلطة لتسجّل من يتخلّف عن جوقة التنديد لتلصق به تهم التآمر والخيانة والعمالة للخارج. وإن كان التدخل السافر من قبل دول استعمارية لا معنى ولا مصداقية له، وإن كان لا يحقّ لمن يدوس على حقوق الشعوب وينكر عليها حريتها ويقبل بإبادتها أن يعطي دروسًا في الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أننا يجب أن ندرك، في الآن نفسه، أن مفهوم السيادة الوطنية قد عرف تطوّرا مهمّا منذ عقود. لذلك، عوض تلويك خطابات سيادة واهية، استعملتها أنظمة الحكم العربية منذ استئثارها بالسلطة بهدف إحكام سيطرتها على الشعوب ودغدغة عواطفها وتشويه الخصوم والمعارضين؛ فإننا مطالبون بأن نضع مسألة السيادة في سياق المفاهيم الجديدة وأن نشترط، أولًا، أن تكون مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نظام الحكم الذي يمثل إرادتها، وأن نعي، خاصة، أن الاستبداد هو المدخل الأساسي لضرب سيادة الوطن.

بعبارة أخرى لا سيادة للدولة، مهما كانت قوتها، دون سيادة الشعب، مما يجعل الديمقراطية ضرورة لوجودها وممارستها. فالشعب هو صاحب الحقّ الأول في الوطن وهو صاحب السلطة الحقيقية، يمارسها عبر مؤسّساته المستقلة وانتخاباته الدوريّة الشفّافة وصحافته المتحرّرة من كل قيود. غير ذلك، لا تكون السيادة الوطنية مجرّد وهم وحسب، بل طريقة متحيّلة لتأبيد الحكم الفرديّ والطغيان.

ثانيًا، أن يعترف القانون الدولي بسلطة الحكومات في إدارة شئونها الداخلية، من دون تدخّل خارجيّ أو إملاءات من أيّ طرف، إلّا أنه يقيّد السلطة المطلقة بقوانين ومعاهدات وقواعد تحظر الانتهاكات وتحترم حقوق الإنسان. وكل المعاهدات والصكوك والمواثيق الإنسانية التي أمضت عليها الدولة تعتبر ملزمة بتطبيقها، وأيّ إخلال بها يستوجب وقفة حازمة من طرف المنظمات والهيئات المستقلة والنخب السياسية.

ثالثًا، فرضت العولمة عبر ترابطها الاقتصادي والرقمي تفسيرًا جديدًا للسيادة الوطنية حيث انزاحت من مفهوم تقليدي يمنح الدولة الوطنية سيادة مطلقة إلى استقلاليّة مقيّدة تتطلّب التوفيق بين المصالح الوطنيّة والانفتاح على العالم وأصبحت العلاقات الدولية يحكمها الترابط والتشابك. ومهما تكن مخاطر ومساوئ اقتصاد السوق، فقد فرضت العولمة على الحكومات القبول بالمعايير الدولية.

 

وباختصار، فان تجاربنا التاريخيّة السابقة أثبتت أن السيادة الوطنية لا علاقة لها بالعنتريات الكلامية والخطب الرنانة ولا يجب أن تخدعنا الأنظمة بجعلها وسيلة للتغطية عن عجزها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المزمن، بل هي (أي السيادة) الانتصار لوطن متسامح ومنفتح، يحتضن جميع مواطنيه بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم وأفكارهم ومذاهبهم، وطن تطلق فيه المبادرة وتسود فيه الحرية وتحترم فيه مبادئ المواطنة…

فكيف لأوطان تغيب فيها الحوكمة الرشيدة وينتشر فيها الفساد وتُخنق فيها المؤسسات ويُدجّن فيها القضاء ويفقد الشباب الأمل في الحياة والمستقبل وينتشر فيها الخوف والريبة وتعمّها الكراهية أن تكون لها سيادة؟ وكيف لمستبدّ لا يستمع إلا إلى صدى صوته أن يقود بلدًا ما بحكمة وبصيرة؟ وكيف لشعب خانع، يسلّم مقاليد وطنه لشخص واحد أن يفرض الاحترام الخارجي؟

خلال العقود الأخيرة، تعلمنا دروسًا لا يجب أن ننساها: الحاكم العربي الذي يزعم أنه رافض للتدخّل الأجنبي حفاظًا على سيادة الوطن إنما يكون في صدد تهيئة الظروف المناسبة للتدخل الأجنبي؛ وهو، لسوء حظه، من يكون أول ضحاياه. فهذا مستبد قتل كل الحياة السياسية باسم الوحدة الوطنية في انتظار أن يحرّر «الأمة من المحيط إلى الخليج»، خسر كل معاركه بسبب بطشه وغروره وسوء تقديره، وذاك قمع شعبه وشرّد نخبه وسجن وعذّب وقتل معارضيه ثم أُهين من طرف قوى أجنبية حتى الموت، وثالث ورّث الحكم من دون أدنى موهبة ذهنية ولا تجربة سياسية وأخمد صوت معارضيه بالحديد والنار ولم يسلم من بطشه حتى الأطفال ثم عند «امتحان السيادة» حوّل ثلث أموال شعبه إلى منفاه، قبل أن يفرّ تحت جنح الظلام، تاركًا البلاد المنهكة بعقود حكمه مستباحة للعنف الطائفي ولقمة سائغة لكلّ التدخلات الأجنبية. فأية سيادة هذه؟ وبعد كل التجارب المريرة التي عاشتها شعوبنا، هل يمكن أن نعتقد في إمكانيّة أن يحقّق مستبدّ سيادة وطنيّة؟

إن الشعوب التي تنسى ماضيها وأسباب مآسيها لهي محكومة بأن تعيشها مجدّدًا، أحيانًا بمرارة أكبر. لذلك، نحن مطالبون ليس فقط أن نتعلّم من تاريخنا البعيد والقريب، بل أيضًا من مسارات الشعوب الأخرى. ولعل أهمّ ما نتعلّمه اليوم أن ما من وطن نهض وتقدم وحقّق سيادته وفرض احترامه من دون حرية وديمقراطية وعدل.

المصدر: المفكرة القانونية

Share this Post