تونس: هل مازال الخروج من النفق ممكنا؟

In مقالات رأي by CIHRS

مسعود الرمضاني

“لقد دخل هذا الوطن قاعة الانتظار منذ الثورة… قاعة انتظار كبيرة يصعب الخروج منها.”
(
وطن في قاعة الانتظار، للكاتب طارق الشيباني)

الكاريكاتور الذي أوردته إحدى الصحف التونسية يوم 17 ديسمبر 2020، بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة، كان معبرًا: صورة رجل كان يتظاهر ضد بن علي بلباس لائق ويحمل معه سلّة التسوّق، ينتهي به المطاف في 2020 بثياب رثة، ولم يبق له إلا فمه للصراخ، وتلك هي أهم مخرجات الثورة في الصورة: الحق في رفع الصوت والصراخ، مع الجيب الخاوي والسلة الفارغة،، فحرية التعبير تكاد تكون تقريبا المكسب الوحيد الذي تحقق من الثورة… مع تدهور كبير للأوضاع الاجتماعية، أو كهذا يعتقد العديد من أبناء هذا الشعب.

ذلك رغم التقدم الحاصل في التشريعات حول التأكيد على مدنية الدولة و مفهوم المواطنة والمساواة بين المواطنات والمواطنين وحماية حرية المعتقد والضمير ورغم القوانين التي سُنّت في مواجهة العنف ضد المرأة ومناهضة العنصرية والحق في النفاذ الى المعلومة وحقوق الطفل واستقلالية السلطة القضائية وحرية الإعلام ،والانتخابات المستقلة … إلا أن التونسيين يتطلعون اكثر الى تحسين أوضاعهم الاجتماعية ويعتبرونه الشرط الأساسي الذي بدونه لا يُكتب النجاح للثورة. وحسب سبر اراء اخير اوردته احدى الصحف الاجنبية فان 67 بالمائة من التونسيين يعتبرون أن الاوضاع أسوأ من سنة 2010 و85 بالمائة يعتقدون أن الثورة لها تأثير سلبي على اقتصاد البلاد.

وحين تتصفح ما يُكتب في الصحافة التونسية أو العربية أو الاجنبية تقف على عناوين فيها الكثير من التنسيب حول مدى نجاح الثورة التونسية التي هزت العالم وشغلته لأشهر وأرست المثل وكذبت كل المعتقدات في عدم أهلية المنطقة للديمقراطية والحرية، فعناوين الصحف والأخبار تشي بشيء من الخيبة مثل “الحلم الذي لم يكتمل” أو “خيبة الامل” أو “السجل السلبي للثورة” أو “تونس إلى أين؟”.

وحتى الاحتفالات التي غطت السنوات الاولى من الثورة حين تحوّل مسؤولون ونخب الى سيدي بوزيد في 17 ديسمبر، ذكرى اندلاع الثورة، فإنها خفتت واصبحت باهتة وغابت كل مظاهر الفرحة، إذا ما استثنينا النصب التذكاري لمحمد البوعزيزي المنصوب في قلب سيدي بوزيد، الشاهد الوحيد تقريبا على أن الثورة مرت من هناك ،وكأن الكل اصبح يتبرأ من الذكرى، محرجا أو متأففا، وحتى الرئيس التونسي، الذي جعل من شعار الثورة “الشعب يريد” عنوانا لحملته الانتخابية وظل يردده في جل المناسبات حتى بعد توليه الرئاسة، فإنه تعلل بالتزامات طارئة ليغيب … وجاء خطابه يوم 31 ديسمبر 2020، حاملا لنبرة اكثر تشاؤما من عديد التونسيين، إذ صرّح أن “المطالب التي رفعها التونسيون منذ اكثر من 10 سنوات لم يتحقق منها شيء، بل ازدادت الاوضاع سوءا في بعض القطاعات.” 

 والحقيقة ان لا احد من مسؤولي الدولة يود زيارة سيدي بوزيد او اية جهة داخلية بسبب الاحراج والخشية من ردود أفعال المواطنين أمام خيبة الأمل من كل الوعود الواهية التي قُدمت خلال السنوات الماضية.

وهناك أسباب عديدة للإحباط، منها أن الجهات الداخلية التي انتفضت ضد نظام بن علي من اجل التوازن بين الجهات والحد من نسب الفقر، لازالت تشعر بالغبن بعد ان رأت ان فجوة التفاوت قد توسعت وان نسب الفقر قد ارتفعت : التقرير الاخير الذي اصدره المعهد الوطني للإحصاء في اواخر سبتمبر 2020 كان صادما من حيث الاختلال بين الولايات : فنسب الفقر في الوسط الغربي ،أي سيدي بوزيد والقيروان والقصرين (29.3 بالمائة ) تقارب ثلاثة أضعاف النسب في الوسط الشرقي، أي سوسة والمهدية والمنستير (11.7 بالمائة)، وفي تقرير سابق أشار المعهد إلى أن نسبة البطالة في الوسط الغربي تصل الى 25 بالمائة بينما لا تتجاوز 8و9 بالمائة في الوسط الشرقي وتونس الكبرى، اضافة الى وجود حوالي 90 بالمائة من المؤسسات الاقتصادية على الشريط الساحلي، وهذا ما يُعتبر مواصلة لما اسماه عالم الاقتصاد والاجتماع الامريكي غاندر فرانك “تنمية التخلف” development of underdevelopment، التي كُرست منذ دولة الاستقلال الى اليوم ،وبالنتيجة فان لشباب الجهات الفقيرة “الخيار ” بين الهجرة الداخلية الى مناطق أكثر رفاه أو الهجرة غير النظامية، حيث ركب مخاطر البحر حوالي 12 ألف تونسي خلال ال11 شهرا الاولى من سنة 2020، متجهين إلى أوروبا، بحثا عن لقمة العيش، بعد أن ضاقت البلاد بشبابها.

وحتى مبدأ التمييز الايجابي الذي اقره دستور 2014 لصالح الجهات المفقرة والمهمشة من أجل النهوض بها فانه لم يغيّر كثيرا من الواقع، إذا ما استثنينا بعض الخطوات المحتشمة التي اُقرت في التوجيه الجامعي مثل تخصيص مقاعد للدراسة في الشُعب ذات الطلب العالي مثل الطب وطب الأسنان والهندسة لأبناء هذه الجهات.

والمفارقة أن الجهات التي هُمشت زمن حكم بن علي هي المناطق التي تقود الاحتجاجات اليوم، احتجاجات وصلت الى حد العصيان المدني عبر غلق موارد التزويد بالنفط والغاز وتوقيف وحدات الانتاج الصناعي، اضافة الى الاضرابات العشوائية احيانا وغلق بعض المؤسسات، ومراكز السيادة، مما شلّ الإنتاج وزاد الأوضاع الاقتصادية تأزما .

وحتى بغير الاحتجاجات فان تونس تعيش ازمة اقتصادية ومالية تزداد خطورة يوما بعد يوم، فالتقارير التي تنشر، سواء داخليا أو خارجيا تشير الى ان البلاد على حافة الإفلاس، وأن الازمة التي تعيشها الآن لم يسبق لها مثيل، منذ استقلالها سنة 1956، فالاقتصاد التونسي انكمش بنسبة 21.6 بالمائة (سلبي) ووصلت نسبة البطالة إلى حدود 20 بالمائة في آخر السنة، بينما كانت في حدود 15.1 في بدايتها. أما المديونية فإنها بلغت ارقاما قياسية، اذ وصلت الى أكثر من 85 بالمائة من الناتج الوطني الخام.

اختلالات الاقتصاد الهيكلية:

ولم تزد جائحة كوفيد 19 الاقتصاد إلا تأزما وهو الذي يشكو اختلالات هيكلية منذ زمن بن علي، إذ لم تكن عوامل المحسوبية والفساد المالي والمستقبل السياسي الغامض لتونس هي فقط التي حركت الغضب الشعبي منذ انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 وإلى غاية 14 جانفي 2011، فالدولة التي كان لها دور مهم في تدوير الاقتصاد خلال العقد الأول للاستقلال من خلال تأميم المؤسسات وبناء المشاريع اضافة الى دورها الاجتماعي بدأت تفقد شيئا فشئيا مكانتها عبر تحرير الاقتصاد والتعويل على الاستثمار الخارجي، منذ سبعينيات القرن الماضي، وقد بلغ التحرر الاقتصادي مداه خلال فترة التسعينيات باندماج تونس في الاقتصاد العالمي والاتفاقات التجارية مع الاتحاد الاوروبي وكان لهذا الاندماج وهذه الشراكة ارتدادات خطيرة احيانا، إذ جاءت على حساب العدالة بين الجهات. 

يرى الخبير الاقتصادي، عبد الجليل البدوي أن من مخاطر الاندماج في الاقتصاد العالمي جاء “على حساب الاندماج الوطني (الداخلي) والإقليمي(المغاربي والإفريقي) “وهو ما ادى الى “غياب التوازن بين الجهات” وجعل اقتصاد تونس خاضعًا للمتغيرات الاقتصادية العالمية. 

ومن الارتدادات ان كان للازمة المالية العالمية سنة 2008 بالغ الأثر على تونس، في السنوات التالية، وحتى بعد الثورة. يقول عزّام محجوب، جامعي وخبير دولي، ان ازمة سنة 2008 المالية العالمية في تونس ليست “ازمة واحدة بل أزمات، ازمة مالية واقتصادية واجتماعية ،اشتدت انعكاساتها سنة 2009، إذ تفاقم العجز في ميزان الدفوعات وازداد الاقتراض وارتفعت نسبة التضخم وتقلص نسق النمو، وهذا ما أثر سلبا على احداثات الشغل.”

و يؤكد عزام محجوب ايضا ان الاوضاع الاقتصادية التي بدأت في الانحدار منذ سنة 2008 تعمقت بعد الثورة وسقوط نظام بن علي وذلك بسبب تواصل نفس المنهاج الاقتصادي الذي تسبب في الثورة وغياب البدائل التنموية…

 هذا اضافة الى التقلبات الاقتصادية وغياب الاستقرار السياسي والعمليات الارهابية ومحاولة الحكومات المتتالية تلبية مطالب عشرات الاف المواطنين في الشغل، ضمن الوظيفة العمومية، مما أثقل كاهل الموازنة العامة وزاد من نسب التداين…والاخطر ان التداين لا يأتي لخلق الثروة، بل لتطعيم الاستهلاك، مما يجعل فائدته التنموية منعدمة…

البنك الدولي في تقريره الاخير (ديسمبر 2020) وجه نقدا واضحا لسياسة الحكومات التونسية التي ” لم تُحدد بعدُ استراتيجية واضحة حول كيفية معالجتها للتحديات الاقتصادية والمالية العميقة، حتى لما وصلت تونس الى مستويات غير مسبوقة في عجز الموازنة العامة للدولة وتدهور الخدمات العامة” لكن هل هناك سياسة اقتصادية واضحة المعالم في تونس، اصلا؟

معالجة الأزمة السياسية أولا

لاشك ان الازمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ عشرة سنوات قد عمّقت الازمة الاقتصادية والاجتماعية لا بسبب المناكفات حول عديد المواضيع الهامشية التي لا علاقة لها بالمطالب الملحة التي ترفعها البلاد فقط، بل ايضا بسبب افتقاد السلطة للكفاءة والقدرة لإدارة شؤون الدولة، مما أضعف الدولة واربك ادائها واعطى فرصة للتيارات المتطرفة حتى تفرض أفكارها ورؤاها وتُدخل البلاد في دوامة من الصراعات العقيمة، وقد أظهرت انتخابات 2019 مدى الامتعاض من الطبقة السياسية وادائها الضعيف، حيث صعدت تيارات شعبوية ترفع شعارات استمالت الناخبين برفضها لكل المنظومة القديمة و دعاويها امتلاك الحلول لمقاومة الفقر وحماية السيادة الوطنية والذود عن ثروات البلاد “المنهوبة”، وحرك بعضها الاخر مشاعر الحنين الى زمن ما قبل الثورة، كل هذه التيارات أثبتت عدم قدرتها على تغيير الواقع الاجتماعي ،، بل زادت الاوضاع تأزما بسبب غلوها وازدادت الشكوك في نجاعة مؤسسات الدولة وبرهنت على أن جل الطبقة السياسية لا تحمل مصالح الشعب ولا تعكس همومه، وحتى تحوير القانون الانتخابي سوف لن يساهم في ردم الهوة الفاصلة بين المجتمع وهذه المؤسسات، بل سيعيد ترتيب الأوراق فقط.

صحيح أن الثورة التونسية، كغيرها مما سمي بثورات الربيع العربي، لم تكن محمولة من قيادات ثورية كارزمية ولم يكن لها برنامج سياسي واضح، إذا ما استثنينا شعارات اختزلت مطامح التونسيين في العدالة والحرية والديمقراطية ،، لكن لا يجب أن يحجب ذلك أن تتالي نخب وقيادات حزبية على الحكم لم يثمر الكثير من المكاسب للبلاد ولم يُصلّب عود الديمقراطية الهش، وحتى مشروع الحوار الوطني الذي أطلقه الاتحاد العام التونسي للشغل فإنه لاقى تحويرات غامضة من قبل رئيس الجمهورية، غموض حول هوية الشباب الذي يدعو الى اشراكه واليات تشريكه والمقصود بتصحيح مسار الثورة والأطراف التي يريد الرئيس استثنائها من هذا الحوار، لتدخل البلاد في صراع الأجندات السياسية مجددا وتظل مطالب التنمية والتشغيل في “غرفة الانتظار”…


المصدر: جريدة المغرب


الصورة: صورة للبوعزيزي في مدينته سيدي بوزيد – رويترز