يشكل الاختفاء القسري في اليمن أزمة إنسانية وحقوقية متفاقمة، إذ أصبح أداة لترهيب المعارضين وإسكات الأصوات الناقدة ونشر الخوف بين أفراد المجتمع، بعيدًا عن أي رقابة قانونية أو مساءلة قضائية تُذكر.
ومنذ تصاعد النزاع في اليمن في العام 2014م وثقت المنظمات المحلية والدولية آلاف الحالات من المختفين قسرًا، علمًا بأن الأرقام الموثقة قد تكون أقل بكثير من الواقع الفعلي، وذلك نتيجة للتعتيم وسياسة التضليل الإعلامي التي تنتهجها أطراف الصراع، إضافة إلى خوف أهالي المختفين قسرًا من الإبلاغ عن حالات اختفاء أحبائهم.
وتؤكد التقارير الحقوقية تورط جميع أطراف النزاع في اليمن في ارتكاب جريمة الاختفاء القسري، بما في ذلك جماعة أنصار الله الحوثي(الحوثيين) والحكومة اليمنية ومختلف الجماعات المسلحة المدعومة من السعودية والإمارات، والمجلس الانتقالي الجنوبي، إذ ترتكب كل هذه الأطراف جريمة احتجاز الأشخاص تعسفيًا وإخفائهم قسرًا، وتعذيبهم وإساءة معاملتهم، في مختلف أنحاء اليمن.
وفيما لا يزال 50 موظفًا على الأقل من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية محتجزين لدى جماعة الحوثيين منذ العام الماضي، بمعزل عن التواصل مع محاميهم أو عائلاتهم، ودون أي تهمة؛ فإن وفاة عامل إغاثة في برنامج الأغذية العالمي في 11 فبراير الماضي، في أحد مراكز الاحتجاز التابعة للحوثيين، ضاعفت من مخاوفنا لا سيما لسجل الحوثيين الحافل بجرائم التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة بحق المحتجزين.
وفي مطلع العام الحالي احتجز الحوثيون 13 موظفًا من موظفي وكالات الأمم المتحدة مما تسبب في إعلان الأمم المتحدة تعليق جميع تحركاتها الرسمية في مناطق سيطرة الحوثين في اليمن. ورغم توالي الدعوات الموجهة للحوثيين من أجل الإفراج عن المحتجزين إلا أن تلك الدعوات لم تلق استجابة تذكر.
وفي الوقت نفسه، تواصل جماعة الحوثين سياستها المتمثلة في إخفاء المعارضين واحتجازهم في أماكن غير معلومة، إذ رصدت رابطة أمهات المختطفين تعرض (165) مدنيًا للإخفاء القسري في محافظة إب فقط، في الفترة من يناير وحتى يوليو من العام الجاري. فيما بلغ عدد الذين تعرضوا للاختفاء القسري في بقية المحافظات (153) مدنيا.
وفي المقابل ارتكبت قوات الحكومة المعترف بها دوليًا وقوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي، وقوات الساحل الغربي، انتهاكات مماثلة تمثلت في احتجازات تعسفية في سجون سرية وإخفاء قسري. إذ تعرض (51) مدنيًا على الأقل للإخفاء القسري خلال العام الجاري، بحسب إحصائيات رابطة أمهات المختطفين. فضلاً عن عشرات المختفين قسرًا منذ سنوات في محافظة عدن، ما زالت عائلاتهم لا تعلم عنهم شيء، وقد تجاوزت مدة اختفاء بعضهم 7 سنوات. ورغم المناشدات المستمرة من عائلاتهم ومنظمات المجتمع المدني لم يٌطلق سراحهم حتى الآن.
أن تفاقم جريمة الإخفاء القسري يرتبط بتفشي ثقافة الإفلات من العقاب، والتي تعد أكبر عقبة أمام مكافحة هذه الجريمة، إضافة الى التستر على مصير الضحايا، ورفض الاعتراف بوجودهم أو الإفصاح عن أماكن احتجازهم، مما يضاعف معاناة عائلاتهم. إذ يمتد تأثير جريمة الإخفاء القسري ليتجاوز الضحية إلى العائلات؛ التي تعيش في حالة من القلق والألم النفسي العميق، بينما تجهل مصير ذويها ومكان احتجازهم. وتتحمل النساء بشكل خاص عبئا ثقيلاً في هذا الصدد، إذ يواجهن تحديات اقتصادية واجتماعية هائلة أثناء رحلة البحث عن ذويهن.
إننا في اليوم العالمي للاختفاء القسري، نرفع صوتنا عاليًا تضامنًا مع آلاف الضحايا الذين اختفوا قسرًا، ومع عائلاتهم التي تعيش ألم الفقد وانتظار المجهول، ونوجه نداءً للأطراف الدولية لتكثيف محادثات السلام في اليمن، وإدراج ملف المختفيين قسرًا ضمن أولويات المباحثات. كما نطالب بأن تنطوي أي خطة مرتقبة لتحقيق العدالة الانتقالية على تشكيل لجنة وطنية للبحث عن المحتفيين قسرًا، ومعالجة أوضاعهم ووضع حد لمعاناة عائلاتهم. كما ندعو إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة بحقهم لضمان حفظ الأدلة واستخدامها ضمن فرص العدالة الانتقالية المرتقبة.
كما نضع في هذا البيان المشترك وانطلاقًا من مسئوليتنا الأخلاقية والحقوقية والإنسانية ووفاءً لمعاناة الضحايا وعائلاتهم، حزمة من التوصيات التي نتوجه بها للجهات المعنية:
يجب على جميع الأطراف أن توقف فورًا جريمة الإخفاء القسري والاعتقالات التعسفية، واحترام المعايير الدولية في التعامل مع المحتجزين، وتقديم معلومات فورية عن أماكن المختفين قسرًا، وضمان إطلاق سراحهم.
على الحكومة المعترف بها دوليًا إعلان الانضمام للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وضمان موائمة التشريعات الوطنية ذات الصلة بما يتوافق مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية. وتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق والبحث عن المخفيين قسرًا، ومعالجة أوضاعهم. وضمان محاسبة مرتكبي هذه الجريمة أمام القضاء، وتبادل المعلومات مع جميع أصحاب المصلحة التي نجحت في التصدي لحالات الاختفاء القسري.
ينبغي على المجتمع الدولي والأمم المتحدة مواصلة الضغط الجاد على جميع أطراف النزاع، لضمان الوفاء بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي والكشف عن مصير الضحايا.
على مجلس حقوق الإنسان تشكيل آلية دولية مستقلة للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي التي ارتكبتها جميع الأطراف في اليمن بما في ذلك الأطراف غير اليمنية، وضمان معالجة قضية المختفين.
يجب على الجهات الفاعلة الوطنية والدولية العمل على تعزيز وحماية المنظمات المحلية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، خاصة تلك التي تعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
المنظمات الموقعة:
- رابطة أمهات المختطفين
- منظمة سام للحقوق والحريات
- التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان
- منظمة مساءلة
- مؤسسة الأمل الثقافية الاجتماعية النسوية
- مؤسسة سد مأرب للتنمية الاجتماعية
- مركز فري ميديا للصحافة الاستقصائية
- مركز الدراسات الاستراتيجية لدعم المرأة والطفل
- مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي
- مرصد الحريات الإعالمية (مرصدك)
- الهيئة المدنية لضحايا تفجير المنازل
- المركز العالمي لمسؤولية الحماية
- مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
- منظمة مبادرة مسار السلام
- مؤسسة معًا نرتقي لرعاية المرأة والطفل
- مؤسسة دفاع للحقوق والحريات
- مركز رصد للحقوق والتنمية
- شبكة مسلة بابل لحقوق الانسان
- ملتقى الشباب المبدع
- مؤسسة الحق لحقوق الانسان
- المنظمة الإلكترونية للإعلام الإنساني
Share this Post

