مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.«لا يأتينا الديكتاتور إلا حين نستدعيه نحن» (فارغاس يوسا، رواية «حفلة التيس»)
كتب الروائي المصري، علاء الأسواني، مرة أننا لو سألنا المصريين السؤال التالي: «هل تعارض الديكتاتور بسبب استبداده أم بسبب سياساته الفاشلة؟» فإن قطاعًا واسعًا منهم لن يعترضوا على الاستبداد، الذي يعني سلبهم حريتهم وكتم أصواتهم وترويعهم، بل يعترضون إذا ما تسببت سياساته في معاناتهم المادية وشظف عيشهم وخصاصتهم، وذلك يعود إلى عدة أسباب، حسب رأيه، منها أنه منذ 1952، تربت أجيال على القمع وتأقلمت معه، وحتى لوعدنا إلى التاريخ البعيد، واستثنينا بعض الفترات القصيرة من الانفتاح والحرية النسبية، فإن تاريخ الحكام العرب والمسلمين يزخر بالقهر والإخضاع، يرتكب خلالها الحكام العرب والمسلمين جرائم بشعة من أجل الوصول إلى الحكم أو المحافظة عليه.
الأمر لا يخصّ الشعب المصري فقط، بل ينطبق على الشعوب العربية كافة، حتى التي عرفت بعض فترات الحرية؛ فإن كابوس الاستبداد، ظل يتحيّن الفرصة، عبر الدولة العميقة وترسانته الأمنية والعسكرية، ويخاتل الديمقراطية الهشة ويقنع الناس بسراب الحرية وعقمها، خاصة إن لم تصاحبها تحولات اقتصادية واجتماعية، وهو الأن استعاد سطوته وانتقم لسنوات هزيمته شرّ انتقام…
ولكن ماذا عن النخب السياسية والثقافية؟ هل تختلف نظرتها للديمقراطية والحرية؟
كل المؤشرات تدل على أن الأمر لا يختلف كثيرًا، وإن ثقافة الديمقراطية لدى النخب هزيلة، ولا أظنّ أن أحدًا يختلف مع المفكر الفلسطيني، عزمي بشارة، الذي رأى أن فشل الثورات العربية بما جاءت به من فرص فريدة للحرية والديمقراطية والعدالة، لا تتحمله الشعوب لأنها في مجملها و حتى حسب استطلاعات الرأي التي أُجريت بعد الانتفاضات العربية، «لاتعادي الديمقراطية»، بل وتراها تلائم بلداننا وهو ما يكذّب «كل المقولات الاستشراقية والعنصرية»، لكن المشكل في النخب السياسية والفكرية «التي لها ثقافة سياسية أضعف من ثقافة الشارع العربي» الذي تتعالى عليه.
فالنخب السياسية، يسارها ويمينها ووسطها، التي يُفترض أن تعي خطورة المرحلة الانتقالية وتوجه مسار الثورة وتقيها الارتدادات الخطيرة، مثل عودة النظام القديم أو الانقلابات العسكرية أو شهوات مغامرين قد يستغلون ثغرات مسار ديمقراطية لم يشتد عودها فيرون الفرصة سانحة للانقضاض على المؤسسات، هي نفسها التي تفسد الانتقال وتميّعه بصراعاتها الهامشية ومعاركها الخاصة، لأنها لازالت تحمل بقايا إرهاصات أيديولوجية إقصائية، لذلك فهي ترى أن الديمقراطية لا تختلف كثيرًا عن الاستبداد لأنها مبنية على «العلاقة الصفرية» (Null Relationship)، تلك النزعة الفكرية التي تقوم على الاعتقاد بأن مكسب طرف سياسي يفترض حتمًا خسارة الطرف الأخر، أي من حكم بعد الانتخابات حاول إخراس من يعارض، بدعوى أن الشعب منحه كامل الثقة. ومن عارض لم يقدم بدائل مقنعة، بل شغل وقته باقتناص الثغرات واقتناص الهفوات…
شخصيًا، اتفق مع هذا التحليل الذي يثبته الواقع في بلدين عرفا انتفاضة شعبية وانتخابات حرة، وهما تونس ومصر، فالغرور الذي تمكن من النخب الحاكمة وإخفاقاتها في تسيير الدولة بعد فوزها في الانتخابات ومحاولات العرقلة ونصب الكمائن والتشويه الذي توخته الأحزاب المعارضة والنخب المدنية، كلها عوامل سرّعت في غلق قوس الانتقال الهش وعودة الديكتاتورية.
الحقيقة هناك عقم موروث في تفكيرنا لأننا، منذ سبعينيات القرن الماضي، لبسنا ثوب الأيديولوجيا، دون ثقافة سياسية. تربينا في محيط من القمع يمنع الحوار والتواصل فتقوقعنا داخل النظريات نبحث عن البدائل، وحتى حين توفرت الإمكانية لنغيّر الواقع، لم نتمكن من التأثير فيه، نظرًا لاغترابنا عنه وتعالينا عليه، لذلك فضلنا استدعاء مخزوننا الفكري والأيديولوجي؛ هربًا من محيط لم نفهم متطلباته ولا متغيراته. وهو المخزون ذاته الذي ناكفنا به كل مختلف عنّا، وبنينا عبره الحواجز عوض الجسور، وفضلنا هوس أحلامنا الخاصة على المصلحة العامة، فكانت النتيجة مأسوية: لم نشعر بوطن يبتعد عنّا ولا بشعب أعلن في صمت قطيعته مع السياسة؛ لأننا أنهكناه بصراعاتنا الطفولية، ومنعنا غرورنا وعنادنا من الانتباه إلى مستبدين يتحيّنون الفرصة… ولما كانت أيديولوجيتنا قاطعة مع الاختلاف، كارهة للآخر، فإننا فضلنا الهدم على البناء.
والأن بعد أن ساهمنا كلنا، بتفاوت، في غلق قوس الانتقال الديمقراطي وعودة الحكم الفردي وضرب المؤسسات وخنق الفعل السياسي والمدني، فإننا مطالبون بالتحلي بشجاعة النقد الذاتي والقيام بالمراجعات التي تنسّب حقائقنا الثابتة ونقائنا الفكري وأحكامنا القطعية؛ فعشر سنوات من الزخم السياسي كان يفترض أن تكون كافية حتى ندرك أننا مدعوون إلى التعايش، أحببنا أم كرهنا، وأن نفهم أن السياسة تفترض مراجعات دائمة وتقديم التنازلات والبحث عن المشترك قبل الإقصاء. مالم نفعل ذلك، فستتواصل السنوات العجاف، وتندثر السياسة وتصبح الأيديولوجيا اصطفافًا وتبريرًا للطغيان.
المصدر: جريدة المغرب

Share this Post

