حواجز عقلنة السياسة والدولة

في مقالات رأي

مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

«الجهل يقود إلى الخوف، والخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف، هذه هي المعادلة»      ابن رشد

تبدو رواية «كبرياء وتحامل» (Pride and Prejudice) للكاتبة الإنجليزية جين أوستن (نشرت سنة 1813) قصة حب كلاسيكية: إليزابيث، فتاة عادية، تعيش مع أربع أخوات، وأم ساذجة، لا هم لها إلا البحث عن أزواج لبناتها الخمس، وأب ساخر ومنطوي. تقابل إليزابيث، دارسي، الرجل الثري، صدفة، ليتبادلا، في الأول، مشاعر كراهية مقيتة واشمئزاز عميق، فهي اعتبرته مغرورًا ومتكبرًا، لأنه منطوي وقليل الكلام، وهو رأى فيها فتاة بسيطة، سطحية وغير جذابة.

فقط عبر لقاءات الصدفة وتواصلهما، يكتشفان حقيقة بعضهما، أن الرجل المتحفظ يخفي قلبًا كبيرًا ومروءةً نادرة وعاطفة حب جيّاشة، وأن إليزابيث، تضمر الاحترام والعمق والرشد وراء مظهرها العادي. وعند ذلك، يخجل كلاهما من حكمه المسبق وتسرعه الأحمق، ليتعلم أن «التحامل سببه الجهل» وأن «الحكم المتسرع هو غباء مطلق» وأن إعمال العقل والتجربة هما السبيل الوحيد للوصول إلى كنه الناس والعالم، لذلك لابد من استعمالهما في كل مظاهر الحياة، فتجارب الحياة ضرورية لكسب التواضع وتبديد التحيزات بغاية الوصول إلى معرفة حقيقة أنفسنا أولا وكذلك العالم حولنا.

«تحلّى بالشجاعة لتعرف»

وأعمق من قصة الحب الجميلة، والتصوير الدقيق للأحاسيس الداخلية والصراعات النفسية للشخصيات وكذلك الحوارات الواقعية والسلسة، تشكل رواية جين أوستن الجانب الأدبي من عصر التنوير باكتشافاته المذهلة وأفكاره الجريئة. تلك الحركة الفكرية غير المسبوقة التي كانت منعرجًا في تاريخ الفلسفة والثقافة؛ إذ جعلت كل مظاهر الحياة (سياسة ودين وثقافة وعلوم) تخضع للعقل متجاوزة المعتقدات الدينية الجامدة، ومحددة معرفة الحقيقة بأمرين: الملاحظة بالحواس والتجربة بالدليل، مما ساهم في التحرر من الأساطير وتسلط رجال الدين ونير الحكم المطلق، لتؤكد أن المعرفة لا تأتي عبر الموروث والأفكار المسبقة، بل عبر الإرادة الحرة التي يجب أن يمتلكها كل إنسان/مواطن، وشغفه وسعيه الدؤوب لها. وكان شعار الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط هو الذي اختزل فكر التنوير وفلسفته، عبر عبارته الشهيرة –التي استعارها من الشاعر الروماني هوراس– «تحلّى بالشجاعة لتدرك المعرفة!»، لأن مظاهر الكسل الفكري والتقليد والخنوع والطاعة التي سيطرت على الحياة الإنسانية لقرون هي التي منعت العقل من الانطلاق والتحرر والخروج من حالة الوصاية الدينية والسياسية.

التنوير السياسي

لم يكن التنوير لينجح في الغرب لولا انتشار أفكار فلسفية أسست لعلاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم، بين الشعب والسلطة. فقد ساهمت فلسفة التنوير في استنباط الديمقراطية الليبرالية من خلال أهم ثلاثة فلاسفة ركزوا مبادئها: فقد دافع روسو عن مبادئ المساواة والحرية والعدالة وأسس لفكرة العقد الاجتماعي الذي يجب أن يرتكز على الإرادة العامة للشعب ويكون بمثابة الرابط الشرعي لوجود السلطة، التي يجب أن تستمد شرعيتها منه، لا من القداسة أو الوراثة. ودافع فولتير عن حرية التعبير والحقوق الفردية، معتبرا أن العقل «هو السلاح الوحيد لمواجهة التعصب» وأن «الطريقة الوحيدة لمنع الناس من التصرف بعبثية وشر هو تنويرهم». بينما ركز مونتسكيو على ضرورة الفصل بين السلطات، لان الفصل بين هذه السلطات الثلاث يضمن توازن الحكم و«يمنع انزلاق السلطة نحو الاستبداد وتضمن استقلال القضاء».

حدود التنوير

«كيف يمكن لعصر العقلانية والحرية، العصر الذي أعلن دون مواربة «أن كل الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الحقوق» أن يُنجب أنظمة عنصرية واستعمارية تبرر استعباد شعوب أخرى وانتزاع خياراتها وحرمانها من حقوقها؟» كان هذا أهم نقد وُجه إلى التنوير، وإلى مسار الحداثة بعد ذلك. ولا يقتصر الأمر على أوروبا، بل كذلك الولايات المتحدة الأمريكية، فدستورها الذي جاء بعد الثورة على الاستعمار البريطاني (1787) كرّس أهم مبادئ التنوير في العدالة والحرية والبحث عن الرفاه، لكنه استثنى في مادتيه الأولى والرابعة العبيد والسكان الأصليين، الذين لم يتم اعتبارهم مواطنين لهم حقوق أصلًا، وكانت نضالات الشعوب هي التي صححت هذا الاختلال، بناء على مبادئ التنوير ذاتها، مما يعني أن هذه المبادئ ليست مرجعًا ثابتًا، بل سيرورة.

حين أُجهض التنوير العربي – الإسلامي

لحظتان مهمتان كانتا ستؤسسان إلى تنوير عربي لكن أجهضهما الجمود الديني والسياسي، الأولى كانت في القرن الثاني عشر مع فيلسوف قرطبة، ابن رشد، الذي غرف من الفلسفة اليونانية وسعى إلى تطويعها حتى تلائم مجتمعه وثقافته، إذ حاول التوفيق بين الشريعة والفلسفة، متبرمًا من تأويلات الفقهاء الجامدة للنص؛ لأن الدين، في رأيه، يحث على التفلسف والحكمة واستعمال العقل، لذلك فالنصوص الدينية يجب تقييمها من منظور عقلي. ولأن الله هو الذي وهبنا عقولًا تفكر، فلا يمكن أن يعطينا شرائعًا مخالفة لها.

لكن محاكمة ابن رشد وحرق كتبه وردود فعل رجال الفقه والسياسة الغاضبة، كلها أثبتت أن الظروف الثقافية والدينية والسياسية لم تكن جاهزة لاستيعاب معرفة عقلانية.

والثانية، وقعت في عصر الحداثة الغربية «عصارة أفكار التنوير وسيرورتها» كما قال أحد الفلاسفة، حين حاول عديد المفكرين، من أمثال رفاعة الطهطاوي وعبدالرحمان الكواكبي وخيرالدين التونسي وقاسم أمين وغيرهم الثورة على التقليد والجمود والاقتراب من الأفكار الغربية، لكن كل هذه المحاولات إما أُجهضت أو بقيت محدودة التأثير وفي أحيانٍ كثيرة، كانت قابلة للتراجع في واقع هشاشة محيطها، لتثبت أن التنوير والتحديث والنهضة، كلها لا تتطلب إسقاطًا من عالم عرف تطورًا علميًا وصناعيًا وفكريًا غير مسبوق، وقطع مع كل أشكال الجمود الديني والسياسي، ولا يمكنها أن تُثمر في تربة الصراعات العرقية والاحتلال الأجنبي والأنظمة الاستبدادية والأفكار الدينية المحافظة، فالعقل العربي لازالت تحكمه أسس ثلاثة، على حد تعبير المفكر المغربي، عابد الجابري، وهي العقيدة والقبيلة والغنيمة.

لذلك فإن السلطة، مهما كانت الأيديولوجيا التي تبررها (قومية – إسلامية – مستنيرة – شيوعية)، ومهما تبنت من أشكال خطابية حداثية، تظل مسكونة بعقلية الغنيمة، يستمد صاحبها شرعيته من الغلبة والسطوة والنفوذ لا من القانون، في تناقض تام مع مبادئ الدولة الحديثة ذات المؤسسات المستقلة والدستور التشاركي. وحتى عند حدوث ثورات وسقوط أنظمة، فإن الوضع، كما نشاهد ونعيش اليوم، لا يتغيّر كثيرًا، إذ لا يكفي أن يسقط نظام سياسي ويُستبدل بأخر لندخل عصر التنوير والحداثة بل «لابد من إسقاط العصبية التي أعاقت تشكل الدولة الحديثة» على حد تعبير المفكر السوري، برهان غليون، وذلك يتطلب ثورة فكرية وثقافية قد تمتد لأجيال قادمة.

المصدر: جريدة المغرب

Share this Post