في 23 سبتمبر 2025، عقد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان اللقاء الشهري من صالون ابن رشد، تحت عنوان «العالم العربي من أحلام الوحدة العربية إلى كوابيس الحروب الأهلية: قراءة في الأسباب والتداعيات». شارك في النقاش الدكتور المهدي مبروك؛ الحقوقي والسياسي التونسي ووزير الثقافة الأسبق، والدكتور العياشي عنصر؛ الأكاديمي الجزائري المتخصص في علم الاجتماع، وأدار اللقاء الحقوقي التونسي مسعود الرمضاني.
في البداية حاول الدكتور العياشي عنصر تفكيك مجموعة من العوامل البنيوية التي رأى أنها تفسّر هشاشة تجارب الوحدة العربية وفشلها، مقارنة بنجاح تجارب أوروبية للوحدة على رأسها فكرة الاتحاد الأوروبي. وبحسب الدكتور العياشي أول عوامل فشل تجارب الوحدة العربية هو أن الدولة الوطنية العربية نشأت في ظل إرث استعماري ثقيل، وأن الحدود الحالية بين الدول العربية رسمتها قوى الاستعمار دون اعتبار للتنوع الديموغرافي أو الإثني أو الاجتماعي للسكان. هذا الواقع أسفر عن تكوين دول غير متجانسة في بنيتها الداخلية، تضم جماعات متمايزة أُدمجت قسرًا في كيانات إدارية موحدة. أما العامل الثاني فيتعلق بطبيعة النظم العربية اقتصاديًا، إذ تقوم معظمها على نظام الاقتصاد «الريعي» سواء المعتمد على الثروات الطبيعية كالنفط والغاز أو المعتمد على المعونات الخارجية، مما أتاح الفرصة لبيئة خصبة من الفساد و«الزبونية»، وعزز الانفصال الشديد بين المواطن والدولة. أما العامل الثالث فيتعلق بطبيعة النظم العربية سياسيًا. إذ تفتقر معظمها إلى الشرعية السياسية، إما بسبب نشأتها كنظم انقلابية (الجيش ينتزع الحكم)، أو بسبب الطابع الوراثي لبعضها (مثل الوضع في دول الخليج)، أو بسبب اعتمادها على الزعامة الفردية بدلًا من المؤسسات. فضلاً عن الطابع المركزي للحكم، وتغليب الحل الأمني على أي تصور ديمقراطي لإدارة الدولة، مما يعمّق مشاعر التهميش والانقسام. أما العامل الرابع، فهو التدخلات الخارجية التي حملها الدكتور العياشي جزءً من المسئولية، انطلاقًا من أهمية الموقع الجيوسياسي للمنطقة وما تختزنه من موارد وثروات، جعلها مسرحًا مستمرًا لصراع المصالح الدولية والتدخلات الخارجية سواء بدعم الأنظمة الاستبدادية، أو بتغذية الانقسام بين فئات المجتمع.
من جهته، رأى الدكتور المهدي مبروك أن ثمة أسباب وعوامل أيضا تضاف لهذه العوامل الأربعة تتعلق بقبول المجتمع العربي نفسه لفكرة الوحدة. لا سيما بعدما أصبحت تجربة الوحدة العربية في الوجدان الشعبي العربي مرادفًا للقمع لا للتحرر. إذ اقترنت بمحاولات فرض الوحدة من الأعلى، عبر أنظمة سلطوية وظّفت خطاب التحرر لتبرير مصادرة الحريات، فكان القمع هو السمة الغالبة، خصوصًا بحق الأقليات. فالشعارات التي رفعتها تلك الأنظمة تحت عنوان الوحدة كانت في الواقع غطاءً لإلغاء المواطنة الفردية والحقوق المتساوية. أما العامل الثاني حسب مبروك فهو غياب المصلحة المباشرة للمواطن. فبينما انطلق النموذج الأوروبي في التكامل من مصالح اقتصادية واجتماعية ملموسة انعكست إيجابًا على حياة المواطن اليومية، وأسّست لشعور مشترك بالفائدة من الوحدة. ارتبطت الدعوات للوحدة العربية بالخطاب الإيديولوجي، لا بالمكاسب الفعلية، فبقي المواطن العربي بعيدًا عن هذا المشروع، بل ونفَر منه. الخلل يكمن أذن في أن فكرة الوحدة كانت دومًا مشروع أنظمة، وليست مطلبًا شعبيًا ينبع من قاعدة المجتمع. وكلما سقط نظام من هذه الأنظمة، سقطت معه فكرة العروبة. ومن ثم، فإعادة الاعتبار لمشروع التكامل العربي تقتضي أولًا إعادة بنائه كإرادة مجتمعية.
في هذا السياق، أشار الدكتور عنصر إلى خطورة تغييب النخب السياسية والاجتماعية والثقافية في الدول العربية عن مشروع الوحدة، فهي بالنسبة لهم مشاريع فوقية تُفرض من أعلى النظام ثم يُطلب منهم الترويج لها دون نقاش. وفي المقابل هذه النخب محرومة من أي انفتاح أو تعاون مع التجارب والخبرات الخارجية المتقاطعة معها. فعلى سبيل المثال معظم الجامعات العربية اليوم منغلقة على ذاتها، لا يوجد فيها أستاذ واحد أجنبي. وبالمثل المؤسسات الثقافية الكبرى والمبادرات الفنية والاجتماعية. انغلاق مؤسسي محكم يعكس حالة عامة من العزلة والانكفاء، وهو ما يتناقض مع الأسس التي قامت عليها تجارب تكامل ناجحة في العالم. ويضيف عنصر: «التجربة الأوروبية بُنيت على توافقات بين مختلف القوى الاجتماعية، بما في ذلك الثقافية والأكاديمية، على قاعدة المصالح المشتركة، لا على الإيديولوجيا. بينما ظل مشروع الوحدة في العالم العربي محصورًا في دائرة السلطة، يُعلن من فوق، ثم تُكلّف النخب بمهمة الحشد له. فضلاً عن غياب التفكير الاستراتيجي المشترك في المشروع، والإقصاء الممنهج للفئات المعنية، والنتيجة مشاريع هشة تنهار بانهيار النظام الحاكم الداعي لها».
ويعلق الدكتور مبروك؛ هذه الأنظمة الحاكمة ورثت الدولة الوطنية أو دولة ما بعد الاستعمار ولم تحاول التفكير في كيفية إدارة المجتمعات، بل استعادت أدوات السيطرة القديمة للمستعمر، وركّزت بدورها على القمع والتهميش، لا على التنظيم والمشاركة. وبالتالي تحصنت بالقوة العسكرية أو خلف توجه أيدولوجي أو ديني أو طائفي معين، واستخدمت القمع والسيطرة لفرضه على كل طوائف وقوى المجتمع الأخرى. فمجتمعات ما بعد لاستقلال أذن لم تُبنَ على قاعدة الاعتراف بالتنوع وتثمين الاختلاف، بل على نفي هذا التنوع والتخوف منه. لذلك لجأت الأنظمة العربية إلى إيديولوجيات شعبوية تمجّد الانسجام الزائف وتخفي التباينات تحت شعار «الأمة الواحدة». هذه الأوهام لا تصمد أمام انهيار النظام، وبالتالي بمجرد سقوط الأنظمة، تنفجر الفئات المهمشة بما تحمله من غضب تاريخي، ويبدأ المجتمع في اكتشاف نفسه من جديد، ولكن في ظل صراعات دامية بدلًا من التعايش. محذرًا من أن الخلط المستمر بين الدولة والنظام، هو ما يدفع المجتمعات إلى تدمير الدولة ذاتها بمجرد سقوط النظام.
أن التعددية الإثنية والمذهبية، يمكن أن تكون عنصر قوة إذا أُديرت ديمقراطيًا وعلى أسس العدالة والمساواة، لكنها تحوّلت إلى مصدر للصراع في ظل غياب سياسات الاعتراف. فثمة مفارقة واضحة بين ما تكتبه الدساتير من شعارات الوحدة والتجانس والمصلحة المشتركة، وبين ما يُمارس فعليًا من تهميش للواقع الديموغرافي والديني المتعدد على الأرض.
وفي الختام، قدّم الدكتور العياشي عنصر تصورات للخروج من هذه الدوامة، مؤكدًا أن أي مشروع تكامل أو وحدة لا يمكن أن ينجح دون تبنّي ديمقراطية حقيقية تشمل الجميع، ومؤسسات تمثيلية فاعلة، وقوانين واضحة تُطبَّق بعدالة. إذ ينبغي أن يكون القانون فيها فوق الجميع، لا أداة في يد النظام. وأن تُدار الدولة كمؤسسة لخدمة مجتمع متنوع، لا كسلطة متحكمة في مصيره. وربط تحرر الشعوب بمدى وعيها بذاتها وبقيمة التعدد فيها، مؤكدًا أن القمع الطويل منع هذه الشعوب من اكتشاف قوتها وتنوعها، وحجب عنها فرص التعايش الخلاق.
شاهدوا الندوة كاملة هنا:
للاستماع إلى بودكاست الندوة، هنا:
Share this Post

