يمثل مشروع القانون المقترح بشأن حماية النساء من العنف، والذي تم طرحه في نوفمبر 2023 ويُنتظر إقراره من البرلمان، خطوة محورية هامة نحو الاعتراف بجرائم العنف بحق النساء والفتيات في ليبيا ومكافحتها. لا سيما أنه، في حالة تبنيه، يقدم تعريف واسع للعنف، ويجرم أشكال متعددة من الاعتداءات، ويستحدث آليات للحماية والانتصاف، على نحو يعزز اتساق القوانين الليبية ليبيا مع المعايير الدولية المقررة في هذا الملف. وفي هذا السياق، وبالتزامن مع حملة الأمم المتحدة الجارية 16 يوم لمناهضة العنف ضد النساء، تشجع منظمات المنصة الليبية ومركز القاهرة السلطات التشريعية الليبية على التعامل مع هذا المقترح بجدية وتبنيه، لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن هذا المشروع قد يظل مجرد إجراءً رمزيًا، في ظل سياق عام من الانقسام السياسي وهيمنة الميليشيات وتعطل نظام عدالة، ما لم يتزامن تطبيقه بإصلاحات هيكلية حقيقية.
يتضمن المشروع تعريفًا شاملًا للعنف، يشمل العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي والسياسي والرقمي، وكذلك العنف أثناء النزاعات وفي فترات النزوح، بما يتوافق مع المعايير الدولية المقررة في اتفاقيات عدة منها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وإعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة. كما يتضمن تعريف حديث «للموافقة» في سياق العلاقات الجنسية القائمة على التراضي، يشترط أن تكون المرأة؛ حرة، وواعية، وموافقتها مستمرة. ولا يعتد بهذه الموافقة إذا كانت المرأة دون الثامنة عشر من عمرها، أو فاقدة للوعي، أو تحت الإكراه أو التهديد أو إساءة استخدام السلطة أو الاحتجاز. ولا يعتبر الصمت أو عدم المقاومة موافقة.
يقر المشروع بحقوق جميع النساء والفتيات دون تمييز، بل ويوسع تعريف «الضحية» ليشمل من يتعرضن منهن للأذى أثناء تقديم المساعدة للناجيات. ويكفل سبل الوصول إلى العدالة، والمساعدة القانونية، والدعم النفسي والاجتماعي، والملاجئ، والرعاية الصحية الطارئة، بما في ذلك في حالات الاغتصاب. كما يسمح للمحاكم بإصدار أوامر حماية عاجلة في جميع مراحل إجراءات التقاضي. وينص على تشكيل وحدات شرطة، ونيابة عامة، وغرف قضائية متخصصة، ولجنة وطنية واستراتيجية خاصة بمكافحة العنف بحق النساء. هذه المكونات الإيجابية للمشروع تضعه بين أكثر المبادرات التشريعية تقدمًا في المنطقة في هذا الصدد.
إلا أن المشروع يتضمن بعض النواقص الجديرة بإعادة النظر. فبينما ينص القانون على توفير وسائل منع الحمل الطارئة وعلاج العدوى المنقولة جنسيًا، لا يضمن الإجهاض الآمن للناجيات من الاغتصاب أو سفاح القربى، وهو مكون قد تم إدراجه كجزء من الرعاية الصحية الشاملة، ويكتسب أهمية خاصة في ليبيا، حيث يُحظر الإجهاض ولا يُسمح به إلا لإنقاذ حياة الأم. كما لا يُلغي المشروع بشكل مباشر الأحكام التمييزية في القوانين القائمة، إذ يُبقي على نصوص في قانون الأسرة والقانون الجنائي تقوّض المساواة بين الرجال والنساء.
هذه الثغرات المشار لها مهمة، لكنها ليست العقبة الرئيسية أمام حماية النساء في ليبيا. إذ أن مشهد الفوضى الأوسع يُقوض بشكل جوهري الأثر الإيجابي المحتمل لمثل هذا المشروع. فلا تزال ليبيا منقسمة بين سلطات متنافسة، وهيمنة الميليشيات، وسلطة قضائية أضعفها التدخل السياسي والتهديدات الأمنية ونقص الموارد. وفي مناخ يسوده الإفلات من العقاب، لن تتمكن أغلب النساء من الوصول لسبل العدالة والانتصاف بأمان. ناهيك عن هيمنة الميليشيات والهياكل الأمنية الموازية التي قد تجعل حتى النص على تشكيل وحدات شرطة متخصصة في جرائم العنف ضد النساء مجرد نصوص على ورق تفتقر للتطبيق الفعلي. أو ربما تقع هذه الوحدات تحت سيطرة أحد أصحاب النفوذ المحليين فيعصفون بدورها. وقد تجلى هذا الواقع بشكل صارخ في الهجوم المسلح على محكمة الأحوال الشخصية بأبو سليم في طرابلس في 15 يوليو 2025، عندما أطلق مسلحون في عربات مدرعة النار على المبنى، مما تسبب تعطيل العمل بالمحكمة وبث الرعب في نفوس القضاة والموظفين والمواطنين.
هذا المناخ سمح أيضًا بانتشار العنف السياسي بحق النساء. فمن اغتيال الصحفية نصيب كرنافة في سبها في مايو 2014 والمحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان سلوى بوقعيقيص في بنغازي في يونيو 2014، ثم عضوة المؤتمر الوطني فريحة البركاوي في درنة بعد شهر واحد، وانتصار الحصائري وعمتها في فبراير 2015 واغتيال الناشطة حنان البرعصي عام 2020، تتكرر الاغتيالات التي تستهدف النساء بعد انتقادهن العلني للسلطات، ضمن عدة مخاطر أخرى تواجهها النساء اللاتي يجهرن بمواقفهن المعارضة. ولعل أحدث هذه المآسي اغتيال صانعة المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، خنساء محمد عبد المجيد (خنساء المجاهد)، في 21 نوفمبر 2025، والتي قُتلت رميًا بالرصاص في منطقة جنزور بطرابلس. هذه الحوادث تكشف عن بيئة سياسية واجتماعية تسمح بتنامي العنف بحق النساء، حيث ينتشر القمع والترهيب وتغيب المساءلة.
خلال العامين الماضيين، استخدمت السلطات في الغرب والشرق الليبي حججًا «أخلاقية» لتكريس سيطرتها الاستبدادية، مستهدفة النساء على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال، أعلن وزير داخلية حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، في 6 نوفمبر 2024، عن خطط تشكيل «شرطة الأخلاق» وفرض الحجاب الإلزامي على النساء. أيضًا السلطة القضائية المشلولة في البلاد تعجز عن إصدار أحكامًا واجبة في الوقت المناسب وبشكل محايد، أو أن تنفيذ أوامر الحماية. ويتسبب انعدام الأمن والضائقة الاقتصادية في مزيد من إحجام الناجيات عن الإبلاغ والاستمرار في علاقات عنيفة. فضلاَ عن أن المؤسسات المنقسمة لا يمكنها تطبيق القانون بشكل متسق. فقد تتوافر الخدمات وسبل الحماية في مناطق بينما تغيب عن أخرى.
في مثل هذه الظروف، لا يمكن لأي قانون –مهما بلغت جودته– أن يحمي النساء بشكل فعلي.
فمن جهة، يجب على البرلمان الليبي معالجة الفجوات القانونية في مشروع القانون، وضمان مكافحة الإفلات من العقاب بشكل عام. إذ ينبغي أن يكفل القانون تقديم رعاية صحية جنسية وإنجابية شاملة لكل النساء، بما في ذلك الناجيات من العنف الجنسي. كما يجب أن يتضمن القانون بندًا واضحًا وملزمًا بعدم التمييز، يضمن المساواة بين النساء في الوصول للخدمات، بمن فيهن المهاجرات واللاجئات والنازحات داخليًا والنساء من أصحاب القدرات الخاصة. ومن جهة أخرى، وعلى المستوى الهيكلي، ينبغي أن يتم تعزيز سيادة القانون في ليبيا، من خلال توحيد السلطة القضائية وحمايتها من التدخلات السياسية والمجموعات المسلحة، وضمان حماية العاملين في النظام القضائي، وسلامة المنشآت والموارد. كما ينبغي المضي قدمًا في إصلاح قطاع الأمن، بما في ذلك فصل المجموعات المسلحة عن أجهزة إنفاذ القانون، وضمان خضوعها لرقابة مدنية حقيقية. وبشكل خاص، يجب ضمان سلامة وحرية المدافعات عن حقوق الإنسان – ناشطات ومحاميات وسياسيات وصحفيات –باعتبارهن ركيزة أساسية في دعم الناجيات والمطالبة بالمحاسبة.
دون هذه الإصلاحات الشاملة، سيظل القانون، حتى ولو تم إقراره، إثباتًا لحسن النوايا لا أداةً للتغيير الحقيقي.
Share this Post

